عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

سعيف علي: من يقطف الزهور.. الأنطولوجيا الادبية العربية

بين الحفظ وسلطة الإقصاء

لا تختزل الأنطولوجيا الأدبية في جمع نصوص متفرقة داخل كتاب واحد بل تتجاوز هذا التعريف البسيط لتصبح فعلا ثقافيا مركبا تتقاطع فيه الذائقة مع المعرفة وتشتبك فيه الذاكرة مع السلطة [1] يكشف الاشتقاق اليوناني للكلمة عن صورة شاعرية توحي بجمع الزهور غير أن هذه الصورة تخفي ممارسة واعية تقوم على الانتقاء والترتيب وفق معايير محددة [2] لا تحدث عملية الاختيار بعفوية بل تتشكل عبر رؤية يحملها الجامع وتوجهها اعتبارات جمالية وفكرية واجتماعية [3] لذلك تنفتح الأنطولوجيا على وظيفتين متداخلتين إذ تعمل كآلية لحفظ التراث من الضياع وتثبيته داخل ذاكرة قابلة للتداول وتؤدي في الوقت ذاته دورا إنشائيا يعيد ترتيب هذا التراث عبر إبراز نصوص بعينها وإقصاء غيرها [4]

أربعة أنواع لا بد من تمييزها

قبل أن نمضي في نقد الأنطولوجيا لا بد من تمييز أربعة أنواع مختلفة اختلطت في غالبية الدراسات العربية [1] النوع الأول هو أنطولوجيا حفظ التراث وتتمثل وظيفتها في جمع ما يخشى ضياعه مثل الأصمعيات والمفضليات [5] النوع الثاني هو أنطولوجيا تأسيس المذهب أو التيار وتتمثل في إثبات أسبقية مدرسة أو قبيلة مثل حماسة أبي تمام [4] النوع الثالث هو أنطولوجيا شخصية ذوقية تعبر عن رؤية جامعها وهي نادرة في تراثنا العربي النوع الرابع هو أنطولوجيا نقدية منهجية تحلل آليات الاختيار ذاتها وهي تكاد تكون غائبة تماما [3] هذا التمييز ضروري لأن نقد الإقصاء يختلف باختلاف النوع فما يعتبر إقصاء في النوع الأول قد يكون جوهر الوظيفة في النوع الثاني

التاريخ بين الشرق والغرب

يمتد تاريخ الأنطولوجيا عبر حضارات متعددة ففي اليونان القديمة قدم ميلياغروس الغداري الإكليل في تقليد شخصي ذوقي وفي أوروبا العصور الوسطى تحولت الأنطولوجيا إلى باقة زهور تجمع نصوص الحكماء والآباء المسيحيين كمرآة للفضائل أما في تقاليد شرق آسيا فأخذت طابع الحصاد الدوري كما في الهايكو والعجيب أن الأنطولوجيا في التراث العربي تمثل عملا مركزيا لبناء الذاكرة الأدبية واللغوية إذ برزت المختارات أداة حيوية حفظت التراث الجاهلي المهدد بالضياع [1] تعد حماسة أبي تمام أشهر الأنطولوجيات العربية إذ تركز على قصائد الفخر والبطولة والحماسة والمراثي وقد فاقت براعة أبي تمام في الاختيار شعره أحيانا [4] جمعت المفضليات للمفضل الضبي قصائد جاهلية وإسلامية مبكرة بذوق بدوي أصيل [5] بينما مثلت الأصمعيات مدرسة بصرية مختلفة وسعت جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي إلى حصر الشعر العربي في كتاب واحد وتجاوز كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني الجمع الشعري ليربط الشعر بالغناء والأخبار والسير فأصبح مرجعا حضاريا شاملا

