قراءة في ديوان "فحم أبيض" للشاعر عبود الجابري
منذ النصف الثاني من القرن العشرين أخذت القصيدة الحديثة تنفض عنها كثيرًا من الموضوعات التي طالما عدّها الشعر القديم جديرة بالاحتفاء؛ فلم تعد البطولة، أو المديح، أو الوقائع الكبرى، أو الخطابة الوجدانية، هي المنابع الوحيدة للشعر، بل أخذت القصيدة تلتفت إلى ما كان مهمشًا في الحياة اليومية، حتى غدا الكرسي، والنافذة، والشارع، والحافلة، وعلبة الشاي، والمقهى، أكثر قدرة على تمثيل الإنسان من الشخصيات البطولية نفسها. لقد انتقل مركز الثقل من الحدث إلى الشيء، ومن البطولة إلى التفاصيل، ومن الضجيج إلى الهمس، وقد إزداد هذا التوجه انتشارًا مع ظهور نظريات "ما بعد الحداثة" ومناهجه المتنوعة. ولعل هذا التحول هو ما دفع الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار إلى أن يجعل البيت، والنافذة، والخزانة، والدرج، والزاوية موضوعات للتأمل الفلسفي في كتابه (جماليات المكان)؛ إذ رأى أن الإنسان لا يسكن الأمكنة فحسب، بل تسكنه هي أيضًا، وأن الأشياء اليومية ليست أدوات صامتة، وإنما خزائن للذاكرة والحنين والخيال، فالمكان عند باشلار لا يُقاس بأبعاده الهندسية، وإنما بما يختزنه من حياة داخلية، ولذلك تصبح الأشياء الصغيرة امتدادًا للروح أكثر من كونها امتدادًا للمادة. ومن زاوية أخرى، يرى ميشيل دو سيرتو أن الحياة اليومية ليست مساحة رتيبة كما تبدو، بل هي المجال الذي يمارس فيه الإنسان مقاومته الصامتة للعالم؛ فمن خلال عاداته البسيطة، وطريقته في المشي، واستعماله للأشياء، وإعادة توظيفها، يعيد تشكيل الواقع كل يوم، أما الشاعر الفرنسي فرانسيس بونج فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، حين جعل الأشياء نفسها موضوعًا للقصيدة، محاولًا أن يمنحها صوتًا خاصًا، لا بوصفها رموزًا جاهزة، بل بوصفها كائنات تمتلك وجودًا شعريًا مستقلًا.
ونجد هذه الرؤية صداها في القصيدة العربية الحديثة؛ إذ لم تعد الأشياء اليومية مجرد ديكور للمشهد الشعري، وإنما أصبحت البنية التي يُبنى عليها المعنى، ولم يعد الشاعر يبحث عن الاستعارة في السماء البعيدة، بل صار يعثر عليها في البيت، والمطبخ، والرصيف، والحافلة، وفي كل ما يمر به الإنسان من دون أن يلتفت إليه.
ولعل أبرز من يمثل هذا التوجه هو الشاعر العراقي عبود الجابري في كل دواوينه الشعرية ولا سيّما ديوانه "فحم أبيض" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب- 2025، فالجابري لا يقدم عالمًا استثنائيًا ومختلفًا بقدر ما يعيد اكتشاف العالم المألوف، لكنه يفعل ذلك عبر تفكيك الوظيفة الاعتيادية للأشياء وإعادة بنائها داخل اللغة، وإضفاء رؤيته الخاصّة عليها، وما يجذب الانتباه منذ الصفحات الأولى من الديوان أن الجابري لا يختار الأشياء لأنها جميلة، بل لأنها مألوفة إلى حد الابتذال؛ غير أن القصيدة تنزع عنها هذا الابتذال، وتعيد إليها دهشتها الأولى ويضع القارئ أمام رؤية مختلفة كليًا.
