عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

نجلاء نصير: جدلية الحياة والموت في أقصوصة «بِلا حياة» لإنجي محمد

مقاربة بينية

"بِلا حَياة"

صوت المضيفة علا بضرورة ضبط المقاعد على وضعها الأصلي، وضم لوح الطعام، وربط الأحزمة استعدادًا للهبوط، سحبتُ ستار النافذة لأعلى، تسبح بأجنحتها مخترقة السحاب الذي يغشانا، تفتق السحاب وبدا من بين طياته عين يعلوها حاجب أزج، انفرجت عيناي وأخذت أُدقق البصر حتى أُجمع باقي ملامحها، وجدتُها تشخص بداخل حدقة تلك العين، دغدغني الحنين إليها، تمنيت أن أستنشق رائحتها وأسعد بلمستها الحنونة، وحضنها الدافئ فتدب الحياة مرة أخرى بنبضي الساكن.

ذاب السحاب، وسطعت المدينة بأنوار تخطف الأبصار وكأنها عروس رُصِع ثوبها باللآلئ، تسير السيارات في الطرقات وكأنها بموكب احتفالًا بلقائنا الذي طال انتظاره، حتى اهتزاز الهبوط الذي يُخيفني دومًا، شعرتُ وكأنه يطبطب عليّ مؤكداً أن لحظة لقائنا قد اقتربت.

لمحَتنِي من خلف الزجاج بين زحمة العائدين وأنا أتكئ على كتفه؛ ففتحت ذراعيها دون وعي، كانت المسافة بعيدة ولا أقوى على السير مسرعة حتى أُطفئ نيران الشوق المضرمة بصدري وصدرها.

ما أن خطت قدماي بوابة الخروج تلقفتني بين ذراعيها شعرتُ بدبيب الحياة يعود إليَّ مرة أخرى، تُقبّل كل قطعة مني باكية وكأنها لا تصدق مثلي أن حُلم اللقاء صار واقعًا .

ظنَّ كل منَّا أنه سيقوى بالآخر ولكن ما أن التقت أعيننا حتى ظهرت هشاشتنا، طال عناقنا همستْ "الحزن الذي يسكنك يجعل ألم المرض يتوارى أنسيتِ كلماتكِ (ستطيبين وستشرق شمس عافيتك من جديد لتُنير كوننا)"

امتلأ المنزل بالقادمين للمباركة بسلامة العودة أو ربما للوداع، أشعر برائحة الموتِ تملأ أرجاء المنزل.

انصرف الجميع، استسلمت لغفوة، غالبتني رغم بغضي لتلك اللحظات التي يغلبني فيها النعاس، فهو يذكرني باللحظة التي ستتجرع حبيبتي كأس الفِرَاق وحدها.

انتبهتُ من غفوتي فلم أجدها بجواري، أخذ صوتي الذي لم ينل منه المرض بعد يستجديها تأتي فكلي يشتاقها، تحاملت على جسدي المنهك، ذهبتُ إلى غرفتها، وجدتها مابين ركوع وسجود ودعاء، لا أسمع إلا همهمات، جلستُ أنتظرها حتى تُنهي سجودها، كنتُ أشعر بالبرودة تسري في جسدي ولن يعود الدفء إليه إلا باختلاط أنفاسنا وغوصي بين ذراعيها.

طال السجود، تمزق قلبي بين أضلعي فقد ظنت أن لي حياة.

تنفتح قصة «بِلا حياة» للكاتبة إنجي محمد على فضاء وجداني مكثف، يجعل من لحظة إنسانية عابرة مداراً رحباً للتأمل في ثيمات المرض، العودة، الفقد، والأمومة، في لحظة تتلاشى فيها الحدود بين فرحة اللقاء وظلال الموت المتربص. ينتمي هذا النص بامتياز إلى جنس «الأقصوصة النفسية»؛ فهو لا يقوم على حدث خارجي متشعب أو حبكة درامية نامية بالمعنى التقليدي (بداية، عقدة، حل)، بل يبني أثره بالكامل على حركة نفسية داخلية وبوح استبطاني (المونولوج). وتتخلى الأقصوصة هنا عن السكون اللوحي المألوف لتهتز عبر مشاهد متتابعة تخدم دفقات الشعور، لكنها تظل مشدودة بنيوياً إلى "مفارقة ختامية ومخاتلة قرائية" تُعيد إنتاج المعنى بأكمله في السطر الأخير.