محاولة لقياس الإقصاء بدلا من الخطاب الإنشائي

اتسمت الأنطولوجيات العربية الكلاسيكية بطابع عائلي أي اختيار النصوص حسب أغراض محددة كالحماسة والمديح والهجاء والغزل والرثاء عاكسة رؤية الجامع الشخصية والمذهبية والقبلية [1] ساهمت هذه الأنطولوجيات في تثبيت المتن المعتمد لكن انتقائيتها لم تكن محايدة [3] بدلا من الخطاب الإنشائي حول الإقصاء يمكننا محاولة قياس الأمر تقريبا يشير ابن سلام الجمحي في طبقات فحول الشعراء إلى حوالي ثمانمئة شاعر جاهلي بالمقارنة نجد أن المفضليات تقدم ثمانيا وستين قصيدة لأربعة وعشرين شاعرا فقط [5] والأصمعيات تقدم اثنتين وسبعين قصيدة وجمهرة أشعار العرب تضم تسعا وأربعين قصيدة مختارة بمعنى أن أشهر أنطولوجياتنا لا تمثل أكثر من ثلاثة بالمئة من الشعراء الجاهليين المذكورين في المصادر وهذا ليس عيبا بطبيعته لكنه يصبح مشكلة حين تعامل هذه المختارات وكأنها المتن المعتمد الوحيد وتهمل الأصوات الأخرى [7] من أهم المهمشين منهجيا شعراء القبائل الضعيفة والأصوات النسائية كالخنساء التي لم تدخل الحماسة رغم شهرتها وأدب البوادي مقابل أدب الحضر والتجارب غير المطابقة للذوق السائد [7]

التوتر بين المتحف والبيان

يعد التوتر بين المتحف والبيان أنجع إطار لفهم ازدواجية الأنطولوجيا فالمتحف يحفظ التراث ويقدسه وينقله إلى الأجيال بينما البيان يعلن رؤية جديدة ويدعو إلى توسيع المتن المعتمد أو كسره والاحتفاء بالتجارب المهمشة [3] لا تستطيع المختارات التخلص من أي من القطبين فالتي تظن نفسها متحفا محايدا تؤسس لمتن جديد من خلال اختياراتها الضمنية والتي تظن نفسها بيانا ثوريا تتحول إلى متحف لثورتها بمجرد أن تنشر وتدرس يتجلى هذا التوتر في المقابلة بين مارسيل أرلاند وأندريه جيد إذ تصور أرلاند أنطولوجيته كمرآة متوازنة واختفى هو كجامع خلف النصوص بينما جعل جيد من أنطولوجيته مقالا شخصيا مطولا طغى فيه رأيه وذوقه على النصوص المختارة

البعد المادي للسلطة الرمزية

في ضوء تصورات بيير بورديو الأنطولوجيا تعيد توزيع الشرعية الرمزية بين النصوص والكتاب وتمثل رأسمالا رمزيا يمنح لمن يمتلك سلطة الاختيار ويسحب ممن يستبعدون [2] سيطرة نخب قبلية ومذهبية وحضرية وذكورية على عملية الجمع تاريخيا مما أنتج استبعادا منهجيا لشعراء القبائل الضعيفة والأصوات النسائية وأدب الهامش والبوادي [7] لكن ما أغفله المقال الأصلي هو البعد المادي لهذه السلطة فمن الذي يملك دور النشر ومن الذي يمول الأنطولوجيات المدرسية في السياق العربي نجد أن معظم الأنطولوجيات الكلاسيكية جاءت بدعم من الخلفاء والولاة كأبي تمام الذي تقرب من المعتصم والأنطولوجيات الحديثة تخضع لسلطة دور النشر الكبرى والأنطولوجيات المدرسية تحددها وزارات التربية لا نقاد مستقلون يصبح السؤال النقدي جوهريا هنا من يقطف الزهور ويرتب الباقة بأي معايير يحكم على نص بأنه أجدر بالبقاء من آلاف غيره لمن تهدى هذه الباقة في النهاية [1]

أهمية المقدمات وكيفية قراءتها نقديا

تشكل المقدمات الإطار النظري والمنهجي لأي أنطولوجيا أدبية فهي ليست مجرد كلمات تمهيدية عابرة بل تقدم نهج الاختيار الذي اعتمده الجامع وتعلن صراحة عن العائلة الأدبية أو المذهبية أو القبلية أو الجمالية التي تنتمي إليها النصوص المختارة [1] من خلال المقدمة يفصح الجامع عن رؤيته ومعاييره فيحدد ما إذا كان يميل إلى الفصاحة أم الجزالة أم الحداثة أم الالتزام السياسي أعلنت مقدمات الأنطولوجيات العربية معايير الاختيار صراحة وهي الفصاحة وقوة البيان والجزالة والسلاسة والدلالة الأخلاقية والولاء السياسي والمذهبي [4] لكن النقد الحقيقي يبدأ من مقارنة ما تعد به المقدمة وما تفعله النصوص فعلا ففي كثير من الأحيان نجد مقدمة تعد بالشمولية ثم يظهر في المحتوى تكريس لنخبة بعينها أو مقدمة تعلن الحياد الجمالي ثم تظهر معايير ضمنية قبلية أو مذهبية أو ذكورية في النصوص المختارة [3] لذلك بدلا من قراءة المقدمة وحدها أو النصوص وحدها نحتاج إلى تحليل الفجوة بينهما

