تُعَدُّ هذه الرواية من أهم الروايات الروسية في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد أشاد بمكانتها الأدبية كثيرٌ من الأدباء الروس. فقد عدَّها الكاتب فلاديمير نابوكوف « كتابًا ساحرًا ومأساويًا ومؤثرًا للغاية». أمّا الكاتب والناقد ديمتري دانيلوف فيقول: « ينظر المؤلف (أو الأبطال، أو النص نفسه؛ وليس واضحًا تمامًا مَن المقصود تحديدًا، وربما كانوا جميعًا) إلى العالم الذي يبدو بسيطًا من حوله بدهشةٍ متواصلة لا تعرف الفتور. ويستجيب العالم لهذه النظرة، فيغدو أكثر فأكثر إدهاشًا ». والكاتب ألكسندر غينيس فله رأي آخر في مقاله الموسوم « دروس مدرسة الحمقى »، إذ يقول: « تُذكِّرنا رواية (مدرسة الحمقى) بلوحةٍ فنية، أو بصورة، أو ـ على نحوٍ أدق ـ بصورةٍ ثلاثية الأبعاد، إذ تعتمد الأشياء المتجسدة فيها على زاوية النظر إليها. وعلى الرغم من أن عناصر الصورة المجسمة تظل أحيانًا، أو حتى دائمًا، حبيسة الشاشة، فإننا نجعلها تتحرك وتنبض بالحياة عندما نقترب من الصورة أو نبتعد عنها ». وهذه نظرة سريعة إلى بعض ما قاله النقاد والكتاب الروس عن هذه الرواية.
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى نقطةٍ مهمة وجوهرية في هذه الرواية، تتمثل في معاناة البطل من الإفراط في التفكير؛ إذ يبدو دائمًا منخرطًا في حوارٍ داخلي مع ذاته. ويعمد إلى خلق شخصية مغايرة لشخصيته المضطربة باستمرار، فيحاورها ويخشاها ويعيش معها، وفي الوقت نفسه تسود العلاقة بينهما حالةٌ من التنافر والاغتراب. يقول البطل: « لكنني سأتحدث عن الأمر رغم كل شيء وهذا لأنني لا أحبك بسبب عدم رغبتك في الاندماج معي، وأن نتوحد معاً في فعل مشترك ونتصرف كفردٍ واحد، كما نصح الطبيب». (72). أمّا الزمن في تصورات البطل، فيبقى في حالةٍ من الاضطراب وعدم الاستقرار؛ فهو يعيد تشكيله وفق رؤيته الخاصة، ثم يعود ليتراجع عن تلك التصورات. كما يوظف إيحاءاته الذاتية في إقناع نفسه، محاولًا إيجاد ما يبرر تصوّراته الفكرية؛ لذلك نجده يعبّر عن هذه الحالة بوضوحٍ تام، قائلًا: « <...> اما عن السيارة فلا تقلقي، لقد تركت خيالي يتحرر لفترة من الوقت، فالسيارة ليست موجودة بالفعل ولن تكون موجودة ابداً». (78).. ويعتقد البطل أنه مختلف عن الآخرين، وهو ما تعبّر عنه والدته بصراحة حين تقول له: « ولكن لماذا أنت غاضب للغاية هكذا من رفاقك، أو لست أنت نفسك مثلهم؟ لو كنت مختلفًا عنهم، أو أفضل منهم، لما أرسلناك إلى هذه المدرسة، أوه، لا يمكنك أن تتخيل مقدار السعادة التي كنت سأشعر بها أنا ووالدك يا إلهي ربما كنت سأصبح أسعد أم في العالم. » (85). ومن المفيد التوقف عند ردّ البطل على هذا الكلام؛ فمن خلال إجابته تتضح السمة التي يراها مصدر تميّزه عن بقية رفاقه. يقول: « ربما يبدو لمن ينظر من بعيد أننا متماثلون تماما ونشبههم وأننا أسوأ من حيث التقدم في الدراسة؛ فكلانا لا يستطيع حفظ قصيدة واحدة، ناهيك عن الحكايات الأدبية، ولكننا في المقابل نستطيع تذكر الأشياء الأكثر أهمية. تذكرين منذ وقت ليس ببعيد قالت لك المعلمة فودوكاتشكا إننا – ولداك – لدينا ما يسمى بالذاكرة الانتقائية، وهو أمر حقيقي، فالذاكرة من هذا النوع تسمح لنا بالعيش كما نتمنى لأننا نتذكر فقط تلك الأشياء التي نحتاجها لا الأشياء التي يحتاجها المعتلُّون عقلياً الذين يتجرؤون على التدريس لنا. » (85).
وانطلاقًا من هذا التصور، اعتمد الكاتب في بناء أحداث روايته على ما يُعرف بـ«الذاكرة الانتقائية»، تاركًا بطله يسبح في دوامةٍ من الخيال المفرط. وعلى الرغم من انتقائية ذاكرة البطل، فإنه يرصد تفاصيل الحياة السوفيتية بدقةٍ لافتة. كما لا يخلو النص من إشاراتٍ رمزية وتلميحاتٍ تنطوي على رفضٍ للواقع القائم آنذاك. ويتجلى ذلك في خطاب أحد شخصيات الرواية للبطل الرئيس، إذ يقول:« استمر في الصراخ من أجلك ومن أجلي، ومن أجلنا جميعا - نحن المخدوعين، المشوهين المهانين والمحقرين - من أجلنا جميعاً نحن، الحمقى والأغبياء، المرضى والفصاميين، والمعلمين، لجميع أولئك الذين حرموا من هذه الموهبة والذين أخرست أفواههم اللعابية أو سيتم إخراسها قريبا، لجميع أولئك الذين تم إسكاتهم وهم أبرياء، وفاقدي السمع والذين فقدوا ألسنتهم - أصرخ أكثر وأكثر. » (98)
وأخيرًا، يكتنف نص هذه الرواية قدرٌ كبير من الغموض، الأمر الذي يجعل الإحاطة بدلالاته وفهم بنيته الفنية من القراءة الأولى أمرًا بالغ الصعوبة؛ وذلك لأن النص يعتمد اعتمادًا واسعًا على الإيحاء الذاتي والرموز. كما تتداخل فيه الصور القاتمة على نحوٍ يشبه تداخل الألوان في لوحةٍ فنية حزينة، بما يضفي على العمل طابعًا تأويليًا مفتوحًا يستدعي القراءة المتأنية والمتكررة.
***
حسين علي خضير
كاتب ومترجم عراقي
....................
المصدر:
رواية مدرسة الحمقى: شيزوفرينيا. تأليف: الكسندر سوكولوف؛ ترجمة وتقديم / محمد نصر الدين الجبالي:. – القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2023، ص 72، 78، 85، 98.
* الأديب الروسي ساشا سوكولوف، واسمه بالكامل ألكسندر فسيفولودوفيتش سوكولوف؛ من مواليد عام 1943 في كندا، وهو أديب وكاتب مقالات وشاعر روسي. ومن أشهر أعماله رواية "مدرسة الحمقى (1973، نشرت عام 1976) و" بين الكلب والذئب " (1980)، و" باليساندريا " (1985).







