عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: الوَصْوَصَةُ واللِّثَامُ والنِّقَابُ في فقه اللغة

قراءةٌ لغوية في ضوء الثعالبي وآراء الكوفيين والبصريين وفقهاء العربية

تُعَدُّ العربية من أكثر لغات العالم ثراءً في تسمية اللباس وأغطية الجسد، لأنها لم تكتفِ بإطلاق اسمٍ عام، بل فرّقت بين كلِّ هيئةٍ وهيئة، وجعلت لكل موضع من الوجه أو الرأس أو البدن لفظًا يختص به. ومن أبدع من جمع هذه الفروق الإمام أبو منصور الثعالبي، الذي جعل من كتابه فقه اللغة معجمًا للفروق الدقيقة، حيث لا تكون الألفاظ مترادفة ترادفًا تامًّا، وإنما يحمل كل لفظ ظلَّه الدلالي الخاص.

ومن هذه الألفاظ: الوصوصة، واللثام، والنقاب، وهي ألفاظ تلتقي في معنى الستر، لكنها تختلف في مواضع الستر وهيئته ووظيفته.

يرى الثعالبي أن العرب كانت دقيقة في تسمية أغطية الوجه، فلا يُسمَّى كلُّ ساترٍ نقابًا، ولا كلُّ غطاءٍ لثامًا، بل لكل اسم حدوده الدلالية.

فالـلِّثام هو ما يُشدُّ على أسفل الوجه، فيستر الفم والذقن، وقد يمتد إلى الأنف، وكان أشهر ما يلبسه الرجال في الأسفار والحروب اتقاءً للغبار والبرد، حتى عُرف بعض الفرسان بالملثمين.

أما النِّقاب فهو ما يُجعل على وجه المرأة، وفيه فتحة أو فتحتان للعينين، وقد يستر الوجه كله سوى العينين، ولذلك اشتُق اسمه من النقب، أي الثقب أو الفتحة.

وأما الوَصْوَصَة فهي اسم لسترٍ ألطف من النقاب، يغطّي شيئًا من الوجه أو يقاربه، وقد ذكرها أهل اللغة ضمن الألفاظ الدالة على أنواع التغطية والزينة، وإن كان استعمالها أقل شيوعًا من اللثام والنقاب.

وقد توسع علماء اللغة في بيان هذه الفروق.

رأي البصريين:

يميل علماء البصرة إلى ردِّ الألفاظ إلى أصولها الاشتقاقية.

فقالوا إن النقاب مأخوذ من النقب، وهو الثقب؛ لأن فيه نقبًا للعين أو العينين، ومن ثم فموضعه الطبيعي هو الوجه.

وأما اللثام فمشتق من اللثم، وهو التغطية والملاصقة، ولذلك يكون موضعه الفم والأنف وأسفل الوجه.

أما الوصوصة فهي عندهم نوع من التغطية الخفيفة التي لا تبلغ إحكام النقاب.

رأي الكوفيين:

أما الكوفيون فقد غلب عليهم تتبع الاستعمال العربي في البادية والشعر.

فذكروا أن العرب قد توسعوا في إطلاق اللثام حتى أطلقوه أحيانًا على كل ما يستر بعض الوجه، سواء كان على الرجل أو المرأة، غير أنهم حافظوا على أن النقاب خاص بما يُجعل على وجه المرأة غالبًا.

كما فرّقوا بين النقاب والبرقع، فقالوا إن البرقع أوسع من النقاب، وقد يمتد إلى أعلى الجبهة وأسفل الوجه، بينما النقاب يختص بموضع العينين وما حولهما.

آراء فقهاء اللغة:

ذكر ابن سيده أن النقاب ما تُنقَب فيه العين، وأن العرب لا تطلقه على كل ساتر.

وقال ابن منظور في لسان العرب إن النقاب هو ما تنتقب به المرأة، وهو ساتر الوجه مع إظهار العين أو العينين.

أما الزبيدي في تاج العروس فأكد أن أصل التسمية راجع إلى النقب، أي الفتحة التي يُنظر منها.

وأشار الأزهري إلى أن اللثام يكون للرجل والمرأة، إلا أن غلبته في الاستعمال كانت للرجال، بخلاف النقاب الذي غلب استعماله للنساء.

مواضع وضع النقاب في اصطلاح العرب:

استقر استعمال العرب على أن النقاب يوضع في المواضع الآتية:

على الوجه كله مع إظهار العينين.

أو مع إظهار عين واحدة في بعض لهجات العرب القديمة.

ويثبت على الأنف وأعلى الخدين بحيث تكون فتحة النظر عند العينين.

ولا يُطلق اسم النقاب على ما يستر الرأس وحده، ولا على الخمار الذي يغطي الشعر فقط، ولا على اللثام الذي يقتصر على الفم والأنف.

ومن هنا ميّزت العربية بين:

١- الخمار: لما يُغطّى به الرأس والشعر.

٢- القناع: لما يستر الرأس والوجه.

٣- اللثام: لما يستر الفم والأنف.

٤- النقاب: لما يستر الوجه مع فتح موضع العينين.

٥- البرقع: غطاء أوسع للوجه له هيئات متعددة.

٦- الوصوصة: نوع من التغطية الخفيفة للوجه.

إن هذه الفروق تكشف عن عبقرية العربية في تسمية الأشياء وفق الهيئة والوظيفة والدلالة، فلا يختلط اللثام بالنقاب، ولا القناع بالخمار، ولا الوصوصة بغيرها. وقد أحسن الثعالبي حين جمع هذه الألفاظ في فقه اللغة، فحفظ لنا جانبًا من ثراء العربية، وأثبت أن اختلاف الأسماء ليس ترفًا لغويًا، بل هو تعبير عن دقة الحس العربي في وصف الإنسان وهيئته ولباسه، حتى غدت الكلمة مرآةً للموضع الذي تدل عليه، وللثقافة التي أنشأتها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم