(مقاربة بلاغية تداولية)
يعد (التعريف والتنكير) وسيلتين من الوسائل الدلالية التي يستعين بها المبدع في تشكيل بنية النص الشعري، والشاعر بوصفه فناناً يتعامل مع الكلمة تعاملاً مخصوصاً يجد في التعريف والتنكير" ثراء يهيم به في ساحة النص الشعري التى لا تحدها حدود، ولا يوقف دلالتها عائق ما، فإذا كان التعريف في بعض حالاته تحديداً وتجسيماً للدلالة وبياناً لدقة ما تشير إليه اللفظة، فإن التنكير بعموميته وتوظيفه في بنية التركيب يضيف عمقاً ومقدرة على إثراء الدلالة ثراءً يكشف عن مساهمة التنكير في البنية العامة للنص ". (1)
إن تعامل الشاعر مع هذه الظاهرة الأسلوبية واستغلاله لإمكانياتها الدلالية يكشف عن مدى شاعريته، وعمق فهمه لأدوات فنه، وقد أطال البلاغيون في هذا المبحث إطالة تدعو إلى الرثاء ـ كما يقول رجاء عيد ـ "حيث أجهدوا أنفسهم في متاهات جزئية، لا يمكن أن تكون حكماً على الصورة العامة في أى عمل فني، وإن جاز تطبيقها على موقف فمن الصعب أن ُتطبق في موقف آخر ". (2)
فللسياق دور ملحوظ في كشف أسباب ميل الشاعر إلى التعريف والتنكير حيث يتصل ذلك بالجانب النفسي في إبراز الدلالة، والمعنى المكتسب من طبيعة الصياغة وخواص التركيب .
وهذه الظاهرة اتضحت بشكل لافت في قصيدة (إرادة الحياة) لأبي القاسم الشَّابِّي، ونسعى في هذا المقام لكشف مدى استغلال الشاعر لها، وكيفية توظيفها لإثراء جماليات النص الشعري.
تكشف البنية الإحصائية للقصيدة عن هيمنة واضحة للألفاظ المعرفة على حساب الألفاظ النكرة، إذ بلغت نسبة الكلمات المعرفة بـ (ال) (31.7%) من مجموع كلمات النص، في حين لم تتجاوز النكرات نسبة (6.3%).
ولا يُنظر إلى هذه النسبة بوصفها معطىً عددياً فحسب، بل باعتبارها مؤشراً أسلوبياً يكشف جانباً من رؤية الشاعر للعالم وطبيعة تجربته الشعرية. فغلبة التعريف تدل على نزوع الخطاب الشعري إلى التعيين والتخصيص، وتؤكد أن الشاعر يتعامل مع موضوعه بوصفه حقيقة متجسدة لا تصوراً مجرداً أو احتمالاً ذهنياً. ومن ثمّ يسهم التعريف في تثبيت المرجعيات الدلالية للقصيدة وإضفاء قدر من الوضوح واليقين على رؤيتها الفكرية والوجدانية.
كما أن هذا الحضور الكثيف للألفاظ المعرفة يفضي إلى تعزيز التماسك النصي؛ إذ تتكرر الوحدات الدلالية المحورية في صورة معرفية تجعلها بؤراً مركزية تنتظم حولها بقية عناصر الخطاب، وبهذا يغدو التعريف أداةً لبناء الوحدة العضوية للنص، لا مجرد ظاهرة نحوية أو صرفية.
أما محدودية حضور النكرة فتشي بأن الشاعر لا يميل إلى إنتاج الدلالة عبر الإبهام أو الانفتاح التأويلي الواسع، وإنما يوظف التنكير في مواضع مخصوصة تؤدي وظائف بلاغية دقيقة، كتوسيع الأفق الدلالي، أو الإيحاء بالعموم، أو تضخيم الإحساس النفسي، أو التعبير عن روح التمرد والثورة، ومن ثمّ فإن التنكير في القصيدة يؤدي وظيفة نوعية لا كمية، إذ تتجاوز قيمته النقدية حضوره العددي المحدود.
وتؤكد هذه النتائج أن الشاعر اعتمد استراتيجية أسلوبية تقوم على ترجيح دائرة المعلوم والمحدد على دائرة المجهول والمحتمل، وهو ما ينسجم مع خطاب شعري يسعى إلى تثبيت رؤيته وإقناع المتلقي بها، أكثر من سعيه إلى نتاج غامض، أو فتح مسارات تأويلية لا نهائية.