وأبرز ما يلاحظ على الديوان منذ البداية أن الأشياء لا تُستحضر بوصفها خلفية للمشهد، وإنما بوصفها مركزًا للرؤية، ففي مفتتح الديوان يقول:
اشتعلت الغابة
وتهَاوت القلعة حجرًا، حجرًا
واكتمل القمر
كما لو أنه يحط رحاله على الأرض
بينما كانت المصابيح
تتراقص غبطةً
وتهتف لشرارةٍ لم تنطفئ
عند فرارها من الموقد
فالجابري لا يكتفي بوصف احتراق الغابة أو سقوط القلعة ولا يعيرها اهتمامًا، بقدر ما يجعل المصابيح تحتفي بشرارة هاربة من الموقد، ويتبين أن مركز الصورة عند الجابري ليس الحريق نفسه، وإنما تلك الشرارة الصغيرة التي أفلتت من وظيفتها الأصلية، وكأن الشاعر يعلن منذ بدايته أنه سينحاز إلى التفاصيل الهاربة والصغيرة، لا إلى المشاهد الكبرى، فالحريق حدث، أما الشرارة فهي حكاية. ويتأكد هذا المنحى في قصيدة "فراغ بين فاصلتين"، التي تُعد من أكثر نصوص الديوان تعبيرًا عن شعرية اليومي، إذ تُبنى القصيدة كلها على أفعال اعتيادية لا يكاد الإنسان ينتبه إليها:
يكفي أن تحرك يدك في الشمس
لتلمع ساعتك العاطلة على جدار قريب
في الظاهر نحن أمام حركة عابرة، تفتح الحركة اليومية أفقًا للتأمل في الزمن؛ إذ تتحول الساعة إلى صورة لزمن فقد انتظامه، فيما يغدو الضوء كاشفًا لهذا التعطل، فتغادر الساعة وظيفتها المادية لتستقر في أفق الاستعارة بوصفها تمثيلًا لزمن داخلي متوقف، ثم يواصل الجابري بناء القصيدة بالطريقة نفسها:
يكفي أن تغمض عينيك
لتنساب على خديك دمعتان
يكفي أن تنام
لتسافر إلى بلدان لم ترها
يكفي أن تمشط لحيتك
لتعرف شكل الفضة في المرايا
إن الأفعال هنا (إغماض العين، النوم، تمشيط اللحية) ليست سوى طقوس يومية متكررة، لكنها داخل القصيدة تتحول إلى منافذ يطل منها الإنسان على ذاته. فاللحية ليست علامة على العمر فحسب، بل مرآة لمرور الزمن، والنوم ليس راحةً للجسد، بل وسيلة أخرى للسفر، أما الدموع فلا تأتي نتيجة مأساة معلنة، وإنما تكفيها حركة بسيطة هي إغماض العينين.
ويبلغ هذا الاشتغال ذروته في قوله:
يكفي أن تحاول عبور الشارع
لتكتشف كم أنت واهن
هنا يتحول الشارع إلى فضاء وجودي يختبر فيه الإنسان هشاشته أمام العالم؛ فمشهد العبور يتجاوز دلالته المكانية ليكشف عن تجربة إنسانية أعمق تتصل بالضعف والقلق؛ لذلك يضيف مباشرة:
فاعبر على مهل
وتخيّل صخب الشارع موسيقى
وما يميز شعر الجابري إنه لا يحاول تغيير العالم، بل يغير طريقة النظر إليه؛ وهذا هو جوهر شعرية اليومي عنده. فالشعر لا يخلق أشياء جديدة، وإنما يمنح الأشياء القديمة قدرة جديدة على الكلام. ويتكرر هذا المنهج في أكثر من موضع. ففي قصيدة "وداعات" لا يختار الشاعر مكانًا أسطوريًا، وإنما يقول:
كل صباح
أختار شارعًا
لأقضي نهاري في قلبه
إن الشارع، وهو أكثر الأمكنة اعتيادًا، يتحول إلى رفيق يومي يستحق أن تُكتب له «قصيدة شكر». وليس الشكر موجَّهًا إلى الناس، بل إلى الأرصفة، والمصاطب، والشجيرات التي أخفت الشاعر عن رجل يعرفه. وهنا تغدو الأشياء شريكة في التجربة الإنسانية، لأنها تحفظ أسرار الإنسان أكثر مما يفعل البشر أنفسهم.
ومن الواضح أن بنية الديوان تقوم على مبدأ التحول الدائم؛ فالأشياء تغادر وظائفها المألوفة لتكتسب دلالات جديدة، ويتحول حضورها المادي إلى حضور رمزي يتسع لطبقات متعددة من المعنى، وهذه النقلة هي التي تمنح الأشياء قيمتها الشعرية؛ إذ لا تعود النافذة نافذة، ولا الشارع شارعًا، ولا الساعة ساعة، وإنما تصبح جميعها علامات على الذاكرة، والزمن، والخوف، والانتظار، والوحدة، أي بمعنى أن هناك ديناميكية تحول مستمرة تحكم الأشياء في الديوان ، تنتقل بموجبها من الاستعمال اليومي إلى المجال الرمزي، فتتجاوز ماديتها لتؤدي وظائف دلالية وجمالية جديدة.