العصر الرقمي سلطة خفية أم ديمقراطية حقيقية

تبدو الأنطولوجيا في العصر الرقمي أكثر ديمقراطية وتنوعا إذ يصنع القارئ مختاراته الخاصة على الإنترنت ويشاركها بنقرة زر لكن الخوارزميات لم تلغ السلطة النقدية بل أعادت تشكيلها داخل نظام غير مرئي يجعل الظهور نفسه نتيجة حسابات رقمية لا معايير معلنة فحلت معايير خفية مثل معدلات النقر وزمن المكوث والتفاعل والمشاركات محل الذوق المعلن للنخب التقليدية [6] بدلا من العموميات حول الخوارزميات نقترح تجربة عملية يمكن للقارئ تنفيذها بنفسه فإذا بحثت في جوجل عن أفضل عشر قصائد عربية ستجد أن قصائد المعلقات تهيمن على النتائج مع غياب شبه تام للشاعرات وهيمنة للشعر العمودي على حساب قصيدة النثر يظهر سؤال جوهري حول من يحدد ما يظهر على الصفحة الأولى من نتائج البحث عن أفضل قصيدة عربية ولماذا توصي منصة معينة بقصيدة دون أخرى [6] الفرق بين العصر الورقي والرقمي هو أن السلطة كانت ظاهرة سابقا بجامع معروف ومقدمة معلنة أما اليوم فالمشكلة أكبر لأن السلطة خفية وغير معلنة المعايير وهذه الأسئلة تنتظر نقدا عربيا جادا

إجابة جزئية وسؤال مفتوح

نعود إلى السؤال الأعمق هل نملك حقا أنطولوجيات أدبية عربية بالمعنى النقدي للمفهوم أم أن ما تراكم في تراثنا من مختارات ودفاتر وحماسات لم يغادر وظيفة الحفظ والتجميع إلى الوعي بكونها فعلا ثقافيا مركبا ينتج المتن المعتمد ويمارس سلطة رمزية [3] إجابتي المبدئية القابلة للنقض هي لا لأن ما تراكم في تراثنا لم يغادر وظيفة الحفظ والتجميع باستثناءات نادرة وقليلة لماذا يظل النقد العربي غائبا عن تفكيك آليات الانتقاء والإقصاء في هذه الأعمال رغم امتلاكه لواحدة من أقدم وأغنى التقاليد الأنطولوجية في العالم هل لأن المقدسات الأدبية لا تمس أم لأن النخب الأكاديمية نفسها هي التي شكلت تلك المختارات وورثت سلطتها فبات نقدها شبيهة بقطع الغصن الذي تجلس عليه لكن المشكلة ليست في المختارات القديمة وحدها بل في تعاملنا الحالي معها كأنها مقدسة غير قابلة للنقد تبقى الأنطولوجيا مسرحا للمفارقة فهي تحفظ من النسيان لكنها تنسي آلاف النصوص الأخرى وتمنح الخلود لبعض الأصوات وتدفن أصواتا لا تقل أهمية وهذا ليس عيبا فيها بل شرط وجودها لكن المشكلة تبدأ حين ننسى هذه المفارقة حين نتعامل مع الأنطولوجيا كباقة زهور بريئة ونتجاهل الأسئلة الحقيقية من يقطف الزهور بأي معايير لمن يهديها وأي زهور تترك في الحقل لتذبل وتنسى إلى الأبد [1] وهذا السؤال الأخير عن الزهور المنسية هو ما يستحق أنطولوجيا أخرى [7]

***

سعيف علي الظريف

.................

قائمة المراجع

1. كيليطو عبد الفتاح المختارات ذاكرة الشعر العربي دار توبقال 1995

2. Bourdieu P The Field of Cultural Production Cambridge Polity Press 1993

3. علوش سعيد الأنطولوجيا والمتن المعتمد منشورات الاختلاف 2002

4. أبو تمام حماسة الشعراء تحقيق عزة حسن دار الكتب العلمية 1990

5. المفضل الضبي المفضليات تحقيق أحمد شاكر دار المعارف 1960

6. Pariser E The Filter Bubble Penguin 2011

7. عادل فتحي الأصوات المهمشة في التراث العربي دار شرقيات 2010

في المثقف اليوم