- التعريف بالألف واللام:
" إن دخول " أل " على الاسم والتى تسمى بـ (أل الجنسية) يفيد الاسم تعريفاً، ولكنه تعريف ذو درجة من حيث إفادة التعريف ". (3)
ومن الأسماء ما يعرف بـ (أل) الاستغراقية فيفيد الإحاطة والشمول لا لجميع الأفراد، ولكن لصفة من الصفات المشتركة بين هؤلاء الأفراد، وبذلك ـ أى بهذا الشمول ـ يعوض إبهام الذات تعيين هذه الصفات " وفي هذه الحالة تضعف دلالة الاسم على الذات، وتقوى دلالته على صفاته وصفات أمثاله التي يجمعها السياق بفضل التعريف الاستغراقي". (4)
وقد لاحظ الباحث أن "الشَّابِّي" يلجأ إلى مثل هذه الوسيلة من التعريف الاستغرافي عندما يعظم أمر الموقف الذي يستغرقه، أو عندما يريد إبراز الصفة دون الاسم وذلك على سبيل المبالغة وقوة الحدث، ومن ذلك قوله:
كذلك قالتْ ليَ الكائناتُ
وحدَّثَني روحُها المُستَتِرْ
ودَمْدَمَتِ الرِّيحُ بَيْنَ الفِجاجِ
وفوقَ الجبالِ وتحتَ الشَّجرْ
إِذا مَا طَمحْتُ إلى غايةٍ
رَكِبتُ المنى ونَسيتُ الحَذرْ
ولم أتجنَّبْ وُعورَ الشِّعابِ
ولا كُبَّةَ اللَّهَبِ المُستَعِرْ
ومن لا يحبُّ صُعودَ الجبالِ
يَعِشْ أبَدَ الدَّهرِ بَيْنَ الحُفَرْ
فَعَجَّتْ بقلبي دماءُ الشَّبابِ
وضجَّت بصدري رياحٌ أُخَرْ
وأطرقتُ أُصغي لقصفِ الرُّعودِ
وعزفِ الرّياحِ وَوَقْعِ المَطَرْ
وقالتْ ليَ الأَرضُ لما سألتُ
أيا أمُّ هل تكرهينَ البَشَرْ؟
أُباركُ في النَّاسِ أهلَ الطُّموحِ
ومَن يَسْتَلِذُّ ركوبَ الخطرْ
وأَلعنُ مَنْ لا يماشي الزَّمانَ
ويقنعُ بالعيشِ عيشِ الحجرْ
هو الكونُ حيٌّ يحبُّ الحَيَاةَ
ويحتقرُ الميْتَ مهما كَبُرْ
فلا الأُفقُ يَحْضُنُ ميتَ الطُّيورِ
ولا النَّحْلُ يلثِمُ ميْتَ الزَّهَرْ
ولولا أُمومَةُ قلبي الرَّؤومُ لمَا
ضمَّتِ الميْتَ تِلْكَ الحُفَرْ
فويلٌ لمنْ لم تَشُقْهُ الحَيَاةُ
منْ لعنةِ العَدَمِ المنتصرْ (5)
** بداية نقف عند قول الشاعر: " إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ" أياً كان المسوّغ فهو ينافي عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر التي هي ركن من أركان الإيمان، فإرادة البشر تابعة لإرادة الله تعالى وليس العكس، قال الله تعالى} وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ{ التكوير:29
"الكائناتُ، المُستَتِرْ، الرِّيحُ، الفِجاجِ، الجبالِ، الشَّجرْ، المنى، الحَذرْ، الشِّعابِ، اللَّهَبِ، المُستَعِرْ، الجبالِ، الدَّهرِ، الحُفَرْ، الشَّبابِ، الرُّعودِ، الرّياحِ، المَطَرْ، الأَرضُ، البَشَرْ، النَّاسِ، الطُّموحِ ، الخطرْ، الزَّمانَ، العيشِ، الحجرْ، الكونُ، الحَيَاةَ، الميْتَ، الأُفقُ، الطُّيورِ ، النَّحْلُ، الزَّهَرْ، الرَّؤومُ، الميْتَ، الحُفَرْ، الحَيَاةُ، العَدَمِ، المنتصرْ..." هذه الأسماء معرفة بـ " أل "، لكنه تعريف مغلف بالشمول وعدم التحديد، حيث تفيد " أل " معنى " كل " لينتقل من معنى معين إلى ما يدل عليه الجنس، ونزوع الشاعر لمثل هذا التعريف ـ عندما يطرح المعنى وقد أراد إثباته والتركيز عليه ـ يجعل الدلالة أكثر تمثلاً في ذهن المتلقى ؛ حيث جاء ذلك في إطار الحث على السعي ؛ لثبوت الدلالة حقيقة على من يدعوهم ويحفزهم ويستنهض همتهم، مما أدى إلى تجسيم المعانى المطروحة، الأمر الذى جعلها أشد وقعاً على النفس، ذلك أن " التعريف بالألف واللام مرتبط بالصياغة في أصل وضع الكلمة حيث تمثل إضافة أداة التعريف تعميقاً لحقيقة اللفظة " (6) ؛ حيث يسهم في إثارة الحافزية لدى المتلقين واستنهاض طاقاتهم النفسية والمعنوية، ويؤدي إلى شحذ الهمم وبعث روح الفاعلية والإقدام في النفوس، ويعمل على تعبئة الوجدان الجمعي، ويوقظ فيه روح المبادرة والتحدي.
