سرديات الخسارة وإعادة بناء المعنى
ثمة كتّاب يكتبون عن التاريخ، وآخرون يجعلون التاريخ يتسلل من تحت الأبواب ليكتب شخصياتهم نيابة عنهم. يوسف فاضل، الروائي والمسرحي والسيناريست المغربي المولود في الدار البيضاء سنة 1949، هو أحد أبرز من ينتمون إلى هذا الصنف الثاني من الكتّاب. فهو لا يكتب "عن" سنوات الرصاص بقدر ما يجعل من تلك السنوات نسيجاً خفياً يسري في عروق نصوصه، حتى حين تبدو الحكاية في ظاهرها بعيدة عن السياسة كل البعد.
1. سيرة لا تُقرأ كملحق، بل كمفتاح
من المهم أن نتوقف مطولاً عند تجربة فاضل الشخصية قبل أن نقرأ نصوصه، لأن سيرته ليست حاشية بل أصل النص. فقد اعتُقل خلال سنوات الرصاص في معتقل مولاي الشريف بين عامي 1974 و1975، وكان قبل ذلك يتردد على النادي السينمائي "العزائم" بالدار البيضاء، الذي كانت تراقبه أجهزة الاستخبارات المغربية باعتباره بؤرة تجمع شباباً متمرداً ثقافياً وسياسياً. بعد خروجه من المعتقل، اشتغل بتدريس اللغة الفرنسية بالدار البيضاء، وانضم إلى اتحاد كتاب المغرب سنة 1982، في لحظة كانت فيها الكتابة الأدبية بالمغرب لا تزال تتلمس مسافتها من الرقابة والخوف.
هذا التفصيل البيوغرافي ليس هامشياً في فهم مشروعه الروائي؛ فالكاتب الذي عاش القمع من الداخل، لا من خلال الأرشيف أو الشهادات المنقولة، يكتب القمع بطريقة مختلفة جذرياً: لا كحدث صادم يُروى بصوت عالٍ ومباشر، بل كرائحة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى المطبخ والشارع والحانة وغرفة النوم. ولعل هذا ما يفسر أن فاضل، بالرغم من أن الاعتقال السياسي تجربة مفصلية في حياته، لم يكتب رواية "شهادة" بالمعنى المباشر، بل اختار أن يُذيب تلك التجربة في نسيج سردي أوسع، يجعل من القهر مناخاً عاماً لا حادثة معزولة.
هذه السمة بالذات هي ما يميز فاضل عن كثير من كتّاب جيله الذين اهتموا بتجربة الاعتقال السياسي بشكل مباشر وشهاداتي، أمثال عبد القادر الشاوي في رواياته التوثيقية، أو صلاح الوديع في كتاباته عن السجن. فاضل اختار، منذ رواياته الأولى مثل "الخنازير" (1983) ثم "أغمات" (1990) و"سلستينا" (1992) و"ملك اليهود" (1996)، أن يجعل السياسة كائناً خفياً يتربص بالشخصيات لا بطلاً للحكاية. وهذا الاختيار الجمالي يستحق وقفة نقدية: هل هو هروب من المباشرة، أم هو فهمٌ أعمق لطبيعة الاستبداد ذاته - أنه لا يُعاش كحدث، بل كحالة جوية دائمة تتنفسها الشخصيات من دون أن تسميها دوماً باسمها؟
2. "الخاسرون": معجم فاضل الإنساني الثابت
إذا أردنا أن نضع يدنا على الخيط الناظم بين أعمال يوسف فاضل المتعددة - من رواياته الأولى، مروراً بـ"حشيش" (2000) الحائزة على جائزة الأطلس الكبير، و"ميترو محال" (2006)، و"قصة حديقة الحيوان" (2008)، و"قط أبيض جميل يسير معي" (2011)، وصولاً إلى "طائر أزرق نادر يحلق معي" (2013) التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية ونالت جائزة المغرب للكتاب - فسنجد أن أبطاله جميعاً ينتمون إلى عائلة واحدة: عائلة الخاسرين. ليسوا أبطالاً تراجيديين بالمعنى الكلاسيكي، الذين يسقطون من علٍ بسبب عيب جوهري في طبيعتهم، بل أشخاص عاديون، هامشيون غالباً، تطحنهم آلة التاريخ وهم غير منتبهين إلى حجم ما يحدث لهم، أو منتبهون لكن عاجزون عن تغيير مسارهم.
