"عن أقنعة العنف وخداع الذاكرة في الزمن التراجيدي"
في أكثر العصور قسوة، لا يأتي الشر دائمًا مرتديًا وجهه الحقيقي. ربما تكمن خطورته الكبرى في تلك اللحظة التي يتخلى فيها عن ملامحه الوحشية ويستعير لغة الفضيلة. فالعنف، لكي يستمر، يحتاج غالبًا إلى قصة يرويها عن نفسه؛ يحتاج إلى صورة تجعله مقبولًا في عين من يمارسه أو يشاهده. لهذا تبدو العبارة الشعرية «كان القتلةُ على هيئةِ ملائكة» أكثر من مجرد صورة مجازية؛ إنها تكشف واحدة من أعمق مآسي التجربة الإنسانية: قدرة الشر على الاختباء داخل الرموز التي ابتكرها الإنسان للدفاع عن الخير.
تأتي هذه العبارة في نص «الوقتُ لا يمرُّ.. هو فقط يُبدّلُ ملابسه» للشاعر العراقي مروان ياسين الدليمي بوصفها لحظة كثيفة تختصر علاقة الزمن بالذاكرة وبالجريمة. فالزمن في النص لا يتحرك كخط مستقيم يبتعد فيه الماضي تدريجيًا، وإنما يعود كأثر مقيم، كجرح لم يغلق، كصوت يخرج من طبقات النسيان. الأب يستيقظ من «حلم مهجور»، ينفض عن جبينه غبار المعارك، ثم يقول:
«كان القتلةُ على هيئةِ ملائكة
لكنّ رائحةَ البارود لا تُخطئ».
تبلغ الصورة ذروتها هنا؛ فالشاعر لا يصف القتل بوصفه فعلًا مباشرًا فقط، وإنما يذهب إلى المنطقة الأكثر رعبًا: المنطقة التي يصبح فيها القناع جزءًا من الجريمة نفسها. فالقاتل لا يكتفي بإحداث الخراب، وإنما يحاول أن يعيد تعريفه بوصفه ضرورة، وأن يمنح العنف لغة تبدو أخلاقية. ومن هنا تفتح العبارة بابًا على الوجه الأكثر التباسًا للشر الحديث؛ ذلك الشر الذي لا يظهر دائمًا في صورته الصريحة، وإنما قد يرتدي قناعًا أخلاقيًا يخفي وراءه فعلًا مدمرًا، فتغدو المسافة بين المظهر الأخلاقي والحقيقة الفعلية واحدة من أكثر المناطق إرباكًا في التجربة الإنسانية.
وهذا ما يجعل العبارة قريبة من رؤية الفيلسوفة هانا أرندت حول طبيعة الشر الحديث. ففي تأملها لمحاكمة أدولف أيخمان، لم تبحث أرندت عن صورة الوحش الأسطوري الذي نتصوره حين نفكر في الجريمة الكبرى، وإنما اكتشفت وجهًا أكثر إرباكًا: إنسانًا قادرًا على ارتكاب أفعال مروعة وهو يختبئ خلف مفردات تبدو عادية؛ الواجب، النظام، الطاعة، المسؤولية. لم يكن الشر عندها دائمًا صاخبًا ومخيفًا، بل قد يكون هادئًا ومنظمًا، وقد يتحدث بلغة تبدو خالية من القسوة.
من هذه الزاوية، تصبح هيئة الملائكة في النص، رمزًا لذلك القناع الأخلاقي الذي يرتديه العنف حين يريد أن يخدع العالم. فالملائكة في المخيال الإنساني تمثل النقاء والنور والحماية. وحين يمنح النص القتلة هذه الهيئة، فإنه يقلب الرمز من داخله؛ يكشف كيف يمكن للإنسان أن يسرق أكثر الصور قداسة ويستخدمها لتغطية أكثر الأفعال ظلمة.