ـ التنكــير:
بالنسبة للتنكير فقد وجد ـ هو الآخرـ وعياً من الشاعر بمفهومه، وطبيعة أدائه، فقام باستغلال إمكانياته وتوظيفه في بنية النص الشعري بنفس كفاءته في توظيف التعريف، ودراسة سياق التنكير عامة تؤكد " أن الحدث الكلامي له معنى، ومن ثم فإن دراسة هذا المعنى تبرز لنا طبيعة السياق واضحة جلية، وذلك مرتبط بالشكل السطحي للأداء واتصاله بالمعنى الذي أنتجه الشاعر ". (7)
والنكرة إن كانت لا تدل على شىء محدد أو معين، فهذا بالنسبة لمقتضيات النحو، إلا أن النص الإبداعي اختراع للكلمة التى لا تعرف الثبات ولا الجمود، ومعجميتها تتحول إلى معان ٍ أخرى بعيدة عن المعنى الحرفي لها، ومن نماذج توظيف النكرة في قصيدة "الشَّابِّي" قوله:
ويفنى الجميعُ كحلْمٍ بديعٍ
تأَلَّقَ في مهجةٍ واندَثَرْ
وتبقَى البُذورُ التي حُمِّلَتْ
ذخيرَةَ عُمْرٍ جميلٍ غَبَرْ
وذكرى فصولٍ ورؤيا حَياةٍ
وأَشباحَ دنيا تلاشتْ زُمَرْ
معانِقَةً وهي تحتَ الضَّبابِ
وتحتَ الثُّلوجِ وتحتَ المَدَرْ
لِطَيْفِ الحَيَاة الَّذي لا يُملُّ
وقلبُ الرَّبيعِ الشذيِّ الخضِرْ
وحالِمةً بأغاني الطُّيورِ
وعِطْرِ الزُّهورِ وطَعْمِ الثَّمَرْ
ويمشي الزَّمانُ فتنمو صروفٌ
وتذوي صروفٌ وتحيا أُخَرْ
وتَصبِحُ أَحلامَها يقْظةً
موَشَّحةً بغموضِ السَّحَرْ
تُسائِلُ أَيْنَ ضَبابُ الصَّباحِ
وسِحْرُ المساءِ وضوءُ القَمَرْ
وأَسرابُ ذاكَ الفَراشِ الأَنيقِ
ونَحْلٌ يُغنِّي وغيمٌ يَمُرْ (8)
يلجأ الشاعر هنا إلى استخدام النكرة لتقديم مشهد تصويري، فيقوم بوصف عناصر / مكونات المشهد / اللوحة، حيث يقصد الشاعر إلى مواجهة المتلقى مباشرة بمفردات اللوحة، ومن ثم يجذبه إلى ولوج بنية النص، واستكشاف مساراته المجهولة، فالكلمات " " حلْمٍ، بديعٍ، مهجةٍ، عُمْرٍ، جميلٍ، فصولٍ، دنيا ، زُمَرْ، معانِقَةً، حالِمةً، صروفٌ، أُخَرْ، يقْظةً، موَشَّحةً، نَحْلٌ , غيمٌ ... " منكرة، وكل كلمة في حالتها هذه تؤدى دلالة في بنية النص، إذ تعد عنصراً حيوياً في هذا المشهد الذي صوره الشاعر، وهذا المشهد ـ لا يرتبط بالواقع الخارجي بقدر ارتباطه باللحظة النفسية للشاعر، ولا شك أن وضع هذه الكلمات / النكرات على هذا النحو قد أحدث تأثيره المطلوب، حيث " تقدم كل كلمة بعداً من أبعاد هذا الجو النفسي الذي يعكس روح التفاؤل والأمل في غدٍ مشرق، وهكذا لا ينتهى المتلقى من استيعاب دلالة هذه الكلمات حتى يكون قد ارتسم في نفسه انطباع متكامل عن هذا الجو بشتى أبعاده " . (9)
لقد استطاع الشاعر بهذه البداية (إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ) أن يتيح للمتلقي إنتاج دلالات جديدة تتعدى وظيفة الشرط في الجملة، إذ ينبض الموقف بأنفاس متأججة، وفي محاولة لإيقاظ العزائم واستنهاض الهمم كان الشرط لا لاستدعاء الفعل على مستوى القول، وإنما ليعلن موقفه تجاه الواقع.
