عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

صالح الرزوق: أساليب الكتابة الجديدة في شعر صالح البياتي

قراءة في مجموعته يبكي جبر

لا تشبه مجموعة "يبكي جبر ويغني" لصالح البياتي المشهد الشعري المعاصر، وإن كانت تنتمي إليه بعدة روابط. فهي من ناحية الأسلوب بالغة البساطة، يفهمها أي قارئ، وتستعمل لغة الصحافة وليس البديع والبيان أو فصاحة اللسان العربي الأول.  وأرى أنها أشبه بلغة همنغواي في النثر وأدب الرحلات.

وألح على همنغواي لسببين: 

لأنه قرب لغة المتكلم من لسان الحياة والبسطاء. ولأنه عاش حياته كما يعيش الأغراب. لم يندمج مع أحد، وعانى من أزمات عصبية متتالية قادته إلى الانتحار في كوبا.

ويتقاطع صالح البياتي معه في الناحيتين. فقد عاش في الكويت التي عانت الأمرين من سياسة العراق في ظل صدام. كما أنه لم يكتب إلا عن أزمنة صعبة يخيم عليها الخوف والقلق، وهو ما يسميه علي جبار عطية في تقديمه للمجموعة باسم الخروج من الألم والأنين ص2.  والخروج بالأساس كلمة توراتية اخترعها اليهود، ولها معنى تاريخي وآخر طقوسي. وهذا ينطبق تماما على جو القصائد، فهي "أساطير" يومية بتعبير بارت، وتتكلم عن مخاض فردي عسير.  فقد أكد عنوان المجموعة على البكاء، وقدمه على جبر بطل القصائد، ناهيك أنه ترك الضحك للمقام الأخير.  وهذا الترتيب يدل على أولوية المعاناة والمشقة، وعلى تأخر ثقافة السعادة والفرح. حتى أنه في أولى قصائده رأى "القمر مرسوما في الحلكة" - شدة السواد والإعتام،  ص9 قبل  أن  يرى "العراق مملكة للشهداء" - أو عرشا لأموات ص15 ماتوا بدون قضية. ويبدو موت أبطال القصائد عبثيا وليس له معنى، ويذكرنا بموت شخصيات كافكا، باعتبار أنه غياب وجودي مقدر سلفا.

يقول البياتي بهذا المعنى:

صرت أخط بيدي لافتة تعلن موتي ص 15.

ثم يقول: لا أعرف من قاموس لغتي مفردة واحدة غير الموت ص16.

ولكن هناك أيضا فرق في هذا التآلف مع الغياب والرحيل. فالبياتي يذهب إلى موته قسرا، أو كما يعلن في قصيدة "خارطة الوطن" ص13 تقوده إليه حرب لم تترك في ذهنه ذكرى جميلة واحدة، بينما يشعر كافكا بالغبطة لموته الوشيك (كما حصل في قصته حلم - A Dream . منشورة في كتاب بنغوين لأعماله الكاملة تحت عنوان قصص قصيرة جدا).

تبقى ملاحظتان عن الأسلوب.

الأولى أن القصائد تدخل تحت مظلة الأسلوب المتأخر - أو الأخير من أساليب الكتابة الجديدة new writing trends . ولا أستطيع أن أجد لها أي اسم آخر. فما كان يعرف بالشعر الحر (نموذج السياب ورفاقه) أصبح يحمل اسم شعر التفعيلة. أما قصائد النثر فهي حتى الآن في منطقة غامضة وتتعرض لانزلاقات ولتبديل في البنية والحدود. فشعر يوسف الخال مثلا لا يمكن مقارنته مع أسلوب شوقي أبي شقرا، لا من ناحية الموسيقا الداخلية ولا توزيع الأبيات والصور والمفردات. وإذا كان جسم القصيدة عند الخال هرميا يبدأ من صورة بسيطة ويتطور إلى صور متوازية ومترادفة (القصائد الشبكية)، فإن أبي شقرا يحافظ على نفس التوزيع دون أي تغيير في الكتل والفراغات (الشعر الخيطي). ولمزيد من التوضيح لا يمكن مقارنة شعر إنعام كمونة - السطري مع قصائد البياتي لأنه يهتم بتواتر الكلمات واسترسال المعاني.

الثانية أن المجموعة اختارت شكل القصيدة المتواصلة، وكأنه أزمع على إنتاج متوالية شعرية، وهو ما يسميه باسم الاسترسال. ومن الواضح أن كل قصيدة تأتي على شاكلة تتمة لما سبق. وأفضل تفسير لهذه الظاهرة وجود ثيمة الاغتراب وما يتفرع عنها من قلق وهروب للمكان. وهي ناحية شائعة بين أهم أدباء المنفى، ومنهم على سبيل المثال حميد العقابي. فالأشكال والأساليب تتبدل، وجغرافيا الأمكنة تبقى في الظل أو طي الكتمان والمجهول، غير أن شروط المرحلة تبقى كما هي. بتعبير آخر لا يوجد لجغرافيا الأمكنة وجه، ولكن يحافظ قانون اللحظة على صفاته، وعلى رأسها الطغيان والاستبداد وهدر الفرص. وألاحظ نفس الشيء في شعر صالح البياتي. فهو مشدود بين نقطتين: أرض بلاده (ويلح عليها في كل قصيدة ابتداء من "خارطة الوطن" وحتى "ميسوبوتاميا")، واغترابه (ولا تخلو قصيدة من هذا الموضوع). ولذلك توزعت صوره:

1- بين جغرافيا بعيدة يغلفها أوجاع الحنين - نوستالجيا تصل لدرجة الهوس المرضي (ويستعير للتعبير عنها فعل كن من المتصوفة لأنه يدل على التكوين والخلق بقوة التمني - انظر قصيدة "مهووس في شغف" ص11. ولكنه يطور تكوينات ذاتية وبعيدة عن أساطير الخلق - شأن "كتاب الملاجة" لمحمد عمران أو "قصيدة الطين" للشاعر نفسه. وعلى وجه العموم يمثل الفعل عند عامة الناس الرغبة وليس الأمر  الإلهي. فالكاف للكمال والنون للوجود - الماضي والحاضر. وبالاستطراد لوعي الذات الفردية بالتاريخ).

2- وبين شعور باطن يخيم عليه القلق والاضطراب، وهو ما يحمي قصائده من السقوط في الميلودراما الرخيصة، ويحولها إلى مجرد احتمال أو توقعات، وحتى لو أنها تنتهي بالخيبة (كما ذكر في قصيدة "التوقعات" ص17) لكنه يكسب فرصة "انتظارها بفرح" كما ورد حرفيا. 

***

د. صالح الرزوق

 

في المثقف اليوم