إن المأساة ليست في أن القاتل يبدو شريرًا، فهذا أمر يسهل اكتشافه، وإنما في أن يبدو شبيهًا بمنقذ. فالشر الصريح يثير المقاومة، أما الشر الذي يتخفى خلف خطاب الخير فإنه يربك القدرة على الحكم. هنا يصبح الصراع على المعنى جزءًا من الصراع على الأرض؛ لأن من يملك القدرة على تسمية الأشياء يستطيع أحيانًا أن يغير طريقة رؤية الناس لها.
ولهذا يمكن أن تلتقي هذه الصورة أيضًا مع تأملات نيتشه حول انقلاب القيم؛ فالأفكار الأخلاقية ليست محصنة دائمًا من الاستعمال المشوه. فقد تُختطف الكلمات الجميلة وتُفرغ من معناها، فيصبح القهر حماية، ويصبح الإلغاء تطهيرًا، ويصبح العنف طريقًا نحو مستقبل مزعوم. الخطر لا يكمن في اختفاء الأخلاق، وإنما في استخدامها لتبرير ما يناقض جوهرها.
ومن هنا يعود عنوان النص: «الوقت لا يمرّ.. هو فقط يبدّل ملابسه». فالتبدل لا يتعلق بالزمن وحده، وإنما يتعلق أيضًا بالوجوه التي تظهر عبره. فالأسماء تتغير، والخطابات تتغير، والهيئات تتغير، لكن بعض الأفعال تترك وراءها أثرًا لا يستطيع الزمن محوه. قد يتغير القاتل في صورته العامة، وقد يعيد تقديم نفسه في سياق جديد، لكن «رائحة البارود» تبقى الحقيقة التي تقاوم كل عمليات التجميل التاريخي.
فالذاكرة في هذا النص ليست مجرد حفظ للماضي. إنها تقف في مواجهة المحاولات التي تريد تحويل الجريمة إلى رواية منمقة، أو إعادة تقديم الضحية بوصفها تفصيلًا هامشيًا في قصة أكبر. الذاكرة تستعيد التفاصيل التي يحاول النسيان دفنها: صوتًا، وجهًا، مكانًا، رائحة، أثرًا صغيرًا يحمل الحقيقة كاملة.
وهنا تكمن قوة العبارة؛ فهي لا تقول إن القتلة كانوا قادرين على خداع الجميع إلى الأبد، وإنما تكشف أن الخداع كان ممكنًا في لحظة ما، وأن الإنسان يحتاج دائمًا إلى يقظة أخلاقية كي لا يقع تحت سحر الأقنعة. فالتاريخ لا يخبرنا فقط بما حدث، وإنما يخبرنا أيضًا كيف استطاعت بعض الجرائم أن تقدم نفسها باعتبارها أعمالًا ضرورية أو نبيلة.
إن «كان القتلةُ على هيئة ملائكة» ليست جملة عن الحرب وحدها، وإنما عن قابلية الإنسان للتيه أمام الصور التي يصنعها لنفسه. إنها تسألنا عن اللحظة التي يصبح فيها القناع أكثر حضورًا من الوجه، وعن اللحظة التي تصبح فيها اللغة قادرة على إخفاء الحقيقة بدل الكشف عنها.
لكن النص لا ينتهي عند هذا التشاؤم. ففي مواجهة هيئة الملائكة المصطنعة تأتي الجملة الأخرى: «رائحة البارود لا تُخطئ». هناك دائمًا شيء يفلت من القناع؛ أثر صغير يرفض الاختفاء. قد تُزوّر الخطب، وقد تتغير الصور، وقد تُكتب روايات كثيرة عن الماضي، لكن الجسد والمدينة والذاكرة تحتفظ بما حدث.
لهذا تصبح العبارة شهادة على أن الزمن لا يمحو كل شيء، وإنما يكشف أحيانًا ما حاولت الأقنعة إخفاءه. فالوقت لا يمر فعلًا؛ إنه يبدّل ملابسه، ويترك وراء كل تبدل سؤالًا أخلاقيًا لا ينتهي: كيف نميز بين النور الحقيقي والضوء الذي يُستخدم لإخفاء العتمة؟
***
بولص آدم