أما اللوحة الفنية في هذه القصيدة فتتكون من مجموعة لقطات حية تعكس أبعاد الحالة الشعورية في نسق بلاغي يعتمد على الطباق؛ حيث استطاع الشاعر أن يوزعه على مستوى النص ليجعل منه نواة تشد المعنى إليه؛ فتبعث سكونه بما يمثله من إسقاط دلالي يكشف عن الحالة النفسية في ثنائية تجمع بين أنماط سلوكية متقابلة.
ومن ثمّ ينهض الطباق في قصيدة (إرادة الحياة) بوظيفة دلالية تتجاوز حدود الزخرفة البلاغية إلى بناء الرؤية الفكرية للنص؛ إذ تتشكل التجربة الشعرية عبر شبكة من الثنائيات المتقابلة التي تجسد حركة الصراع بين قوى الحياة وقوى الفناء. فمن خلال التضاد بين (الحياة والعدم، والحي والميت، والنمو والذبول، والفناء والبقاء)، «فويلٌ لمن لم تشقه الحياةُ من صفعة العدم المنتصر» يعد هذا الطباق محور القصيدة؛ إذ يقيم الشاعر صراعًا بين الوجود والفناء، والحركة والجمود، وها «هو الكون حيّ يحب الحياة ويحتقر الميت مهما كبر»، ومن ثمّ جاء الطباق لتأكيد أن قيمة الوجود مرتبطة بالحيوية والفاعلية، «فتنمو صروفٌ وتذوي صروفٌ وتحيا أخر» يصور سنة التغير في الكون وتعاقب القوة والضعف.
وهكذا يرسخ الشاعر مفهوم الحياة بوصفها فعلاً متجدداً قائماً على الإرادة والحركة والتطور، في مقابل العدم الذي يمثل السكون والانطفاء والعجز عن مواكبة سنن الوجود. ويؤدي هذا التضاد إلى تكثيف المعنى وإبرازه في صورة أكثر حيوية وتأثيراً، حيث تتحدد قيمة كل طرف من خلال نقيضه. كما يسهم الطباق في إضفاء طابع جدلي على الخطاب الشعري، فيجعل القصيدة فضاءً لصراع مستمر بين الهدم والبناء، واليأس والأمل، والجمود والتجدد، وهو ما ينسجم مع الفلسفة العامة للقصيدة القائمة على تمجيد الإرادة الإنسانية وقدرتها على الانتصار لقيم الحياة والنهضة. ومن ثمّ يغدو الطباق عنصراً بنائياً أساسياً يسهم في تشكيل البعد الفكري والجمالي للنص، ويمنحه قوة إقناعية وتأثيراً وجدانياً عميقاً.
إن التقابل ـ هنا - قائم على شعور نفسي عميق بالتناقض بين الأشياء والموجودات من خلال ثنائية " الأمل واليأس" التي تضرب بجذورها في صميم الوعي الإنساني، فالشاعر يعرض لدواعي الأمرين، ليستشرف أملاً بين ثنايا اليأس، ويلتمس قبساً من نور خلف المحاق والدجى الذي لا بد أن يتبعه انبلاج الفجر.
ولا يكاد القارئ ينتهى من قراءة مفردات اللوحة حتى تنطبع في ذهنه صورة مكتملة العناصر عن المعاناة التي يعيشها الشاعر في شتى أبعادها .