هذا الانحياز الدائم لشخصيات الهامش - المغني المغمور، والكاتب الفاشل، والمرأة المطلقة، والسجين السابق، والممثل الذي لم يحقق حلمه - يجعل من مشروع فاضل الروائي أقرب إلى أرشيف موازٍ للتاريخ الرسمي. فبينما يكتب المؤرخون عن القرارات الكبرى والانقلابات والمحاكمات، يكتب فاضل عمن وقفوا في الظل أثناء وقوع تلك الأحداث، عمن لم يكونوا فاعلين بل ضحايا عرضيين لحركة التاريخ. وفي هذا المعنى يمكن القول إن فاضل يمارس نوعاً من "العدالة السردية" التي تمنح صوتاً لمن حرمهم التاريخ الرسمي من الكلام.
في "طائر أزرق نادر يحلق معي"، وهي الرواية التي أهداها فاضل صراحة إلى ضحايا معتقلات الإبادة في تازمامارت وأكدز وقلعة مكونة ومولاي الشريف، الأحياء منهم والأموات، يتضح هذا الانحياز الجمالي والأخلاقي إلى جانب المهمَّشين والمنسيين بأوضح صوره. الرواية تمارس حفريات عميقة في بنى المجتمع المغربي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وترسم خطوطاً بيانية للتحولات التي مرت بها تلك البنى من السبعينيات وحتى الألفية الجديدة، لتكشف كيف أن التمهيد لدخول "العصر الجديد" في المغرب جرى أحياناً بالأدوات القديمة نفسها، عبر تطوير آليات العنف والقهر لا إلغائها.
وهنا يكمن سؤال جوهري يستحق أن يُطرح: هل الرواية عند فاضل هي تعويض أدبي عن غياب العدالة التاريخية؟ بمعنى أن الكتابة تصبح فعل ترميمٍ لذاكرة مثقوبة، حين يعجز القضاء أو السياسة عن رد الاعتبار؟ إن كان الأمر كذلك، فإن فاضل لا يكتب الرواية بوصفها فناً محضاً، بل بوصفها وظيفة أخلاقية موازية لهيئات الإنصاف والمصالحة، لكن بأدوات الخيال لا أدوات التحقيق.
3. "حياة الفراشات": البنية كموقف فلسفي
تستحق رواية "حياة الفراشات" (2020)، الصادرة عن منشورات المتوسط بإيطاليا في 384 صفحة، وقفة خاصة، لا فقط لأنها من أنضج تجارب فاضل، بل لأن بنيتها الشكلية تحمل في ذاتها أطروحة فلسفية متكاملة. الرواية مقسّمة إلى خمسة أيام، كل يوم يحمل اسمين متناقضين: السبت يوم الانقلاب، الأحد يوم عيد الميلاد، الاثنين يوم الحب، الثلاثاء يوم النكسة، والأربعاء يوم السفر. هذا التجاور بين المفردات المتنافرة - انقلاب وميلاد، حب ونكسة - ليس مجرد لعبة شكلية أو حيلة تقسيمية، بل هو تكثيف لرؤية فاضل للوجود ذاته: حيث لا يمكن فصل الفرح عن الخسارة، ولا الحب عن الهزيمة، لأنهما يحدثان في اللحظة نفسها وفي المدينة نفسها، بل وفي القلب الواحد أحياناً.
