بين الجسد واللغة وأنقاض اليوتوبيا
حين حصل دورس غرونباين (Durs Grünbein) على جائزة بوشنر عام 1995، وكان أصغر من نالها حتى ذلك الوقت، بدا الأمر اعترافاً بظهور صوت جديد في الشعر الألماني. غير أن أهمية غرونباين لم تكن مرتبطة بجيل أدبي جديد فحسب، وإنما بطريقة جديدة للنظر إلى الشعر نفسه. فمنذ ظهوره في أواخر ثمانينيات القرن الماضي أخذ يبتعد عن التصورات التي كانت تحكم القصيدة الألمانية منذ عقود، وراح يؤسس شعريته الخاصة على تقاطع غير مألوف بين الفلسفة وعلم الأعصاب والذاكرة التاريخية والتجربة اليومية.
وُلِد الشاعر سنة 1962 في مدينة دريسدن، المدينة التي لم تغب عن شعره أبداً. كانت دريسدن بالنسبة إليه أكثر من مكان ولادة. كانت مختبراً للتاريخ الأوروبي كله. مدينة ازدهرت قروناً طويلة ثم تحولت في شباط/فبراير 1945 إلى بحر من النار والرماد، قبل أن تنهض من جديد وسط ألمانيا الشرقية الاشتراكية. لهذا حملت قصائده منذ البداية وعياً مزدوجاً: وعي الخراب ووعي الاستمرار.
نشأ غرونباين داخل جمهورية ألمانيا الديمقراطية. هناك تعلّم مبكراً كيف تستطيع اللغة أن تتحول إلى جهاز سياسي. كانت الشعارات تملأ الفضاء العام، وكانت الكلمات تُستهلك يومياً في خدمة اليقين الأيديولوجي. لهذا سيصبح الشاعر لاحقاً شديد الارتياب من السرديات الكبرى، شديد الحساسية تجاه كل لغة تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية.
انتقل في منتصف ثمانينيات القرن الماضي إلى برلين الشرقية، وبدأ دراسة المسرح، ثم سرعان ما انصرف إلى الشعر. خلال تلك السنوات قرأ بنهم في الفلسفة والفيزياء وعلم الأعصاب. تأثر بفيتغنشتاين وتأملاته حول اللغة، وتأثر بالنظرية النقدية الألمانية، وقرأ البنيويين الفرنسيين، كما انشغل بالعلوم الطبيعية انشغالاً سيظهر بوضوح في أعماله اللاحقة.
منذ ديوانه الأول منطقة رمادية في الصباح Grauzone morgens"" الصادر سنة 1988 ظهرت ملامح عالمه الشعري. المدينة الحديثة حاضرة بقوة، والإنسان يظهر داخل فضاء حضري مكتظ بالإشارات والضجيج. لم تكن القصيدة عنده مكاناً للغنائية الرومانسية، وإنما جهاز رصد حساس للحياة اليومية.
يكتب في أحد نصوصه المبكرة:
"المدينة تستيقظ ببطء
بين ضجيج الحافلات
وخطوات في الضباب."
تكشف هذه الأسطر القليلة جانباً أساسياً من شعريته. فالمشهد لا يبحث عن الجمال بقدر ما يبحث عن الدقة. المدينة ليست خلفية للقصيدة، وإنما موضوعها الأول.
ثم جاء ديوان درس في قاعدة الجمجمة "Schädelbasislektion" عام 1991 ليعلن ولادة واحدة من أكثر التجارب الشعرية فرادة في أوروبا المعاصرة. فجأة أصبح الدماغ نفسه موضوعاً شعرياً. يكتب:
"فكرة،
شرارة صغيرة
في شبكة الأعصاب."
في هذه الصورة يتجسد أحد أهم مفاتيح مشروعه. الفكر ليس حدثاً مفارقاً للجسد. الفكرة ليست كائناً ميتافيزيقياً يحلّق خارج المادة. إنها ومضة كهربائية في شبكة عصبية. القصيدة تنطلق من البيولوجيا.
لهذا السبب تبدو قراءاته في علم الأعصاب جزءاً من تكوينه الشعري، وليست مجرد اهتمام جانبي. لقد أراد أن يعيد الإنسان إلى واقعه الجسدي بعد قرن كامل من الأيديولوجيات والطوباويات. الجسد في شعره ليس موضوعاً بين موضوعات أخرى. إنه نقطة الانطلاق كلها.
