عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

عبد الجليل البدري: مقال نقدي حول كتاب: "أزمة البحث العلمي العربي

"أزمة البحث العلمي العربي.. كيف يستعيد العرب صناعة المستقبل"

في عالمٍ تتسارع فيه المعرفة كما لو كانت تياراً كهربائياً يعبر القارات في لحظة، ويعيد تشكيل مصائر الأمم، يجيء كتاب "أزمة البحث العلمي العربي.. كيف يستعيد العرب صناعة المستقبل" ليضع إصبعه على الجرح الذي طالما تجاهلناه، أو ربما اعتدنا وجوده حتى لم نعد نشعر بألمه. هذا الكتاب ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل هو صوتٌ فكريٌّ يخرج من عمق الوعي العربي، يصرخ في وجه التراخي، ويذكّر بأن الأمم لا تُبنى بالشعارات، بل بالعلم، ولا تنهض بالأمنيات، بل بالبحث والمعرفة والإبداع.

يقدّم المؤلف—وهو باحث عربي مشغول بقضايا التعليم والتنمية، وصاحب تجربة طويلة في متابعة واقع الجامعات العربية ومؤسسات البحث العلمي—عملاً فكرياً يزاوج بين التحليل الرصين واللغة الأدبية الرفيعة. فهو لا يكتب من برجٍ عاجي، ولا من موقع المراقب البعيد، بل من قلب التجربة، ومن تماس مباشر مع الأسئلة التي تشغل كل مثقف عربي يتساءل عن موقع أمته في عالمٍ يتغيّر بسرعة مذهلة. ولعل هذا ما يمنح الكتاب صدقه وحرارته، ويجعله أقرب إلى بيانٍ فكريٍّ منه إلى دراسة جامدة.

منذ الصفحات الأولى، يضع المؤلف القارئ أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن أزمة البحث العلمي العربي ليست أزمة قطاعٍ واحد، بل أزمة مشروع حضاري كامل. فهي أزمة تعليمٍ لا ينتج معرفة، وجامعاتٍ لا تمارس البحث، ومؤسساتٍ لا ترى في العلم أولوية، وثقافةٍ مجتمعية لا تزال تنظر إلى الباحث بوصفه كائناً هامشياً، لا صانعاً للمستقبل. هذه الرؤية الشاملة تمنح الكتاب قوةً في الطرح، إذ لا يكتفي بتشخيص مظاهر الأزمة، بل يعود إلى جذورها التاريخية، ويتتبع مسار تشكّلها عبر عقودٍ من الإهمال وسوء التخطيط وغياب الإرادة السياسية.

ويمضي المؤلف في سرديته ليكشف أن البحث العلمي في العالم العربي يعيش حالة من الانفصال: انفصال الجامعات عن المجتمع، وانفصال السياسات عن المستقبل، وانفصال التعليم عن الإبداع. فالمؤسسات التعليمية—كما يراها المؤلف—تحوّلت إلى مصانع للشهادات، لا مصانع للأفكار. والباحث العربي، مهما امتلك من شغف، يجد نفسه محاصراً بضعف التمويل، وغياب البيئة البحثية، وانعدام الحوافز، وكأن البحث العلمي فعلٌ بطوليٌّ فردي، لا مشروعٌ وطنيٌّ جماعي.

لكن الكتاب لا يقف عند حدود النقد، بل يقدّم رؤية إصلاحية متكاملة، تُعيد للعلم مكانته الطبيعية في مشروع النهضة. يدعو المؤلف إلى إعادة هيكلة الجامعات لتصبح مؤسسات بحثية حقيقية، وإلى رفع الإنفاق على البحث العلمي إلى مستويات عالمية، وإلى بناء شراكات بين القطاعين العام والخاص، وإلى تطوير التشريعات التي تحمي الابتكار وتدعم الباحث، وإلى ربط البحث العلمي بحاجات المجتمع والاقتصاد، بحيث يصبح العلم جزءاً من الحياة اليومية، لا نشاطاً معزولاً داخل المختبرات.

ويستوقف القارئ ذلك البعد المقارن الذي يقدّمه المؤلف حين يعرض تجارب دولٍ مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة والصين وماليزيا، وكيف استطاعت هذه الدول أن تنتقل من الهامش إلى الريادة عبر بوابة العلم. ليست هذه المقارنات مجرد سردٍ لنماذج ناجحة، بل هي محاولة لاستخلاص الدروس القابلة للتطبيق عربياً، مع إدراكٍ واعٍ للخصوصيات الثقافية والاجتماعية والسياسية. وهنا يبرز المؤلف بوصفه باحثاً يمتلك رؤية عالمية، لا محلية فحسب، ويستطيع أن يضع التجربة العربية في سياقٍ أوسع، يضيء نقاط ضعفها ويكشف إمكانات قوتها.

لغة الكتاب تحمل مزيجاً نادراً من الرصانة العلمية والدفء الأدبي، مما يجعل قراءته ممتعة ومفيدة في آن واحد. فهو لا يغرق في المصطلحات الأكاديمية، ولا يكتفي بالخطاب الإنشائي، بل يوازن بين التحليل العميق والطرح الواضح، وبين النقد الصريح والأمل الممكن. وهذا ما يجعل الكتاب مناسباً للباحثين وصنّاع القرار والمثقفين والمهتمين بالشأن العام، بل وللقارئ العادي الذي يبحث عن فهمٍ أعمق لواقع أمته ومستقبلها.

أما المؤلف نفسه، فهو نموذج للمثقف العربي الذي يرى في العلم طريقاً للنهضة، وفي المعرفة شرطاً للوجود الحضاري. كتاباته السابقة تشهد على اهتمامه العميق بقضايا التعليم والبحث العلمي، وعلى سعيه الدائم إلى بناء خطابٍ إصلاحيٍّ يربط بين الفكر والممارسة، وبين الرؤية والواقع. وفي هذا الكتاب، يبلغ هذا الاهتمام ذروته، إذ يقدّم عملاً يمكن اعتباره وثيقة فكرية تدعو إلى إعادة بناء المشروع العربي على أسس العلم والمعرفة.

إن كتاب "أزمة البحث العلمي العربي.. كيف يستعيد العرب صناعة المستقبل" ليس مجرد إضافة معرفية، بل هو نداءٌ حضاريٌّ موجّه إلى كل عربيٍّ يؤمن بأن المستقبل لا يُمنح، بل يُصنع. إنه دعوة لإعادة الاعتبار للباحث، وللجامعة، وللمؤسسة العلمية، وللثقافة التي ترى في العلم طريقاً للنهضة لا ترفاً فكرياً. إنه كتاب يوقظ الأسئلة، ويحفّز التفكير، ويضع أمام القارئ رؤية واضحة لما يجب أن يكون عليه مشروع النهضة العربي في القرن الحادي والعشرين.

كتاب يستحق أن يُقرأ، وأن يُناقش، وأن يُدرّس، وأن يكون جزءاً من النقاش العام حول مستقبل العلم والتعليم والتنمية في الوطن العربي. فهو ليس مجرد كتاب، بل هو صرخة وعيٍ عربيٍّ جديد، يذكّرنا بأن الطريق إلى المستقبل يبدأ من المختبرات وقاعات البحث، لا من الخطابات والشعارات.

مع الود والتقدير.

***

بقلم الدكتور عبد الجليل البدري

‏10‏/07‏/2026

في المثقف اليوم