تدور الرواية حول سالم، المغني الذي يُجبر على قراءة بيان انقلاب عسكري حاول الإطاحة بالملك في مطلع السبعينات بعدما أتى ليسجل أغنية في الإذاعة الوطنية، فتتحول مصادفة عابرة إلى قدر يلاحقه طوال حياته، وتمتد آثاره لتطول أخته وأباهما ومن حولهم. وهنا تكمن واحدة من أهم سمات فاضل الروائية: اشتغاله على "الصدفة" لا كحيلة سردية رخيصة، بل كاستعارة كبرى للقهر السياسي - فالإنسان في عالم فاضل لا يُسحق بفعل خطيئة ارتكبها، بل لمجرد أنه كان في المكان الخطأ في الزمن الخطأ، وهذا بالضبط جوهر تجربة الاستبداد: أنها لا تحتاج إلى ذنب لتعاقب، بل يكفيها الحضور العابر في المشهد الخطأ.
تتخذ الرواية فضاءات الدار البيضاء مسرحاً كاملاً للأحداث، وتمضي شخصياتها في مصائر متشابكة ومتقاطعة تُقسّم وفق أيام الأسبوع، في بنية أقرب إلى الإيقاع الموسيقي منها إلى السرد الخطي التقليدي. وقد لاحظ نقاد مغاربة أن الموسيقى ليست عنصراً زخرفياً في هذا العمل، بل إيقاع سردي ضابط لمجمل تجربة فاضل الروائية على امتداد عقود من الكتابة، حيث تتحول كل فقرة إلى ما يشبه المقطوعة، وكل فصل إلى ما يشبه الحركة الموسيقية المستقلة والمتصلة في آن.
4. السينما والمسرح يتسللان إلى الجملة الروائية:
لا يمكن فهم أسلوب فاضل السردي بمعزل عن خلفيته المزدوجة ككاتب مسرحي وكاتب سيناريو شارك في كتابة عدة أفلام مغربية، من بينها فيلم "جوهرة بنت الحبس" مع المخرج سعد الشرايبي، أحد الأفلام التي تناولت موضوع سنوات الرصاص والمؤسسات السجنية بجرأة كسرت كثيراً من الكليشيهات السائدة في الدراما المغربية حول هذا الموضوع. فجمله الروائية غالباً ما تُبنى كمشاهد بصرية مكتملة: زاوية كاميرا، إضاءة، حركة بطيئة، ثم قطع مفاجئ. هذه التقنية تمنح نصوصه إيقاعاً مزدوجاً نادراً: فهي تُقرأ كأدب، لكنها تُشاهد كأنها أفلام.
وحين يضاف إلى ذلك حسّه المسرحي العميق - فمسرحيته الأولى "حلاق درب الفقراء" تحولت إلى فيلم سينمائي أخرجه الراحل محمد الركاب سنة 1982 - نفهم لماذا تمتلئ رواياته بمشاهد "فرجوية" صاخبة، أقرب إلى الجو الكرنفالي الاحتفالي الذي تنسب جذوره الفنية إلى رابليه، مؤسس هذا التقليد في فن الرواية. فشخصياته كثيراً ما تتقمص أدواراً، وتؤدي مشاهد تشبه العروض، وكأن ثمة كاميرا خفية تصورها، وركحاً يؤدي عليه ممثلون لا يعرفون أنهم ممثلون. وإلى جانب هذا البعد الفرجوي، يلجأ فاضل إلى تعبير مجازي شعري يتخلل السرد، حيث تتوالى مقاطع أقرب إلى الشعر منها إلى النثر الروائي المعتاد، تتجاوز أحياناً حجم الشخصية التي تصفها لتصبح زينة قرائية مستقلة بذاتها.
كما أن رواياته، وفق هذا التصور، تنقض واقعية المحاكاة التقليدية بإبدالات سردية متعددة: تعويض السرد الخطي بالاستدعاء والمونولوج الداخلي، وتعدد مواقع الراوي، بل وإلغاء السرد أحياناً لصالح رسم المشاهد بالخيال والاحتمالات، في تراوح منتظم بين الواقع والتخييل، بين الصورة والتقرير، مع خطابات تتجاوز النص لتعلو فيها نبرة الاحتجاج والإدانة ضد سلطة غاشمة، أو دجل ديني، أو تقاليد بالية تكبّل الأفراد من دون أن يختاروها.