في كتاباته النظرية اللاحقة سيقول إن الشعر يرتبط دائماً بالتجربة الحسية. الكلمات لا تحصل على معناها الكامل داخل القاموس. إنها تكتسب معناها عندما تضيئها لحظة من الحياة. وكل كلمة تنتظر لحظتها الخاصة في التجربة.
أصبحت هذه الفكرة أكثر وضوحاً في محاضرته الشهيرة «عن دلالة الكلمات» التي ألقاها عام 2009. هناك أعلن بصورة تكاد تكون نهائية أن زمن البيانات الأدبية قد انتهى. لم يعد الشعر في رأيه يتحرك بواسطة بيانات جماعية أو برامج جمالية شاملة. لم يعد الشاعر قائداً لحركة أدبية. لم تعد القصيدة بياناً أيديولوجياً. أصبح الشعر تجربة فردية خالصة، ومحاولة شخصية للعثور على طريق داخل اللغة.
في تلك المحاضرة يكتب:
"كل شيء يعتمد على أن تُترك الكلمة ترنّ في المكان المناسب، لا مبكراً جداً ولا متأخراً جداً."
تكاد هذه العبارة تختصر مشروعه كله. الشعر ليس أفكاراً كبيرة. الشعر هو العثور على الموضع الدقيق للكلمة. من هنا أيضاً يمكن فهم عودته المتكررة إلى التراث الإغريقي والروماني. لم يكن مهتماً بالآثار القديمة بوصفها زينة ثقافية. كان يرى فيها بقايا خبرة إنسانية ما زالت حية داخل اللغة الأوروبية.
في عمله الطويل من الثلج " Vom Schnee" يقترب من شخصية ديكارت، لا بوصفه فيلسوفاً عظيماً فحسب، وإنما بوصفه إنساناً وحيداً يفكر في غرفة باردة:
"في غرفة باردة
يكتب رجل أفكاره
كما لو أنه يجري تجربة."
مرة أخرى يعود الفكر إلى وضعه الإنساني الأول. لكن كل هذه العناصر؛ الجسد والفلسفة والتاريخ واللغة، تجد تكثيفها الأكثر إدهاشاً في قصيدة واحدة هي قصيدة «الموضوع» (Thema). ويمكن اعتبار هذه القصيدة مفتاحاً لقراءة مشروع غرونباين بأكمله.
فيما يلي ترجمة كاملة للنص:
الموضوع
(من دورة: رماد على الفطور)
*
ثمّ يأتي الجزء المُبهج من الموت.
متصالحاً
مع يوم الصفقات، الذي يعد ويخون،
تدير ظهرك باكراً للمرآة.
وجهك المستعمل،
حليق بعناية، يسخر من أنين في الداخل،
يعود لموظف الاستقبال، ذاك الذي يدير المفاوضات.
متحصناً خلف عظم الوجنة، خلف نظارة لامعة،
ألم يمسسك شحوبه الجنائزي أحياناً؟
طبعاً، يعرف بعضنا بعضاً.
أي: من دون نسبة كحول، لا يقترب أحد من الآخر.
ومن الأفضل أن يحدث ذلك نادراً أيضاً.
أمام الجدار اللزج، مركزاً على الصفرة
في الخزف،
تصبح من جديد ذاك الآخر،
وتصير نفسك نفسها،
ذلك الذي، في لحظة التخلّي،
تعود إليه الكلاسيكيات:
"كل شيء يجري."
"كفّ عن النبش في الأحشاء."
"عش خفياً."
"اعرف نفسك."
لكن، قبل أن تغادر هنا،
لا تنسَ أن تسحب السيفون.
تبدو هذه القصيدة للوهلة الأولى ساخرة. غير أن السخرية ليست سوى الطبقة السطحية فيها. يبدأ النص بالموت، ثم ينتقل إلى المرآة، ثم إلى القناع الاجتماعي، ثم إلى الجسد، ثم إلى الفلسفة، ثم ينتهي بالسيفون.
إنها خريطة مكثفة للوجود الإنساني. المرآة هنا تمثل الشخصية الاجتماعية. والوجه «المستعمل» هو الوجه الذي نرتديه كل صباح. أما موظف الاستقبال الذي يدير المفاوضات فليس شخصاً آخر، وإنما الذات الاجتماعية التي نتبادل عبرها الأدوار والكلمات والابتسامات اليومية. بعد ذلك ينهار هذا القناع فجأة. يقف الإنسان أمام الجدار اللزج، أمام الخزف الأصفر، ويجد نفسه وجهاً لوجه أمام جسده. في هذه اللحظة تحديداً تظهر أصوات الحكماء. هيراقليطس يقول: «كل شيء يجري». وسقراط يهمس: «اعرف نفسك». الحكمة القديمة كلها تعود في لحظة بيولوجية عابرة. ثم تأتي الضربة الأخيرة: "لا تنسَ أن تسحب السيفون."