تسعى هذه الدراسة عبر منهج نقدي بيني متكامل إلى مقاربة النص من خلال تفكيك البنية السردية للمشاهد، والتحليل النفسي لقلق الفقد، والقراءة السيميائية للرموز والحواس، وصولاً إلى الأسلوبية اللغوية وبلاغة القفلة.

أولاً: البنية السردية وتكامل المشاهد (حركة الهبوط الوجودي والمخاتلة)

تتأسس الأقصوصة على معمار سردي متتابع قائم على "المخاتلة القرائية" وحجب المركز الحقيقي للمأساة عبر خمسة مشاهد، تنقل البطلة من الفضاء العلوي المتسع إلى فضاء الداخل الضيق المنطفئ:

1. مشهد الطائرة والهبوط: يبدأ من فضاء علوي (الطائرة، السحاب، النافذة، نداء المضيفة). يضع هذا المشهد البطلة في منطقة برزخية وسطى بين السماء والأرض، معلقة بين عالمين كأنها معلقة بين الحياة والموت.

2. مشهد رؤية المدينة: تظهر المدينة كعروس مضيئة رُصع ثوبها باللآلئ؛ وهي صورة احتفالية مضادة لما في داخل الشخصية من انطفاء (مفارقة الخارج المضيء والداخل المهدد بالعتمة). واهتزاز الهبوط الذي يطبطب على الساردة يؤشر إلى طاقة تفاؤلية حارة قوامها العافية واللقاء.

3. مشهد اللقاء في المطار: الانتقال من البعد الجغرافي إلى دفء الحضن وبوابات الخروج. وهو أكثر المشاهد حرارة عاطفية، وفيه يستعيد الجسد إحساسه بالنبض ودبيب الحياة مؤقتًا.

4. مشهد البيت والزائرين: يتحول فضاء الأمان الاجتماعي والأسري إلى فضاء وداع ترقبي؛ حيث يتسرب إحساس الفقد الآتي عبر ذروة التوجس المادي.

5. مشهد السجود والخاتمة: مشهد حركي ساكن (الركوع، السجود، الهمهمات)، ينتهي بصورة شديدة الوجع تختزل المفارقة الكبرى للنص.

إن السرد يتحرك هندسياً في خط تنازلي: من السماء إلى الأرض، ومن الحركة الصاخبة إلى السكون المطلق، ومن الانتظار اللاهف إلى الانطفاء؛ مما يجعل الهيكل الشكلي موازياً تماماً للمعنى الوجودي للرحلة. أما الانكشاف السردي فيحدث تدريجياً ليزعزع المركز التفاؤلي عبر ذروة المواجهة:

- الانكشاف الأول (الهشاشة المشتركة): الساردة تتكئ على كتف مرافق («أنا أتكئ على كتفه»)، والمسافة بعيدة لأنها «لا تقوى على السير مسرعة».

- الانكشاف الثاني (انعكاس الآية): الحوار يكشف المفاجأة الأولى؛ فالأم هي التي تواسي الابنة العائدة، والعبارة المقتبسة («ستطيبين وستشرق شمس عافيتك») كانت موجهة في الماضي من الابنة للأم، لكن الحاضر يثبت أن الابنة هي الجسد العليل والمُشرِف على الموت.

- الانكشاف الثالث والقفلة الصادمة: تبلغ المفارقة ذروتها في قوله: «طال السجود، تمزق قلبي بين أضلعي فقد ظنت أن لي حياة».

ثانياً: البعد النفسي (النعاس كبرزخ للموت والشفقة على الآخر)

من المنظور النفسي، يعبّر النص عن تجربة سيكولوجية معقدة ترتبط بـ "ترقب الفناء والحداد الاستباقي". الساردة تعيش صراعاً داخلياً مريراً مع أجهزتها البيولوجية؛ فالنعاس والغفوة لا يحضران كحالة راحة طبيعية، بل يحضران بوصفهما عدواً، وبوصفهما برزخاً تشبيهياً للموت الوشيك:

«استسلمت لغفوة.. فهو يذكرني باللحظة التي ستتجرع حبيبتي كأس الفِرَاق وحدها»

المفارقة النفسية المذهلة هنا أن الراوية المريضة لا تعيش قلق الموت خوفاً على ذاتها أو رثاءً لجسدها المعتل، بل ينصبّ وعيها بالكامل على شفقتها عمن ستتركها وحيدة وراءها لتتجرع الفقد الإنساني؛ ثمة إحساس جارف بالذنب يسكن الساردة، فهي تمقت النوم لأنه يسرق منها الدقائق الأخيرة المتبقية لها مع من تحب.