5. "كوميديا": حين يصبح العنوان سؤالاً لا إجابة
في عمله الأحدث "كوميديا"، الصادر هذا العام (2026) عن منشورات المتوسط بإيطاليا، يعود فاضل إلى مغرب أوائل السبعينات، لكنه هذه المرة يجعل العنوان نفسه فخاً تأويلياً. فالرواية، بالرغم من عنوانها، ليست عملاً هزلياً بالمعنى التقليدي للكلمة، بل استكشاف لتلك المنطقة الرمادية التي يتعانق فيها الألم والسخرية، والفرح والانكسار. شخصياتها - السيمو، الممزق بين التمثيل كحلم والواقع كقيد؛ ورشيد، الكاتب المسرحي الذي يحاول أن يفصّل الحياة داخل نص يكتبه؛ ونورا، المرأة المحطمة بزواج كارثي تبحث عن خلاصها الفردي - كلهم يطرحون السؤال ذاته الذي يطارد مشروع فاضل بأكمله: هل نعيش حياتنا فعلاً، أم أننا مجرد ممثلين على خشبة لم نختر نصها؟
وبين حانة تختبئ من انقلاب، وغرفة ضيقة تتسع لأحلام أكبر من جدرانها، وشوارع تمتلئ بالهاربين من أنفسهم، تتقاطع مصائر شخصيات الرواية التي لا تبحث عن البطولة بقدر ما تبحث عن معنى بسيط للبقاء. وهذا الانتقال من "البطولة" إلى "البقاء" كمطلب أقصى للشخصيات هو نفسه الذي يفسر لماذا اختار فاضل، طوال مسيرته، أن يجعل السياسة خلفية لا مقدمة: لأن السياسة بالنسبة له ليست الموضوع، بل الظرف القاسي الذي يُختبر فيه الإنسان العادي.
في الخلاصة: لماذا لا تشيخ أسئلة فاضل؟
هذا السؤال، في جوهره، هو ما يجعل من يوسف فاضل أكثر من مجرد مؤرخ أدبي لحقبة سياسية بعينها. إنه كاتب يستخدم لحظة تاريخية محددة - المغرب في عقدي السبعينيات والثمانينيات، بانقلاباته وسنوات رصاصه ومعتقلاته - كمختبر لفحص سؤال إنساني أبدي: كيف يحتفظ الإنسان بإنسانيته حين تتحول الحياة نفسها إلى نص مفروض عليه أن يؤديه دون أن يملك حق التعديل عليه؟
وإذا كان النقاد قد لاحظوا أن عنوان "حياة الفراشات" كان يمكن أن يُستبدل بجدارة بعنوان "الخاسرون"، فإن هذا الوصف ينسحب فعلياً على كامل تجربة فاضل الروائية الممتدة لأربعة عقود: من "الخنازير" إلى "كوميديا"، يجمع فاضل خلاصة كتابة روائية بصمت متن الرواية المغربية شكلاً ومضموناً، وانتزعت رقعتها في خريطة الرواية العربية الواسعة، خصوصاً تلك المنفتحة على عوالم منزوية وبأدوات سردية مبتدعة لا تكرر النموذج الواقعي السائد.
وربما هذا هو السبب الحقيقي وراء استمرار حضور فاضل وتجدده على مدى أربعة عقود من الكتابة: لأن أسئلته لا تشيخ مع الزمن، حتى وإن شاخت الأحداث التي ألهمتها. فما دام هناك إنسان عادي يُسحق من دون ذنب، وما دامت هناك سلطة تحوّل المصادفة إلى قدر، فإن رواية يوسف فاضل ستظل قادرة على أن تقول شيئاً جديداً عن قسوة هذا العالم، وعن تلك "القد" - كما وصفها أحد قارئيه - التي تجعل عالمه مليئاً بالمفاجآت بالرغم من قتامته، وتسمح بفهم معنى الخيبة والإخفاق في الحب والسياسة معاً، من دون أن تسقط عن شخصياته حقها في الحلم.
***
آمال بن الطاهر - كاتبة وناقدة وباحثة مغربية