هنا نصل إلى ما يمكن تسميته بحق: شعرية سحب السيفون. هذا التعبير ليس نكتة نقدية، وإنما وصف دقيق لشعرية غرونباين كلها. إنه شاعر ينزل بالفلسفة من عليائها إلى الحمّام. يعيد الحكمة إلى الجسد. يعيد الأفكار إلى أصلها الجسدي. يعيد الإنسان إلى طبيعته الأولى. لهذا السبب تكتسب هذه القصيدة أهمية استثنائية داخل مشروعه. فهي تكشف موقفه من البلاغة، وموقفه من الفلسفة، وموقفه من الإنسان.
أمضى الشعر الأوروبي قروناً طويلة وهو يرفع الإنسان نحو السماء. أما غرونباين فيعيده إلى الأرض. يذكّرنا بأن الكائن الذي يتأمل الوجود هو نفسه الكائن الذي يحلق ذقنه صباحاً، ويشرب قهوته، ويشيخ، ويذهب إلى المرحاض.
في هذا المعنى تقترب تجربته أحياناً من تجربة الشاعر السويدي توماس ترانسترومر الذي كان يرى أن التفاصيل الصغيرة تحمل أسرار العالم. غير أن غرونباين أكثر خشونة وأقل صوفية. كما يمكن أن نجد صدى بعيداً للشاعر والطبيب الألماني جوتفريد بن، الذي أدخل الجسد إلى القصيدة الألمانية الحديثة. غير أن غرونباين يتجاوز الاثنين عبر مزج العلم والفلسفة والسخرية في نسيج واحد.
وقد أثار صعوده السريع منذ مطلع التسعينيات نقاشاً واسعاً في الأوساط الأدبية الألمانية. استقبل كثير من النقاد ظهوره بوصفه حدثاً شعرياً استثنائياً جاء في لحظة تاريخية حساسة أعقبت سقوط الجدار وتوحيد ألمانيا، ورأوا فيه صوتاً جديداً استطاع أن يحرر القصيدة الألمانية من كثير من الإرث الأيديولوجي والجمالي الذي طبع العقود السابقة. غير أن هذا الترحيب لم يكن إجماعاً كاملاً.
كانت أكثر الملاحظات تكراراً تتعلق بما وصفه بعض النقاد ببرودة شعره الفكرية. بدا للكثيرين أن غرونباين يكتب من داخل وعي تحليلي شديد اليقظة، وأن قصيدته تنزع إلى التأمل والمراقبة أكثر من انحيازها إلى التدفق العاطفي. العالم الشعري لديه مليء بالإشارات إلى الفلسفة وعلم الأعصاب والفيزياء والتاريخ الثقافي الأوروبي، الأمر الذي جعل بعض القراء يشعرون بأن القصيدة تتحرك أحياناً داخل فضاء معرفي كثيف يحتاج إلى قارئ يمتلك مفاتيحه الثقافية.
ومن هنا جاءت تهمة النخبوية التي لاحقته في مراحل مختلفة من مسيرته.
غير أن هذه الملاحظة تكشف جانباً من الحقيقة بقدر ما تخفي جانباً آخر. فالمعرفة في شعر غرونباين لا تظهر بوصفها زينة ثقافية أو استعراضاً موسوعياً. إنها جزء من تجربة الإنسان المعاصر نفسه. الدماغ الذي يتأمله الشاعر ليس مفهوماً فلسفياً مجرداً، وإنما عضو حي داخل الجسد. والاقتباسات من هيراقليطس أو سينيكا أو ديكارت لا تُستدعى من أجل استعراض التراث، وإنما من أجل اختبار قدرتها على البقاء داخل حياة يومية فقدت كثيراً من يقينياتها القديمة.
