عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

نجلاء نصير: جماليات المخاتلة السردية وأبعادها الدلالية

قراءة بينية في قصة "الزيارة" للكاتبة أمل ماضي

الزيارة.. قصة قصيرة

بكى عمر كثيرًا وهو يستجدي والده أن يسمح له بزيارة أمه في العيد. ردّ عليه الأب بحنان بأن طريق السفر طويل إلى بلدتها الصغيرة في أحد الأقاليم، وسيكون مرهقًا جدًا بالنسبة له، خاصة مع ارتفاع حرارة الجو. ووعده بقضاء يوم العيد في مدينة الملاهي، وتناول الغداء في مطعم الوجبات السريعة المفضل لديه.

لم تُثنِه أعذار والده وإغراءاته عن رغبته في زيارة أمه، بل ازداد تشبثًا وإصرارًا على موقفه.

ظل يومين قبل العيد مريضًا، ممتنعًا عن الطعام. تحدثت إلى والده جدته، والدة أبيه، لتقنعه بأن يصطحبه لزيارة أمه. لم يجد الأب مفرًا من الاستجابة لطلب عمر، خاصة بعدما لاحظ الحزن والشحوب يغزوان ملامحه، وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره.

في صباح يوم العيد، استيقظ عمر مبكرًا، واغتسل سريعًا، وتناول إفطاره كاملًا، وارتدى ملابس العيد الجديدة، وطلب من والده أن يبتاع له باقة ورد بيضاء، اللون المفضل لدى والدته، قبل أن يبدأا طريقهما.

وفوق أحد القبور، وضع عمر باقة الورود، قائلًا:

«ماما، شفتِ لبس العيد بتاعي؟»

ثم أخرج من جيبه ورقة صغيرة بها تقييم درجاته الشهري، ووضعها بجوار الورود، وقال:

«شهادة الشهر بتاعتي طلعت من الأوائل، زي ما وعدتك. ماما، كل عيد وأنتِ في الجنة».

القراءة النقدية

إن ًّهذه أقصوصة وجدانية نفسية تقوم على المفارقة السردية تتجاوز بساطتها الظاهرية لتتحول إلى شبكة معقدة من الدلالات التي تتداخل فيها أبعاد النفس البشرية مع الضغوط والمظاهر الاجتماعية، مستعينةً بلغة سيميائية مشحونة بالرموز. تسعى هذه الدراسة عبر منهج نقدي "بيني" متكامل إلى تفكيك هذه الدلالات، رغبةً في كشف الآليات الإبداعية التي اتبعها الكاتب لتحويل طقس العيد من مظهر للفرح الجماعي إلى برزخ عاطفي واختبار حاد للفقد، واستكشاف كيف يغدو الحوار مع الغائب آلية دفاعية ونفسية يقاوم بها الطفل براءة الفجيعة وصدمة الموت المبكر.

1. العنوان والبنية السردية (المخاتلة القرائية)

- العنوان "الزيارة": اختير بعناية ليكون عاماً ومضللاً في آن واحد. يوجه ذهنية القارئ نحو فكرة الانتقال الجغرافي العادي، وهو ما يخدم المفاجأة الختامية .

- الحبكة: اعتمدت القصة على التدرج الدرامي (إصرار الطفل ← مرض وامتناع عن الطعام ← رضوخ الأب). تصاعدت الأحداث بطريقة توحي برحلة شاقة إلى "إقليم ناءٍ"، ولكن البعد الجغرافي الذي تعلل به الأب كان في الحقيقة قناعاً للمسافة النفسية والزمنية الفاصلة بين عالم الأحياء والأموات.

2. الصراع النفسي وبناء الشخصيات

- عمر (الطفل): رغم عدم تجاوزه العاشرة من عمره، إلا أنه يعكس وعياً مشحوناً بالوفاء والارتباط العاطفي. امتناعه عن الطعام ليس مجرد عناد طفولي، بل هو استجابة سيكولوجية لرفض بدائل الأب المادية (الملاهي، الوجبات السريعة) مقابل الاتصال الروحي بأمه.

- الأب: يمثل الشخصية الحمائية الحريصة. تعلله بطول الطريق والحرارة كان محاولة ذكية من الكاتب لإخفاء الحقيقة عن القارئ أولاً، ولحماية طفله من قسوة المشهد (المقابر) في يوم العيد ثانياً.

3. الدلالات الرمزية والسينوغرافيا

برع الكاتب في استخدام تفاصيل مادية تحمل شحنات عاطفية مكثفة:

-الملابس الجديدة: تمثل طقس العيد التقليدي، لكن عمر لم يرتدها ليفرح بها مع أقرانه، بل يرتديها "ليعرضها" على أمه، كأنه يستمد شرعية الفرح بالعيد من رؤيتها له.

- الورد الأبيض: اختيار اللون الأبيض يحمل ثنائية دلالية؛ فهو اللون المفضل للأم (رمز النقاء والصفاء)، وهو أيضاً لون يرمز للسلام الأبدي، ويتسق مع أجواء المقابر والموت.

- لشهادة المدرسية والوعد: هذا التفصيل ينقل العلاقة من مجرد حزن على الفراق إلى "استمرارية الحوار والميثاق". الطفل ما زال يفي بوعوده لأمه وكأنها حية توجّه سلوكه وتراقبه.

4. المفارقة الختامية واللغة

- الانتقال اللغوي: يتحول السرد من الفصحى التقريرية الحزينة إلى العامية المصرية على لسان الطفل («ماما» شفتي لبس العيد بتاعي). هذا الانتقال اللغوي ذكي جداً؛ لأن العامية هنا هي "لغة العاطفة الخام" و"لغة الحوار الداخلي الفطري" بين الطفل وأمه، مما ضاعف من الأثر الشجني للنص.

- الجملة الأخيرة: («كل عيد وأنتِ في الجنة») هي التي فكت شفرة السرد بالكامل. أعادت هذه الجملة صياغة كل الأحداث السابقة في ذهن القارئ: فالطريق الشاق لم يكن للأقاليم، بل كان عبوراً لخط فاصل بين الموت والحياة، ومرض الطفل كان حداداً مبكراً.

ومجمل القول إن َّالقصة نجحت تماماً في تحقيق "شعرية الأثر" لم تقع في فخ المباشرة، واستخدمت تقنية "الحجب والإفصاح" بمهارة فائقة. النص يعالج تيمة الفقد واليتم في الطفولة لا بوصفها عجزاً، بل بوصفها طاقة حب دافعة تجعل طفلاً في العاشرة يتجاوز بهجة الملاهي والألعاب ليقف أمام قبر، محملاً بوعوده ونجاحه ليقول لأمه: "أنا بخير.. لأنني ما زلت أذكرك".

***

د. نجلاء نصير

في المثقف اليوم