عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: نظريةُ العاملِ في النحو العربي

من سيبويه إلى ابن جني ونقد اللسانيات الحديثة

تُعَدُّ نظرية العامل من أعظم الأسس التي قام عليها البناء النحوي العربي، حتى قيل إن النحو العربي كله يدور حول فكرة واحدة هي: لماذا تغيَّرت أواخر الكلمات؟ وقد أجاب النحاة بأن هذا التغيّر ليس عفوياً، بل هو أثرٌ يُحدثه عامل في معمول، فتظهر الحركة الإعرابية شاهدةً على العلاقة بين أجزاء الكلام.

وهكذا لم يكن العامل عند النحاة مجرد مصطلحٍ تعليمي، بل كان محاولةً فلسفيةً لتفسير النظام الداخلي للغة العربية، والكشف عن العلل التي تضبط انتقال الكلمة من الرفع إلى النصب أو الجر أو الجزم.

العامل في اصطلاح النحاة:

عرَّف النحاة العامل بأنه المؤثر الذي يقتضي حكماً إعرابياً في غيره، سواء أكان لفظاً ملفوظاً، أم معنىً مستفاداً من السياق.

فإذا قلنا:

كتبَ الطالبُ الدرسَ.

كان الفعل كتب عاملاً في رفع الطالب على الفاعلية، وفي نصب الدرس على المفعولية.

أما إذا قلنا:

في المدرسةِ.

فإن حرف الجر في عاملٌ في جر الاسم بعده.

ومن هنا أصبح العامل أساساً لفهم العلاقات النحوية، لا مجرد وسيلة لضبط الحركات.

سيبويه وتأسيس النظرية:

يُعد سيبويه أول من صاغ هذه النظرية صياغةً علميةً متماسكة في كتابه الخالد، وإن لم يضع لها تعريفاً اصطلاحياً صريحاً كما فعل المتأخرون.

وقد رأى أن الإعراب أثرٌ يحدثه العامل، وأن هذا الأثر هو الدليل على الوظيفة النحوية للكلمة. ولذلك كان يبحث دائماً عن سبب الرفع أو النصب أو الجر، ويجعل لكل حركة علةً تفسرها.

وكان أستاذه الخليل بن أحمد الفراهيدي قد مهّد لهذا المنهج، فجعل العربية نظاماً قائماً على القياس والعلل، لا على الحفظ وحده.

المدرسة البصرية:

بالغ البصريون في إحكام نظرية العامل، حتى افترضوا عوامل معنوية حيث لا يوجد لفظ ظاهر.

فقالوا إن المبتدأ مرفوع بعامل معنوي هو الابتداء، وإن الفعل المضارع قد يرتفع لتجرده من الناصب والجازم.

كما توسعوا في باب التقدير، فكانوا يقدرون أفعالاً أو حروفاً محذوفة حفاظاً على اتساق القواعد.

وقد بلغت هذه النزعة ذروتها عند المبرّد والزجاج.

المدرسة الكوفية:

أما الكوفيون، وعلى رأسهم الكسائي والفراء، فقد قبلوا فكرة العامل، لكنهم كانوا أقل ميلاً إلى الإكثار من التقدير، وأكثر اعتماداً على السماع واللهجات العربية.

ورأوا أن كثيراً من الظواهر اللغوية لا تحتاج إلى افتراض عوامل خفية، بل يكفي الاحتجاج بما نطق به العرب.

ومن هنا اتسم مذهبهم بمرونة أكبر، وإن ظلوا محافظين على جوهر النظرية.

ابن جني وفلسفة العامل:

بلغت نظرية العامل مرحلةً فلسفيةً رفيعة عند ابن جني.

فقد رأى أن العامل ليس قوةً مادية تؤثر في الكلمات، وإنما هو علاقة عقلية تستنبطها الأذهان من انتظام الكلام.

وأكد أن الإعراب وسيلةٌ لتمييز المعاني، وأن اختلاف الحركة يؤدي إلى اختلاف الوظيفة والدلالة.

