ما قبل الجهات.. ما بعد الجهات
ان المسافة بين التعبيرية والرؤيوية في الشعر قد يتصورها البعض مجرد فارق تقني. والحقيقة غير ذلك بشاكلة جذرية. فالتعبيرية مهما تألقت فهي بشكل او بآخر انعكاس للواقع بموهبة ووجهة نظر شعريتين لتصوير الحياة بعينها كما يراها المصور من الخارج والداخل بنحو منفرد او مجتمع..
اما الرؤيوية الشعرية فهي واقع لغوي معادل او موازن يهب الحياة وعالمها مثيلهما الجمالي الضروري مشكلا ازاءهما دلالتين خلاقتين الاولى راهنة تستثمر الوعي الابتداعي مجالا زمكانيا للخلق الفني. والثانية مستقبلية تغير التاريخ النمطي المتوالي الى تاريخ متداخل لا يستغني عن النص الشعري لكونه حادثا في الشعر ومن غير الممكن ان يحدث خارجه معرفيا مما يجعل النص الرؤيوي مجالا للتاريخ الاخر وصيغة من صيغه المتحققة كذلك.
ولم تتريث الشاعرة العراقية المبدعة السيدة رجاء الغانمي او تتردد في تشكيل مجال الرؤيا الابداعية التحويلي لهذا النص المتميز فهي كما اتصور قد اتخذت قرارا ذاتيا " عميقا "، مطبوعا غير مصنوع، في ان يكون خطابها هذا رؤيوياً. وهي تعي بمطبوعيتها الخالصة ان هذا سيكون قرارا شعريا مصيريا فالنتاج من الجائز ان يتبلور فريدا او ان يخبو مستنسخا. فلا توجد ارض " تتوسط " التحولات الرؤيوية مثل التعبيرية. اما الابتداع او الاتباع والتقليد المدرسيين. الا ان الشاعرة المجتهدة اختارت التميز ونجحت بامتياز.
فسلكت مذهب (تدجين الغرابة) المدرسية على حد تعبير "ادونيس" حيث ينشأ " الكلام " الشعري في حجر الغرابة ذاتها ويؤول او يصير اليها غرائبيا كذلك:
كي انقاد اليك
على القمح ان ينمو علىٰ خاصرتي
كما اشتعال المواقد..!
*
أنا لا أرى
عظمك، جلدك
ودمك المطلي بتقلبات مزاجك..!
وللحدث الشعري في الجهتين بعد اعتباري غرائبي كذلك فالنشأة الغرائبية تشي بالصيرورة الغرائبية، الاسطورية هنا، والعكس مثله كليا:
خاتمك الفضي
حين ابتلعه البحر
لم اجده في جوف سمكة..!
*
ما بيني وبينك سعة عالمين
ما قبل الوراء واحد
ما بعد الامام آخر..!
(لاحظ اللهجة الغرائبية الاسطورية المشتركة)
كما تأخذ الرؤيا الغرائبية نوعا من التشكل الفريد، غير المسبوق برأيي، لدى الشاعرة بين الواقع اللغوي ووعيه الرؤيوي فيتداخل الترميز مذهبا واقعيا والوعي يتألف سورياليا فوق الواقع. ومغايرا كذلك فيظهر الرمز وعيا والسوريالية واقعا. في اشتباك ابداعي اعتباره ناجز في صعيد المداخلة بين الرؤيا والحقيقة معاً:
لم اقل:
عالم مضىٰ
وعالم آت...!
*
فما بين الحروف تأويل
وثمة صدفة..!
فايهما الحقيقة وايهما الرؤيا.. التأويل ام الصدفة فنيا؟
ام هما يتبادلان الادوار؟
والاشكالية الخلاقة التي تسوقها الشاعرة تبقي ابواب السؤال مشرعة. ولا غرو فالفلسفة تزحف باتجاه المفاضلة بين الخطأ والصواب في الاجوبة. والشعر عكسها ينزاح مكتشفا صائرا في جماليات التساؤلات المفتوحة. ولا تتوانىٰ الشاعرة في تشييد تكوين كهذا غير قابل للانغلاق مطلقا. سيما انها تجد ذاتها طليقة ايضا ترى وتسمع في المالانهايات قبل الاتجاهات وبعدها حيث يتولىٰ الشعر مهمة ومسؤولية اعادة ايجاد وتشكل قيامة اللحظة الكونية المعرفية.
نحوك
تقرر الصدفة وجهتها
لم اقل انني جزء من المهمة..
*
أين الطريق؟
الصحو مخيم على عيني.
*
ولقد كان للايقاع حضوره الخاص الموثر في النص فالشاعرة ببراعة تلقائية تامة وفقت في تمييز مواقيت موسيقية تفصح عن عناصر الخلق السوريالية والرمزية في آن.
١. سورياليا:
على القمح ان ينمو على خاصرتي
عللقم / ح أن ين / مو على / خاصرتي
فعولن / فعولن - فاعلن / مستعلن
٢. رمزيا:
خاتمك الفضيُّ حين ابتلعه البحر
خاتمكل / فضييحي / نبتل / عهلبحرو - اشباع
مستعلن / مستفعلن - فاعل / مفاعيلن
لم اجده في جوف سمكة
لم اجد / هفيجو / فسمكهْ
فاعلن / فعولن / متعلن
مما يكرس، خلال مجهود الشاعرة البارعة بنظري، ان مصطلح " قصيدة النثر " بات غير قادر على تجشم اعباء نماذجه، بجواز التعبير، المتألقة التي تبلور الاسلوبية الابتداعية الايقاعية القافزة عاليا على النسج النثري المتداول غالبا بهيئات نماذج سميكة نثرية مقالية احيانا كثيرة متثاقلة غير حيوية..
مع التثمين والثناء
الأديب ابو محمد الصفار
....................
ما قبل الجهات.. ما بعد الجهات
نحوكَ تُقرِّرُ الصدفةُ وجهتَها.
لم أقلْ إنني جزءٌ من المهمة،
كي أنقادَ إليكَ،
على القمحِ أن ينمو على خاصرتي،
كما اشتعالِ المواقد.
خجلًا من صبيةٍ صغارٍ،
تذوبُ روحي،
فأُلملمُ أطرافَها، وأقول:
أين الطريق؟
الصحوُ مُخيِّمٌ على عيني،
وأنا لا أرى:
عظمَكَ، جلدَكَ،
ودمَكَ المطليَّ بتقلباتِ مزاجِكَ،
وحتى خاتمَكَ الفضيَّ، حين ابتلعه البحر،
لم أجده في جوفِ سمكة.
ما بيني وبينكَ سعةُ عالمين،
ما قبلَ الوراءِ واحدٌ،
وما بعدَ الأمامِ آخرُ.
لم أقل:
عالمٌ مضى،
وعالمٌ آتٍ،
يوخزُ الحنينُ بإبرةِ وجعٍ.
فما بين الحروفِ تأويلٌ
وثمّةَ صدفة.
***
رجاء الغانمي - العراق