ولسنا في حاجة إلى الوقوف طويلاً عند ما يحفل به المقطع من صور بلاغية متنوعة، ما بين المجاز والتشبيه والاستعارة، وحسبنا أن نتذوقها من خلال استبطان وظيفتها في السياق،
(صفعة العدم)، (دمدمة الريح)، (عزف الرياح)، (شفاه الظلام)، (قلب الربيع)، (لحن المطر)، (سبات الوجود)، (روح الظفر).
ونلاحظ أن إثبات الأمل يعني نفي اليأس ؛ وذلك أن النفي يجسد أسلوب الشاعر، ويحدد ما يقصده، على أساس انعدام التشابه بين ما يحياه وما يتمناه، وهو عندما يتلاعب بالنفي يعني الإثبات من خلال المخالفة، وهكذا نلاحظ أن الإثبات والنفي قيمتان خلافيتان تظهران المفارقة بين حالتين متناقضتين.(ومَن لم يعانقْهُ شَوْقُ الحياةِ، فويلٌ لمَنْ لم تَشُقْهُ الحياةُ، ولم أتجنَّبْ وُعورَ الشِّعابِ، ولا كُبَّةَ اللَّهَبِ المُستَعِرْ، ومن لا يحبُّ صُعودَ الجبالِ، وأَلعنُ مَنْ لا يماشي الزَّمانَ، فلا الأُفقُ يَحْضُنُ ميتَ الطُّيورِ، ولا النَّحْلُ يلثِمُ ميْتَ الزَّهَرْ...)
لقد جاء هذا المقطع حاملاً نوعاً من التوازي بين البنية اللغوية والحالة النفسية، إذ يتم إنتاج الدلالة في وسط ينتمي إلى المستقبل من خلال الفعل المضارع الذي تكرر (50) مرة في القصيدة، ومجموعة المضارعات (يستجيب، ينجلي، يعانقه....) كلها تمثل بعداً زمنياً خاصاً، حيث تشد الماضي إلى فلك الحاضر لاستعادة علاقة جديدة بعيدة عن هموم الواقع، علاقة تشكل عالماً جديداً من الأمل والسلام، من خلال استخدام اللغة كأداة فاعلة في رسم ملامح هذه الحياة، وصياغة معنى الوجود، ذلك المعنى الذي يتجاوز الإحساس بالمعاناة والقيود إلى الإحساس بالتحرر والانعتاق. ومن هنا تتبدى وظيفتها الجمالية والفكرية في قدرتها على خلق عالم متخيَّل يوازن بين حاجات الذات النفسية وتطلعاتها الإنسانية، ويجسد رؤية قائمة على التفاؤل والثقة وإمكان تحقيق حياة أكثر سلاماً وحرية وجمالاً .
***
د. جمال فودة - (أستاذ النقد والبلاغة)
.....................
المصادر والمراجع
1ـ محمد السيد الدسوقي: علم المعانى في ضوء علم الأسلوب الحديث " دراسة تطبيقية " الطبعة الأولى - مطبعة الشوربجى – طنطا – 1996م0ص 162
2ـ رجاء عيد: فلسفة البلاغة بين التقنية والتطور ـ الطبعة الثانية ـ منشأة المعارف ـ الإسكندرية ـ 1988 م 0 68ص
3ـ عباس حسن: النحو الوافي – الطبعة الثامنة – الجزء الأول – دار المعارف – القاهرة – (د . ت) 0ص 426
4ـ محمد الهادي الطرابلسي: خصائص الأسلوب في الشوقيات – منشورات الجامعة التونسية – تونس – 1981 م 0ص 378
5ـ أبو القاسم الشَّابِّي: الديوان، تحقيق وتقديم (نور الدين صموّد) تونس ـ دار المغرب العربي، وزارة الثقافة، 1994 ـ ص 231
6ـ محمد عبد المطلب: البلاغة والأسلوبية – الطبعة – الشركة المصرية العالمية للنشر – القاهرة – 1994 م 0ص 347
7 ـ السابق: 312
8ـ أبو القاسم الشَّابِّي: الديوان، تحقيق وتقديم (نور الدين صموّد) تونس ـ دار المغرب العربي ـ وزارة الثقافة 1994 ـ ص233
9ـ علي عشري زايد: بناء القصيدة العربية الحديثة – الطبعة الرابعة – مكتبة الشباب – القاهرة – 1995 م 0ص 244








