عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مؤمل الحطاب: الأديب لا يقل عن الفيلسوف.. حين يصبح الأدب تفكيرًا في الإنسان

ليس من قبيل المغالاة أن نزعمَ أنَّ الأديبَ يُضاهي الفيلسوفَ في منزلته، بل إنَّ الأدبَ، في أسمى تجلياته، قد يخترقُ بالفكرِ عوالمَ لا تبلغُها الفلسفةُ بآلياتها ذاتها. فالفيلسوفُ يُقيمُ صرحَ أفكارِه على قواعدِ المنطقِ والمفاهيمِ، ويصوغُ تساؤلاتِه في أطرٍ برهانيةٍ، ويتحركُ في فضاءٍ تفترضُه المقدماتُ وتضبطُه المناهجُ. وأما الأديبُ، فيُغامرُ في المجهولِ من بوابةِ الخيالِ، ويكتبُ عن أشياءَ لا يُحسنُها معرفةً يقينيةً، ثم يحاولُ أن يُكسوَها جسدًا إنسانيًا محسوسًا. وهنا يكمنُ جوهرُ المشقةِ في العملِ الأدبيِّ؛ فالأديبُ لا يكتبُ ما يعرفُه فحسب، بل يكتبُ ما يشتاقُ إلى معرفتِه. قد يكتبُ عن قاتلٍ وهو لم يقتلْ، وعن مجنونٍ وهو لم يفقدْ عقلَه، وعن إنسانٍ يعيشُ ويلاتِ الحربِ وهو لم يشهدْها، وعن امرأةٍ لا تشبهُه، أو عن زمنٍ لم يُولدْ فيه. ومع ذلك، يُنتظرُ منه أن يُقنعَ القارئَ بأنَّ هذه التجاربَ حقيقيةٌ، وأن يمنحَ شخصياتِه بواطنَ دوافعِها ومخاوفِها وأوهامِها وأحلامِها، كأنما عاشَ حياتَها من داخلها.

أما الكاتبُ الأكاديميّ، فعلى جسامةِ مهمتِه، فإنه يسبحُ في فضاءٍ أكثرَ تحديدًا؛ لديه موضوعٌ، ومصادرُ، ومراجعُ، ومفاهيمُ، وقواعدُ، ومنهجٌ علميٌّ يسيرُ على هداه. إنه يكتبُ، في الأعمِّ الأغلب، انطلاقًا من معرفةٍ سابقةٍ، فيُحلِّلها ويناقشُها ويُضيفُ إليها. وأما الأديبُ، فقد يبدأُ من فراغٍ معرفيٍّ، ثم يبني عالَمًا كاملًا من الحدسِ والخيالِ والتجربةِ الإنسانيةِ. ولعلَّ هذا ما يجعلنا ننظرُ إلى الأديبِ الكبيرِ بوصفه فيلسوفًا على نحوٍ آخر؛ فهو لا يُقدِّمُ الفكرةَ في قالبٍ نظريٍّ، بل يُجسِّدُها في إنسانٍ. لا يقولُ لك: "ما معنى الشرِّ؟"، بل يضعُ أمامَك شخصيةً شريرةً، ثم يُدخلك إلى عقلِها، وتسمعُ تبريراتِها، وترى تناقضاتِها، وربما أحسستَ نحوَها بشيءٍ من الشفقةِ، على الرغمِ من نبذِك أفعالَها. ولا يشرحُ لك معنى العزلةِ شرحًا فلسفيًا، بل يجعلك تعيشُها مع شخصيةٍ وحيدةٍ، حتى تتحولَ العزلةُ في وعيك إلى تجربةٍ لا إلى مفهومٍ مجردٍ. وهنا يتفوقُ الأدبُ في بلوغِ جمهورٍ أوسعَ، إذ كثيرًا ما تُكتبُ الفلسفةُ بلغةٍ مفاهيميةٍ نخبويةٍ تحتاجُ إلى قارئٍ متخصصٍ قادرٍ على مُتابعةِ المصطلحاتِ والحججِ والبراهينِ، بينما يستطيعُ الأدبُ أن يُمرِّرَ الفكرةَ العميقةَ عبر الحكايةِ والشخصيةِ والصراعِ والصورةِ والرمزِ. إنه يُحيلُ الفكرَ ملموسًا، ويحوِّلُ السؤالَ الفلسفيَّ إلى تجربةٍ إنسانيةٍ نابضةٍ. ولعلَّ الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي خيرُ شاهدٍ على ذلك، فقد استطاع أن يُناقشَ قضايا الجريمةِ والحريةِ والإيمانِ والشكِّ والعدالةِ والشرِّ والضميرِ، من غير أن يكتبَ كتابًا فلسفيًا بالمعنى التقليدي. لقد غرسَ هذه الأسئلةَ في أعماقِ شخصياتِه، وجعلَ القارئَ يعيشُ الصراعَ بدلَ أن يقرأَ عنه وصفًا نظريًا. ولذلك تجاوزَ أثرُه حدودَ الأدبِ الروسيِّ إلى الفلسفةِ وعلمِ النفسِ والفكرِ العالميِّ، حتى إنَّ فرويدَ نفسه رأى في أدبِ دوستويفسكي مادةً بالغةَ الأهميةِ لفهمِ النفسِ البشريةِ، وناقشَ شخصيتَه وأعمالَه في سياقِ التحليلِ النفسيِّ. ومن هنا نُدركُ كيف يستطيعُ العملُ الأدبيُّ العظيمُ أن يكونَ أوسعَ أثرًا من بعضِ الأعمالِ الفلسفيةِ؛ لأنه لا يُخاطبُ العقلَ وحدَه، بل يخاطبُ العقلَ والوجدانَ والذاكرةَ والخيالَ دفعةً واحدةً. ولهذا قد تُغيِّرُ روايةٌ واحدةٌ نظرةَ الإنسانِ إلى العالمِ، لا لأنها قدَّمتْ له نظريةً جديدةً، بل لأنها جعلتْه يرى العالمَ بعينٍ غيرِ عينِه. وفي هذا السياقِ، تبرزُ روايةُ "الساعةِ الخامسةِ والعشرين" للكاتبِ الرومانيِّ قسطنطين جورجيو مثالًا دالًّا على قدرةِ الأدبِ في مساءلةِ الإنسانِ والتاريخِ والأنظمةِ والأيديولوجياتِ. فقد تحولتِ الروايةُ إلى شهادةٍ أدبيةٍ وفكريةٍ على الإنسانِ حين تسحقُه الآلةُ السياسيةُ والاجتماعيةُ، وأظهرتْ كيف يستطيعُ السردُ الروائيُّ أن يحملَ أسئلةً كبرى تتصلُ بالحريةِ والهويةِ والسلطةِ والاغترابِ، وأن يُواجِهَ القارئَ بهذه الأسئلةِ من خلالِ مصائرَ بشريةٍ، لا من خلالِ مفاهيمَ مجردةٍ. وليس غريبًا أن تُقارنَ بعضُ الأعمالِ الأدبيةِ الكبرى بالأعمالِ الفكريةِ المؤسسةِ؛ فالأدبُ العظيمُ لا يكتفي بأن يحكي لنا ما حدثَ، بل يسألُنا: لماذا حدثَ؟ وماذا يفعلُ ذلك بالإنسانِ؟ وكيف يمكنُ للإنسانِ أن يتحولَ إلى ضحيةٍ أو جلادٍ أو متفرجٍ؟

ومن الكتبِ العربيةِ المهمةِ التي تفتحُ بابًا واسعًا لفهمِ هذه المسألةِ، كتابُ الناقدِ العراقيِّ سعيدِ الغانمي "فاعليةُ الخيالِ الأدبي"، إذ يضعُ الخيالَ في صميمِ العمليةِ الأدبيةِ، ويُجلي لنا أن الخيالَ ليس هروبًا من الواقعِ، بل إحدى الوسائلِ الأعمقِ في إعادةِ تشكيلِه وفهمِه. وربما هنا، تحديدًا، تكمنُ قوةُ الأديبِ: إنه لا يملكُ دائمًا يقينَ الفيلسوفِ، ولا أدواتِ الأكاديميِّ، لكنه يمتلكُ قدرةً نادرةً على اختبارِ الأفكارِ داخلَ الحياةِ. فالفيلسوفُ يقولُ لك ما معنى الحريةِ، أما الأديبُ فيضعُك أمامَ إنسانٍ حُرِمَ منها. والفيلسوفُ يسألُ عن طبيعةِ الشرِّ، أما الأديبُ فيُدخلك إلى عقلِ الشريرِ. والفيلسوفُ يبحثُ عن معنى الموتِ، أما الأديبُ فيُجلِسُك إلى جوارِ إنسانٍ ينتظرُ موتَه. لهذا لا ينبغي أن ننظرَ إلى الأدبِ بوصفه نقيضًا للفلسفةِ، بل بوصفه أحدَ أشكالِ التفكيرِ الإنسانيِّ. فهناك أفكارٌ لا يمكنُ البرهنةُ عليها بسهولةٍ، لكن يمكنُ رؤيتُها، والشعورُ بها، ومعايشتُها داخلَ روايةٍ أو قصيدةٍ أو مسرحيةٍ. وإذا ما تعمقنا في هذه المقاربةِ، أدركنا أن الأدبَ يمارسُ نوعًا من الفلسفةِ الضمنيةِ التي لا تستقرُ على أطروحةٍ نهائيةٍ، بل تظلُّ في حالةِ صيرورةٍ وتوترٍ، تمامًا كالحياةِ نفسها. ففي الفلسفةِ، يطمحُ المفكرُ إلى بناءِ نظامٍ متكاملٍ، أو إلى حلِّ إشكالٍ معرفيٍّ، لكن الأديبَ لا يبحثُ عن إجاباتٍ قاطعةٍ بقدرِ ما يبحثُ عن أسئلةٍ أكثرَ إيلامًا وعمقًا. إنه يتركُ النصَّ مفتوحًا على احتمالاتٍ متعددةٍ، ويُشركُ القارئَ في عمليةِ البحثِ عن المعنى، لا أن يُلقنَه إياه. وهذه السمةُ وحدها تجعلُ الأدبَ أقربَ إلى روحِ التساؤلِ الفلسفيِّ من كونه مجردَ وعاءٍ لنقلِ الأفكارِ. كذلك، يجدرُ بنا أن ننتبهَ إلى أن الأديبَ، حين يكتبُ عن الإنسانِ، لا يكتبُ عنه بوصفه كائنًا معرفيًا فحسب، بل بوصفه كائنًا راغبًا، خائفًا، محبًّا، ممزقًا بين رغباتِه وقيمِه. وهذه الرؤيةُ التركيبيةُ للإنسانِ، التي تجمعُ بين البعدِ العقليِّ والعاطفيِّ والجسديِّ، هي ما تغيبُ عن كثيرٍ من الفلسفاتِ التي تُعلي من شأنِ العقلِ على حسابِ الجسدِ والوجدانِ. فالأدبُ يُعيدُ للإنسانِ كينونتَه الكليةَ، ويُذكِّرنا بأننا لسنا مجردَ عقولٍ محلقةٍ في فضاءِ الأفكارِ، بل كائناتٌ من لحمٍ ودمٍ، تعيشُ في الزمانِ والمكانِ، وتتألمُ وتحلمُ وتخطئُ وتتوبُ.

ومن هنا يصبحُ السؤالُ الحقيقيُّ ليس: من أعمقُ، الفيلسوفُ أم الأديبُ؟ بل: أيُّهما استطاعَ أن يجعلَ الإنسانَ يفكرُ في نفسِه وفي العالمِ بطريقةٍ لم يكنْ قادرًا عليها من قبلُ؟ وعندما يبلغُ الأدبُ هذه الدرجةَ، يصبحُ الأديبُ أكثرَ من راوٍ للحكاياتِ؛ يصبحُ مفكرًا يختبئُ فكرُه داخلَ الحكايةِ، وفيلسوفًا يتحدثُ بلغةِ الإنسانِ، ويطرحُ أسئلتَه الكبرى لا من فوقِ المنبرِ، وإنما من أعماقِ الحياةِ نفسِها، ومن قلقِ الوجودِ الذي لا يهدأُ.

***

مؤمل الحطاب – جامعة موسكو

كاتب ومترجم وباحث

في المثقف اليوم