وتكشف هذه الرؤية أن الأشياء تؤدي دور الوسيط الذي تُبنى من خلاله التجربة الشعرية؛ فهي تتحول إلى لغة للتفكير، وإلى منظار يعيد تشكيل صورة العالم، ومن ثم تنطلق قراءة الديوان من شبكة الأشياء المحيطة بالذات، بوصفها الحامل الأعمق لتجربتها الوجودية، ولكونها هي التي تحفظ سيرته، وتتكلم عنه حين يعجز عن الكلام.
ومن جانب آخر، فإذا كان الشعر التقليدي قد منح البطولة للإنسان، فإن «فحم أبيض» يمنحها للأشياء. فالقارئ لا يخرج من الديوان وهو يتذكر أسماء الشخصيات، وإنما يتذكر حبل الغسيل، وعلبة الشاي، والحافلة، والنافذة، والشارع، والمصابيح، والموقد، والعشب، والباب. وهذه ليست مصادفة أسلوبية، بل رؤية شعرية تجعل الأشياء هي الذاكرة البديلة للإنسان، وهي الشاهد الأكثر وفاءً على انكساراته.
إن الشاعر لا يستخدم الأشياء بوصفها زينة تصويرية، وإنما ينتزعها من وظيفتها اليومية، ثم يعيد تشكيلها داخل القصيدة، بحيث تصبح حاملة لمعنى يتجاوز ماديتها. وبهذا تتحقق ما يمكن تسميته بلاغة اليومي؛ أي تحويل المألوف إلى فضاء تأويلي مفتوح، ولعل أول الأشياء التي تكشف هذا التحول هي علبة الشاي في قصيدة "من وصايا للولد الكهل" يقول الشاعر:
"امضِ إلى الرف الثالث من الرفوف الواقعة على الجهة اليسرى في المطبخ... ستجد علبة صفراء... مكتوب عليها شاي الغزالين... حاول أن تصل إليها بشتى الطرق... وحين تقع في يدك قم بإلقائها في سلة النفايات، فهي فارغة منذ أُصيبت أمك بالصداع لنقص في الكافايين"
للوهلة الأولى يبدو النص أقرب إلى تعليمات منزلية، لكنه يخاتل القارئ منذ السطر الأول، فالتفاصيل الدقيقة المتعلقة بمكان العلبة، ولونها، واسمها التجاري، لا تهدف إلى وصفها، وإنما إلى ترسيخها في الذاكرة، كأن القصيدة تخشى أن يبتلعها النسيان. وما إن يصل القارئ إليها حتى يكتشف أنها فارغة؛ غير أن فراغها ليس نقصًا ماديًا، بل فراغٌ أصاب البيت كله منذ مرض الأم، إن الشاعر لا يرثي الأم، ولا يتحدث عن وجعه مباشرة، بل يجعل علبة الشاي تقوم بهذه المهمة، فالأشياء هنا تحفظ أثر الإنسان بعد غيابه، ولذلك تبدو أكثر وفاءً من الذاكرة نفسها، وتتكرر الآلية ذاتها في قصيدة "تهويمات" حين يجعل حبل الغسيل محورًا للصورة:
طرقة واحدة على الباب
كافية لتفزع عصافير نائمة
على حبل الغسيل...
فلا أحد
يفكر بزيارة رجل
تنام العصافير هانئة
على حبل غسيله الفارغ
كان يمكن للشاعر أن يقول: أنا وحيد لكن يشكل صورة الوحدة عبر مشهد حبل الغسيل الخالي من الثياب، والعصافير التي اتخذت منه مأوى آمنًا. ويغدو حبل الغسيل امتدادًا لصاحبه وسجلًا لحياته، بينما يحيل فراغه إلى فراغ الوجود، ويكشف هدوء العصافير فوقه عن عزلة عميقة تستبدل حضور البشر بألفة الكائنات الصغيرة.
ويحتل الباب موقعًا دلاليًا بارزًا في الديوان؛ إذ ينتقل من كونه عنصرًا معماريًا مألوفًا إلى بنية رمزية تستوعب فكرة العبور، وتختزن تحولات الذات في مواجهة الوجود، ففي قصيدة "فحم أبيض" يقول:
أزاحم نفسي
كي أنزل من الحافلة...