كما يوظف النص آلية نفسية دفاعية تعتمد على الاحتماء بالطفولة الأولى ورغبة التمسك بالبقاء عبر قنوات الاتصال الجسدي الفطري (الرائحة، اللمسة، الحضن، الدفء، الأنفاس). يصبح الحضن هنا لغة بديلة واحتجاجاً نفسياً صارخاً يرمم هشاشة الذات أمام غول المرض.

ثالثاً: القراءة السيميائية (تفكيك العلامات وتحول الحواس الحاد)

النص حافل بظواهر وعلامات سيميائية غنية تنقل التحولات الفيزيائية من البهجة إلى الجنائزية:

- الطائرة والسحاب: الطائرة ليست أداة تقنية عابرة بل رمز انتقال وجودي من مرحلة إلى أخرى؛ تعود الراوية للمكان لكنها تستعد لرحيل أعمق. والسحاب يؤدي وظيفة الستار الفاصل بين الحضور والغياب؛ يتفتق ليظهر وجه الحبيبة كأنه ذاكرة متجسدة في السماء يعلوها حاجب أزج شَخَصتْ داخل حدقته البطلة.

- المدينة العروس: علامة سيميائية مضللة (خديعة بصرية)؛ فالسيارات كأنها في موكب احتفالي والمدينة تتلألأ بأنوار تخطف الأبصار، لتخلق تضاداً سينوغرافياً حاداً مع انطفاء الجسد العائد.

- الجسد المريض والبيت: الجسد يترجم اعتلاله سيميائياً عبر الضعف والهزال والبرودة الحادة («كنتُ أشعر بالبرودة تسري في جسدي»). والبيت يتحول من مكان احتواء دافئ إلى مساحة انتظار للموت.

- تحول الحواس الحاد: يتحرك النص سيميائياً من الحنين لاستنشاق رائحة الأم/الحبيبة، لينصدم بتحول العلامة الشمية في البيت: «أشعر برائحة الموتِ تملأ أرجاء المنزل»، وهو استباق حواسي للفجيعة يحول المكان إلى سرادق عزاء مسبق.

وينتهي النص بالانتقال من الرؤية البصرية الكاذبة (أنوار المدينة، زجاج المطار) إلى الحواس العميقة (نبرة الصوت، التجاعيد، اللمس، الدفء والبرودة الحادة)؛ لأن الذاكرة الحقيقية تتأصل في خلايا الجسد الحية والأنفاس الغائصة. الدفء علامة عودة النبض، بينما البرودة علامة تسلل الموت في الحاضر الماثل، ويتحول الجسد إلى مقياس حراري فيزيائي يفقد حرارته كلما انطفأ المحيط.

رابعاً: البعد الاجتماعي والوجودي (انقلاب المفاهيم وتأويل العنوان)

اجتماعياً، تلتقط الكاتبة طقساً ثقافياً مألوفاً في المجتمعات العربية يتجلى في تجمع الأهل والمهنئين للمباركة بسلامة العودة من السفر أو الشفاء. لكن النص يعري بذكاء شديد الوجه المزدوج والملتبس لهذا الحشد:

«امتلأ المنزل بالقادمين للمباركة بسلامة العودة أو ربما للوداع»

هذه الجملة تفكك الهشاشة والزيف الاجتماعي الكامنين خلف عبارات المجاملة؛ فالحضور الذي يبدو في ظاهره احتفالياً بالوصول، يحمل في باطنه نبرة رثاء غير معلنة وقبولاً جمعياً بقرب النهاية. يتحول المجتمع هنا إلى شاهد على طقس الانتقال، يزيد حضورهم الصاخب من وحشة المريض الداعية إلى السكون.

وفي البعد الوجودي، تبرز المفارقة الفلسفية والتورية للعنوان «بِلا حَياة»؛ فكلمة "حياة" في الوعي السردي تحتمل مستويين: المستوى العام الوجودي (النبض والأنفاس)، والمستوى الخاص (اسم علم). يفتح العنوان سؤالاً رمزياً: من هي المعنية بأنها بلا حياة؟ هل هي الراوية المريضة التي ينطفئ جسدها؟ أم المحبوبة/الأم (حياة) التي أسلمت الروح وهي ساجدة تدعو لها بالحياة؟ أصبح الطرفان بلا حياة: الأم ماتت بيولوجياً، والابنة ماتت سيكولوجياً وعاطفياً بفقدان الملاذ والأمان الأخير.

