قراءة في وعي الذات المزدوج
مدخل: الشاعر الذي يهجو نفسه وهو يمارس فعلته
ثمة ظاهرة نادرة في الشعر العربي القديم تستحق وقفة متأنية: شاعر يكتب المجون بكل جرأته، ثم يلتفت في القصيدة ذاتها ليسخر من نفسه وهو يفعل ذلك. هذا ليس تناقضاً عابراً في شخصية أبي نواس، بل هو بنية واعية متكررة في شعره، تستحق أن تُقرأ بوصفها ظاهرة أسلوبية قائمة بذاتها، لا مجرد "تذبذب نفسي" كما يفسرها بعض القراء التبسيطيين.
1. المجون عند أبي نواس ليس غاية، بل موقف
قبل الوقوف عند الهجاء الذاتي، لا بد من تحرير مفهوم "المجون" من الفهم السطحي الذي يختزله في وصف الخمرة والغلمان. المجون عند أبي نواس موقف من العالم بقدر ما هو موضوع شعري: رفض صريح لمنظومة القيم التي بُني عليها الشعر العربي قبله: الفروسية، البداوة، الطلل، المديح المتكلَّف. حين يعلن رفضه البكاء على الأطلال ويستبدلها بوصف الكأس والساقي، فهو لا يصف متعة عابرة، بل يقيم نظاماً قيمياً بديلاً، له مركزه الخاص (الحانة) ولغته الخاصة (مفردات الخمرة والمجالس) وحتى "أخلاقه" المقلوبة الخاصة به.
2. حين ينقلب الشاعر على مجونه ذاته
هنا يكمن المفصل الأهم في تجربته: أبو نواس لا يكتفي بمخالفة القيم السائدة، بل يمارس نوعاً من الهجاء الذاتي المزدوج؛ يهجو المجتمع الذي يرفضه، ثم يهجو نفسه وهو غارق في المجون، وأحياناً يهجو الشعر ذاته وهو يكتبه. هذا يعني أن القصيدة النواسية تحمل بداخلها وعياً بذاتها: الشاعر يعرف أنه يرتكب "خطيئة" بمقاييس عصره، ولا يخفي هذا الوعي، بل يجعله جزءاً من بنية القصيدة، فيصف مجونه ثم يسخر من نفسه لفعله، من دون أن يتراجع فعلياً عن المجون. هذا نمط نادر جداً في الشعر القديم: أن يكون الشاعر ناقداً لذاته من داخل فعلته لا من خارجها.
3. لماذا هذا الهجاء الذاتي ليس ندماً؟
هنا يجب الحذر من قراءة شائعة وسريعة: كثير من الدارسين يفسرون هذا التناقض الظاهري بوصفه "ندماً" أو "صراعاً نفسياً" بين تديّن أبي نواس ومجونه. هذه القراءة مغرية لكنها ساذجة منهجياً، لأنها تسقط مفهوم "الشعور بالذنب" الحديث على نص لا يقدم نفسه بهذه الصورة على الإطلاق. فالشاعر لا يتوقف عن المجون بعد هجائه لنفسه، بل يعاود الكتابة بنفس الحماس في القصيدة التالية. هذا يرجّح أن الهجاء الذاتي عنده أداة أسلوبية؛ نوع من المناعة الذاتية التي تحصّن الشاعر من نقد الآخرين بأن يسبقهم إليه، لا اعترافاً حقيقياً بالخطأ.
4. الهجاء الذاتي كسلاح لا كضعف
يمكن قراءة هذه الظاهرة من زاوية أخرى أكثر دقة: حين يهجو أبو نواس نفسه، فهو يسحب من خصومه سلاحهم الوحيد. من يهاجم مجونه إنما يكرر ما قاله الشاعر عن نفسه أصلاً. هذا يجعل الهجاء الذاتي عنده استراتيجية دفاعية بارعة أكثر منها كشفاً نفسياً صادقاً: هو يسبق الرقيب الاجتماعي بالنقد الذاتي، فيُفرغ النقد الخارجي من قوته قبل أن يُوجَّه إليه.
5. إشكال لا بد من مواجهته
هذه القراءة نفسها ليست بلا ثغرات. فإذا كان الهجاء الذاتي استراتيجية دفاعية محضة، فلماذا نجد في بعض نواسياته نبرة تبدو أعمق من مجرد اللعب اللفظي، نبرة أقرب للتأمل الجاد في المصير والزوال؟ هنا يصعب حسم الأمر: قد يكون أبو نواس يتنقل فعلاً بين موقفين حقيقيين (اللذة والقلق من العاقبة) من دون أن يكون أحدهما "قناعاً" للآخر، وقد تكون محاولتنا لإيجاد نسق واحد يفسر كل شعره سعياً لتبسيط شاعر أراد تحديداً أن يكون غير قابل للاختزال في تفسير واحد. ربما كانت هذه المراوحة نفسها، لا أحد طرفيها، هي جوهر تجربته.
خاتمة: ماذا يبقى؟
ما يميز أبا نواس ليس أنه مجن أو هجا، فكلاهما موجود عند غيره من الشعراء، بل أنه فعل الاثنين معاً في آن واحد، وجعل من هذا التزامن بنية شعرية متعمدة لا عارضاً. هذا يجعله حالة فريدة في تاريخ الشعر العربي: شاعر يكتب وهو يراقب نفسه وهي تكتب، ويسخر من هذه المراقبة أيضاً.
***
آمال بن الطاهر - باحثة وناقدة من المغرب