وكثيرًا ما حلمت
بأني باب يريد النزول
إن هذه الصورة من أكثر صور الديوان إدهاشًا؛ لأنها لا تجعل الإنسان يشبه الباب فقط ، بل تجعل الباب نفسه راغبًا في النزول، وهنا تبلغ عملية التحول ذروتها؛ إذ تنتقل الرغبة من الإنسان إلى الشيء، فيصبح الباب هو الكائن الحي، بينما يغدو الإنسان جزءًا من آلية الأشياء. فإن الحافلة نفسها ليست وسيلة نقل، وإنما صورة للحياة، أما الباب فهو إمكانية الخروج منها، ولذلك يزاحم الشاعر نفسه لا الآخرين. إنه صراع داخلي يتخفى في هيئة مشهد يومي. ومن الأمثلة الأخرى التي تدل على شعرية الأشياء ما يرد في قصيدة "موقد الورد"، إذ يقول:
تذكر أني أحبك...
كما يسقط فانوس من يد طفلة
فينتشر الضوء والأدعية
ثم يقول:
بيني وبينك ريشة
نطيرها بأنفاسنا تارة
وتارة بإشعال النار في موقد الورد
يفتح تركيب "موقد الورد" أفقًا استعاريًا تتبدل فيه الوظائف المألوفة للأشياء؛ فالورد يتحول إلى طاقة باعثة للدفء، وتكتسب النار دلالة وجدانية تتصل باستمرار الحب أكثر من اتصالها بفعل الاحتراق، فتنبني الصورة على إعادة صياغة الواقع وفق منطق الحساسية الشعرية.
وتكشف هذه النماذج عن رؤية شعرية تجعل الأشياء اليومية نقطة انطلاق لإعادة بناء العالم؛ إذ تتحول إلى علامات دلالية تحتضن التجربة الوجدانية، وتعيد إنتاجها في أفق رمزي مفتوح؛ ولهذا تبدو قصائد «فحم أبيض» وكأنها لا تبحث عن المعنى في الأحداث الكبيرة، بل في التفاصيل التي يمر بها الجميع دون أن ينتبهوا إليها. إنها تعيد إلينا الأشياء التي فقدنا القدرة على رؤيتها، وتكشف أن أكثر الموجودات تواضعًا قد تكون أكثرها احتفاظًا بسر الإنسان.
ليست قيمة الأشياء في «فحم أبيض» كامنة في حضورها وحدها، وإنما في الطريقة التي تُكتب بها، فلو استبدلنا هذه اللغة بلغة تقريرية لفقدت الأشياء قدرتها على الإدهاش، ولعادت إلى وظائفها اليومية. إن ما يصنع شعرية الديوان ليس اختيار الأشياء فحسب، بل اختيار الطريقة التي تُرى بها هذه الأشياء. ولهذا يمكن القول إن الشاعر لا يكتب عن الأشياء، وإنما يجعل اللغة نفسها تفكر بوساطتها.
ولعل أول ما يلفت النظر هو أن القصيدة تكاد تخلو من اللغة الانفعالية المباشرة، فلا نجد إعلانًا صريحًا عن الحزن أو الوحدة أو الخيبة، وإنما تُترك الأشياء لتكشف ذلك عبر حضورها، ويعتمد هذا الإضمار على آليات بلاغية وأسلوبية متعددة يوظفها الجابري في معظم قصائد الديوان، أولها: الاستبدال؛ أي أن المشاعر لا تُسمى، وإنما تُستبدل بأشياء يومية تحملها نيابة عنها، فبدل أن يتحدث عن الزمن، يمنحنا ساعة عاطلة، وبدل أن يتحدث عن الشيخوخة، يقدم فضة اللحية، وبدل أن يتحدث عن العزلة، يرينا مقهى فارغًا أو حبل غسيل خاليًا، وبدل أن يتحدث عن ضياع الطريق، يجعل الذات تزاحم نفسها عند باب الحافلة؛ ولذلك تبدو القصيدة كما لو أنها تستبدل المعاني المجردة بأجساد مادية يمكن رؤيتها ولمسها، ومن أبرز الأدوات التي تحقق هذا التحول تكرار الصيغة الشرطية في قصيدة "فراغ بين فاصلتين": "يكفي أن تحرك يدك..."، و"يكفي أن تغمض عينيك..."، و"يكفي أن تنام..."، و"يكفي أن تمشط لحيتك..."، و"يكفي أن تحاول عبور الشارع..." فالتكرار ليس مجرد إيقاع لغوي، بل هو آلية بناء دلالي كامل، فعبارة "يكفي أن... " توحي بأن العالم لا يحتاج إلى أحداث استثنائية كي يكشف معناه؛ فكل ما يلزم هو حركة صغيرة، أو التفاتة عابرة، حتى تنفتح طبقة جديدة من الواقع. وهكذا تتحول أبسط الأفعال اليومية إلى بوابات للتأمل الوجودي.