خامساً: القراءة الأسلوبية والبلاغية (التناص الداخلي والتبئير المكاني)

صيغ النص بلغة شعرية فصيحة، قائمة على الصور الاستعارية المكثفة والجمل الطويلة المشحونة بالتوتر العاطفي، واعتمدت على الجمل النواتية القصيرة في لحظات التوتر الكثيفة. وتبرز في النص بلاغة التناص الداخلي مع الذات؛ إذ تستحضر الساردة كلماتها القديمة لتضعها بين قوسي الاقتباس:

«(ستطيبين وستشرق شمس عافيتك من جديد لتُنير كوننا)»

هذا الاقتباس يعكس ما يسمى في النقد بـ "المفارقة الدرامية المتأخرة"؛ فالكلمات التي قيلت لطمأنة الآخر أصبحت هي ذاتها مصدر الوجع لأنها تذكر الساردة بعجزها الحالي.

كما يتميز النص أسلوبياً بالانتقال من الوصف الكوني الواسع (أجنحة الطائرة، السحاب، أنوار المدينة) إلى التبئير الداخلي الضيق جداً (الغرفة، السجود، النبض الساكن)؛ هذا الضيق المكاني يعكس بدقة انكماش رغبة الساردة في العالم واختزال الوجود كله في جسد الآخر وأنفاسها. غير أن القراءة تفصح أن كثافة الصور المتتابعة قد تزاحم أحياناً ووضوح التدفق السردي، وكان النص سيحتاج في بعض مواضعه إلى تفاوت في الإيقاع، وفسح مساحات لـ "الصمت السردي" ليتنفس القارئ ويزداد الأثر عمقاً، والتقليل من التقريرية المباشرة في تصريح عبارة الموت.

سادساً: المفارقة الختامية والانكشاف الدرامي (سقوط الأمل)

تتجلى القوة الهندسية للأقصوصة في خاتمتها الومضية التي تقلب تأويل النص السابق بأكمله:

«طال السجود، تمزق قلبي بين أضلعي فقد ظنت أن لي حياة»

تنجح النهاية لأنها لا تشرح بل تكشف؛ فكل طقس الحنين، اللقاء، العناق اللاهف، والوصول، يصبح فجأة محكوماً بهذا الوعي الصاعق. تظهر النهاية مزدوجة القسوة والمفارقة: الأخرى (الأم/الحبيبة) مابين ركوع وسجود تدعو وتصلي متشبثة بأمل واهٍ لعافية ابنتها وظنت أن لها حياة، بينما الساردة تدرك أنها تجاوزت نفسياً وروحياً عتبة الحياة ولم تعد تمتلكها.

كما يحمل طول السجود هنا دلالة فاجعة ثانية؛ فقد يكون علامة على "فناء المرأة ذاتها وموتها الحقيقي وهي ساجدة"، لتبقى الابنة المريضة وحيدة باردة، تنظر إلى دعاء طال وتأخر، وأمل تفتت بين الأضلع، وصدمة عاطفية مدارة بمهارة معمارية رفيعة دون السقوط في الميلودراما المبتذلة.

خاتمة

تعد قصة «بِلا حَياة» نموذجاً نقدياً غنياً يشتغل على جدليات متقاطعة: (السماء والأرض، الحركة والسكون، اللقاء والفراق، العودة والرحيل). ومن خلال هذه القراءة البينية المتكاملة، يتضح كيف تضافرت جماليات المخاتلة السردية، مع التشخيص النفسي لقلق الفقد، والعلامات السيميائية للحواس والجسد، لتقديم مرثية وجودية دافئة وحزينة؛ مرثية تفضح هشاشة الإنسان أمام وطأة المرض، وتؤكد أن الأوطان والبيوت ليست جغرافيا نعود إليها بالطائرات، بل هي أرواح نلوذ بها، فإذا انطفأت تلك الأرواح أو عجزت عن ترميم عجزنا، عدنا من سفرنا الطويل محمّلين بالخيبات، لنقف في بيوتنا باردين، وحيدين، وبلا حياة.

***

د. نجلاء نصير

في المثقف اليوم