عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

زهير ياسين شليبه: قراءة مختصرة في رواية د.عمر ظاهر

"طارق.. الرقص مع الأفاعي!"

الدكتور عمر ظاهر خاضَ تجربةً سياسيةً خاصةً وخبرَ من خلالها المجتمع العراقي من خلال بيئته ومدينته الصغيرة التي ولد وترعرعَ فيها، ثم اختمرت هذه الخبرة الحياتية وتعمقت في بغداد، حيث أتمَّ دراسته الجامعية قبل ان يأتي إلى بلده الثاني الدنمرك لينال الدكتوراه ويشتغل في التعليم الجامعي!

وأصدر روايته البكر والوحيدة حتى الساعة، والتي أنا بصدد الكتابة عنها!

تجربة حب خائبة تدفع الطالب الجامعي ذا الانحدار الريفي، طارق، إلى البحث عن الهدوء والطمأنينة في الاستيقاظ لصلاة الفجر في المسجد كل يوم، دون أن يدري أنه بذلك يلقي بنفسه في عين إعصارٍ سياسيٍّ كان يعصف بالعراق عشية الحرب العراقية- الإيرانية.

طارق، الشاب العصامي الذي يوصل نفسه بشق الأنفس إلى الجامعة، ليشكل نقلة اجتماعية غير مسبوقة في تاريخ عائلته، كان يتجنب، لأسباب وجيهة، السياسة والسياسيين، يُعتقل بشبهة انتمائه لجماعة دينية سياسية معارضة، وتُوجه إليه تهمة نقل شفرات سرية لها (الجماعة).

لكنه بعد أيام من التعذيب الوحشي، وبعد إجباره على إطلاق ألفاظ بذيئة على أمه، يطلق سراحه بتدخل مباشر من مسؤول أمني. هكذا يتم إذلال الإنسان في بلد يدّعي الوطنية والإنسانية!

ويكون أول همومه بعد إطلاق سراحه أن يزور قبر أمه، فتأتي الزيارة لتقدم دليل إثبات على التهمة التي كانت قد وجهت إليه.

وحين يدرك طارق أن الموت يلاحقه، يصبح همه الأول أن يوصل دفتر مذكراته إلى من يأتمنه عليه، أحد أصدقائه الفكريين، ثم يختفي دون أثر.

ويقوم هذا الصديق، بعد أن يطلع على مذكرات طارق، وحين تتاح له أول فرصة، بتحري مصيره، يسمع بإعدامه، فيقرر أن يصل إلى حقيقة ما جرى لطارق، وذلك من خلال المفتاح الوحيد إلى قصته، تلك الفتاة التي أحبطته ودفعته إلى التدين هرباً من المشاعر الساحقة.

يعرض الصديق مذكرات طارق على شكل رواية تتناول النفاق السياسي والاجتماعي والديني في العراق منذ خمسينيات القرن الماضي، موجهاً النقد القاسي، ليس إلى السلطة وحدها أو رجال الأمن وحدهم، بل إلى الجميع، فلا ينجو من سياطه لا الشيوعيون ولا رجال الدين ولا أساتذة الجامعة، ولا حتى المواطن العادي، ولا غيرهم.

فـرواية طارق ليست عن علاقة الشعب بالسلطة في العراق، بل عن علاقة الإنسان العراقي بغيره من العراقيين، وعن موقفه من السياسة والدين والجار واليتيم والضعيف والقوي. وهذه العلاقة هي في الغالب الأعم غير إيجابية، بل يشوبها الكثير من العدوانية. ولعل عبارة "أريد أن أكسر عينه"، التي ترد على لسان أكثر من واحد من الشخصيات، خير تعبير عن هذه العدوانية.

"كسر العين" تعبير آخر عن الاعتداءات الجنسية على الأطفال، وحتى الكبار انتقاماً لانتماءاتهم المختلفة، بما فيها المذهبية لتكشف الأحقاد الدفينة التي تهدد دواخل الشخصية العراقية!

والرواية أيضاً محاولة لتصوير مأساة الإنسان العراقي على ضوء ما يدور في دواخله.

وهذا ما يظهر بوضوح كبير في شخصية الفتاة التي دفعت بسلوكها الغريب طارق إلى الاستيقاظ إلى صلوات الفجر في المسجد، إذ تبرز في آخر الرواية لتلقي الكثير من الضوء على الصراع الذي يعصف بالإنسان العراقي في دواخله، الصراع بين الملائكية والشيطانية.

إن الرواية تقول الكثير عن مأساة الإنسان العراقي، لكنها تترك الحكم على أسباب هذه المأساة للقارئ.

أتزكُ الباقي للقارئ للاطلاع على هذه الرواية لكي يتعرف بنفسه على جانب من المجتمع العراقي قد يكون فاتَ معظم العراقيين التفكير مليّاً به، لانشغالهم بموضوعات سياسية كبيرة ولم يدركوا متناقضاتهم!

***

د. زهير ياسين شليبه

 

في المثقف اليوم