ويعد تكرار عبارة "كما لو" في الديوان سمة أسلوبية، فـ "كما" أداة تشبيه عادة، لكن عند الجابري هي مفتاح لرؤية العالم، ومثال ذلك قوله في مفتتح الديوان: "واكتمل القمر كما لو أنه يحط رحاله على الأرض"، وفي "موقد الورد": "كما يسقط فانوس من يد طفلة..."، وفي "أب عند خط الاستواء": "كما لو أن سكينًا تقسمه نصفين"، إن الشاعر لا يريد تأكيد شيئًا، بل يترك المعنى معلقًا بين الواقع والخيال، ولهذا لا يفرض الشاعر تأويلًا واحدًا على القارئ، وإنما يدعوه إلى المشاركة في إنتاج الدلالة، فالعالم في هذا الديوان عالم احتمالات لا يقين فيه.
ومن هنا تتولد بلاغة أخرى يمكن تسميتها بلاغة الاحتمال؛ إذ تتكرر ألفاظ مثل: (يمكن، ربما، لعله، كما لو، أحسب، قد)، وهذه المفردات تجعل القصيدة تتجنب الأحكام النهائية، وكأنها تؤمن بأن الحقيقة ليست شيئًا يُمتلك، بل أفق يُقترب منه.
وكذلك من الخصائص المميزة أيضًا اعتماد الجابري على الفعل المضارع بوصفه الزمن الغالب في الديوان، فالجابري يمنح القصيدة حالة من الاستمرار، لكي الأحداث منتهية، وإنما تقع الآن، أمام القارئ، وكأن التجربة لا تزال تتشكل، ولم تتحول بعد إلى ذكرى.
أما من الناحية البلاغية، فإن الديوان يقوم على شبكة واسعة من الاستعارات المفهومية التي لا تعمل بوصفها زينة بيانية، بل بوصفها طريقة للتفكير، فالزمن يتحول إلى شيء يمكن أن يتعطل: "ساعتك العاطلة"، واللغة تصبح مادة قابلة للاحتراق: "قصائد ميتة لا بد لها أن تنبعث من رماد اللغة"، والوقت يمتلك أعضاء بشرية: "وضعت أصابعي في آذان الوقت"، والحب يتحول إلى طقس تعبدي: "تذكر أني أحبك يمكن لها أن تكون صلاة"، والأب يصبح قطرة ماء: "كان الأب عند خط الاستواء ليس سوى قطرة من الماء"، وتقوم هذه الاستعارات على نقل بنية مفهومية كاملة من مجال إلى آخر، بحيث يصبح التفكير ذاته استعاريًا لا مجرد مشابهة شكلية.
ومن جهة أخرى، يعتمد الجابري على المفارقة بوصفها وسيلة لإرباك القارئ وإعادة تشكيل توقعاته. فعنوان الديوان نفسه:"فحم أبيض" يقوم على جمع عنصرين متناقضين. وكذلك: "موقد الورد" و"صباح غائب" و"سلامًا أيها اللاشيء" و"بئر ميتة"، إن المفارقة هنا لا تهدف إلى الإدهاش وحده، بل إلى زعزعة العلاقات المألوفة بين الأشياء، حتى يرى القارئ العالم بعين جديدة. ومن الملامح الأسلوبية التي تستحق التوقف أيضًا هيمنة الحقول الطبيعية داخل الديوان. فالعشب، والندى، والغابة، والريح، والقمر، والطين، والماء، والورد، والشرارة، والموقد، والفحم، والعصافير، والغيوم، تتكرر باستمرار، حتى يبدو العالم الطبيعي هو المعجم الذي تُترجم به التجربة الإنسانية. فالذات لا تتكلم بلغتها الخاصة، وإنما تستعير مفردات الطبيعة لتقول بها ما تعجز اللغة المباشرة عن قوله.
ومن هنا تتضح فرادة هذا الديوان؛ فهو لا يجعل الأشياء موضوعًا للقصيدة، بل يحولها إلى بنية لغوية كاملة، وإلى جهاز إدراكي يرى الإنسان نفسه والعالم من خلاله. لذلك لا تبدو القصائد وكأنها تصف الواقع، وإنما تعيد اختراعه عبر لغة تؤمن بأن أكثر الأشياء تواضعًا يمكن أن تكون أكثرها قدرة على حمل المعنى.
***
عذراء محمد صبحي