كما تعرّض غرونباين لانتقادات من شعراء ونقاد ظلوا يرون في الشعر أداة للتدخل المباشر في الشأن السياسي والاجتماعي. بعد انهيار ألمانيا الشرقية كان بعضهم ينتظر من شاعر قادم من تلك التجربة أن يكتب شعراً سياسياً واضح المعالم، وأن يقدم شهادة مباشرة عن التحولات الكبرى التي عاشها جيله. غير أن غرونباين اختار طريقاً آخر. كان يشك في كل خطاب يدّعي امتلاك الحقيقة النهائية، سواء جاء من السياسة أو الفلسفة أو حتى من الشعر نفسه. ولذلك انصرف إلى تتبع الفرد في هشاشته اليومية، وإلى مراقبة العلاقة الغامضة بين الجسد والوعي واللغة.
ومن المفارقات أن نجاحه الاستثنائي أصبح هو الآخر سبباً في إثارة بعض الاعتراضات. فخلال سنوات قليلة تحول إلى أحد أشهر شعراء ألمانيا الموحدة، وحصل على جوائز مرموقة، وتُرجمت أعماله إلى لغات كثيرة. بعض الأصوات النقدية رأت في هذا الاحتفاء نوعاً من التبني المؤسسي لشاعر يمثل صورة ألمانيا الثقافية الجديدة، وهو ما أثار بدوره ردود فعل متشككة لدى بعض معاصريه.
إلا أن غرونباين نفسه ظل يتعامل مع هذه السجالات بقدر كبير من السخرية الهادئة. ففي نظره لا تملك المؤسسة النقدية سلطة نهائية على القصيدة، تماماً كما لا تملكها السوق الأدبية أو الجامعة أو وسائل الإعلام الثقافية. القصيدة تبدأ من تجربة فردية وتنتهي إليها، وما يبقى في النهاية هو النص نفسه بعد أن تخفت الضوضاء المحيطة به.
ولهذا يمكن فهم ذلك السطر الذي يلخص المناخ الفكري المحيط بشعره:
"البلاغة تبكي في زاوية،
والنقاد يشربون السم بلا وعي."
حتى لو لم يكن هذا السطر جزءاً من قصيدة معروفة لغرونباين، فإنه يعبّر بدقة عن روح عالمه الشعري: الشك في الخطابة، والشك في السلطات التفسيرية الجاهزة، والبحث عن حقيقة أكثر تواضعاً داخل التجربة الفردية.
بحسب غرونباين، لم يعد الشعر في زمن ما بعد الطليعة وما بعد اليوتوبيا بياناً جمالياً ولا مشروعاً خلاصياً. إنه «سحر ذاتي بوصفه حدثاً لغوياً». القصيدة لا تغيّر العالم مباشرة، لكنها تغيّر علاقتنا بالكلمات. وهي لا تمنحنا يقيناً جديداً، وإنما تدربنا على الإصغاء إلى الصدى الخافت الذي تتركه التجربة الإنسانية داخل اللغة. لهذا يظل العثور على الكلمة في موضعها الصحيح المهمة الأساسية للشاعر، وهي المهمة التي رأى غرونباين أنها أكثر صعوبة وأكثر تواضعاً من جميع البيانات الأدبية التي عرفها القرن العشرون.
في النهاية يمكن القول إن مشروع دورس غرونباين كله يدور حول سؤال واحد: كيف يمكن للكلمات أن تظل صادقة بعد انهيار الأيديولوجيات الكبرى؟
كان جوابه هو العودة إلى الجسد. إلى التجربة. إلى التفاصيل اليومية. إلى الإنسان كما هو.
لهذا السبب بقيت قصائده مؤثرة في زمن تتغير فيه الأسواق الأدبية باستمرار. ولهذا السبب أيضاً تبدو خاتمة قصيدة «الموضوع» أكثر من مجرد خاتمة ساخرة. إنها خلاصة فلسفة شعرية كاملة.
فبعد كل التأملات، وبعد كل النظريات، وبعد كل الأقنعة الاجتماعية، يبقى الإنسان واقفاً أمام حقيقته البسيطة. ويبقى الشعر، مثل تلك الجملة الأخيرة، تذكيراً هادئاً ومؤلماً وعميقاً بأن الحكمة قد تظهر أحياناً في أكثر الأماكن تواضعاً. وربما لهذا السبب تحديداً استحق غرونباين مكانته بوصفه واحداً من أهم شعراء أوروبا المعاصرين: لأنه أعاد القصيدة إلى موضعها الإنساني الأول، حيث يلتقي الفكر بالجسد، وتلتقي اللغة بالحياة.
***
بولص آدم