ولهذا قال إن الإعراب «إبانة عن المعاني بالألفاظ»، فجعل المعنى سابقاً على العلامة الإعرابية.

عبد القاهر الجرجاني ونظرية النظم:

ثم جاء عبد القاهر الجرجاني، فحوّل الأنظار من العامل إلى العلاقات بين الكلمات.

فلم يعد سر البلاغة عنده في الكلمة المفردة، وإنما في نظمها، أي في موقعها وعلاقتها بما قبلها وما بعدها.

وهذا التصور كان تمهيداً مبكراً لما ستقوله اللسانيات الحديثة بعد قرون طويلة.

نقد النحاة المتأخرين:

في العصور اللاحقة، رأى عدد من العلماء أن النحاة بالغوا في تقدير العوامل حتى أصبحت النظرية معقدة.

وكان ابن مضاء القرطبي من أشد المنتقدين، إذ رفض كثيراً من العوامل المقدرة، وعدَّها تكلفاً لا يحتاج إليه فهم العربية.

ورأى أن العرب تكلموا بالسليقة، ولم يكونوا يفكرون في عوامل لفظية أو معنوية، وأن الأولى وصف اللغة كما هي، لا إثقالها بالافتراضات.

اللسانيات الحديثة:

ومع ظهور اللسانيات في القرن العشرين، أعيد النظر في مفهوم العامل.

فالمدارس البنيوية والوظيفية لم تعد تتحدث عن «عامل» بالمفهوم القديم، بل عن العلاقات التركيبية، والبنية النحوية، والوظائف النحوية.

فلم يعد الفعل ـ في نظرهم ـ يرفع الفاعل لأنه عامل، بل لأن النظام اللغوي يخصص له وظيفة الفاعل داخل البنية.

ومع ذلك، فإن كثيراً من الباحثين يرى أن نظرية العامل كانت محاولةً عبقريةً لتفسير الظواهر النحوية، وأنها تمثل مرحلةً متقدمة في تاريخ الفكر اللغوي، حتى وإن اختلفت مصطلحات اللسانيات الحديثة.

العامل بين الحقيقة والمجاز:

ذهب بعض المحققين إلى أن العامل ليس قوةً حقيقية تؤثر في الكلمة، وإنما هو تعبيرٌ مجازي عن العلاقة النحوية.

فالفاعل لا يرتفع لأن الفعل دفعه إلى الرفع، وإنما لأن العرب اصطلحوا على هذه العلاقة.

وهكذا يصبح العامل وصفاً للعلاقة، لا سبباً مادياً لها.

خاتمة:

لقد كانت نظرية العامل حجر الأساس في بناء النحو العربي، ومنها انطلقت مباحث الإعراب، والمحل، والبناء، والتقدير، والعامل اللفظي والمعنوي. وقد أسهم البصريون في إحكامها، ومنحها الكوفيون قدراً من المرونة، وأضفى عليها ابن جني بُعداً فلسفياً، بينما وجّه إليها ابن مضاء نقداً إصلاحياً سبق كثيراً من الدعوات اللسانية الحديثة.

وهكذا يظل العامل، سواء أفسِّر على أنه مؤثر، أم علاقة، أم وظيفة، شاهداً على عبقرية العقل اللغوي العربي، الذي لم يكتف بوصف الكلام، بل سعى إلى اكتشاف القوانين الكامنة وراء بنائه، فجعل من النحو علماً للعقل بقدر ما هو علماً للسان.وإن شاء الله سأكمل هذا المشروع بسلسلة من الدراسات المتخصصة، مثل:

فلسفة الإعراب في التراث العربي بين النحو والمنطق.

البناء والإعراب: دراسة مقارنة بين المدرسة البصرية والمدرسة الكوفية.

المحل الإعرابي للجمل: أصوله وتطبيقاته في القرآن الكريم والشعر العربي.

نظرية العامل في ضوء اللسانيات التوليدية والوظيفية الحديثة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم