عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

ماهر عبد المحسن: زلزال العودة.. أوديسة شارع الليبيني

بالأمس كنت في إجازة. مرّ اليوم بوتيرته المعتادة؛ لا جديد سوى رغبة عارمة في الاسترخاء وعدم فعل أي شيء. الجو حارق في الخارج، خانق في الداخل. لا شيء سوى التليفزيون، والموبايل، وقيلولة بعد الظهيرة، وليل لا يختلف كثيرًا عن النهار، عدا نسمات هواء خفيفة، ومسلسل قديم يعيد إليّ أيامًا لن تعود.

في الثانية عشرة تمامًا، فرشت وسادتي على سيراميك الأرضية، كما اعتدت كل ليلة. وبينما كنت أغالب الأرق تمهيدًا ليوم عمل جديد، سمعت زوجتي تشكو أمام ابنتنا الصغيرة من إهمالي لهما طوال النهار، وعجزي عن إدخال البهجة عليهما في يوم إجازتي، ولمّحت إلى الآيس كريم الذي اعتاد ابننا شراءه، وهو الآن بعيد عنا في معسكر تدريب تابع لكليته. فكرت أن أدافع عن نفسي، وأذكّرها أنني امتنعت عمدًا لأنها كانت تعاني من ارتفاع السكر ذلك اليوم، لكنني آثرت الصمت؛ فالنوم المبكر أهم من الانتصار في معركة صغيرة، والاستيقاظ غدًا يستدعي طريقًا طويلًا إلى العمل.

نجحت أخيرًا في الخلود إلى النوم، لكنني لم ألبث أن صحوت مذهولًا على صوت زوجتي وهي تهزّني بعنف، صارخة أن زلزالًا يهز العمارة. وحين أفقت، شعرت أن الأرض تتأرجح من تحتي كأرجوحة قديمة، ولم أستطع فعل شيء سوى الانتظار حتى تهدأ الهزة. نهضت بهدوء ظاهري، وقلق لا يُخطئه أحد بالداخل. فتحت الموبايل، فوجدت إشعارًا من جوجل يؤكد وقوع الزلزال بقوة 5.7 درجة على مقياس ريختر، ويشرح بعض التدابير الوقائية تحسبًا لهزات ارتدادية.

وبينما كنت أقرأ على زوجتي وابنتي تلك التعليمات المتعلقة بالغاز والكهرباء وأماكن الاختباء، بدت عليها أمارات ذعر حقيقي، وطلبت مغادرة المبنى فورًا. تحركنا في اتجاهات عشوائية؛ من يبحث عن ملابسه، ومن يدعو الله شكرًا وطلبًا للنجاة، من مسكن يناطح السماء في الطابق السابع.

وبينما كنا على أهبة النزول إلى الشارع، طرحت على نفسي السؤال الذي لازمني منذ زلزال عام 1992: حين يكون الموت على بعد خطوات، ما الأشياء التي تستحق أن أصطحبها معي في رحلة النجاة؟

في التسعينيات، كانت الإجابة خطابات كريستينا، الفتاة الأمريكية التي راسلتها في مراهقتي، والتي كانت رائحتها تفوح من وراء البحار وتعطر أحلامي الليلية، بينما أستمع إلى الراديو وأدفن رأسي في الكتب المدرسية.

بعد ثورة يناير، تغيّرت الإجابة: كتب الفلسفة والسينما، وبالأخص رواية "الغثيان" لسارتر، وكتاب "نظريات الفيلم الكبرى" الذي ألهمني الإشكالية التي بنيت عليها رسالتي للدكتوراه، والتي ناقشتها عام 2014.

أما هذه المرة، فكانت الإجابة أكثر بساطة ومباشرة: أخذت نقودي، وبطاقة هويتي، وعددًا من بطاقات الائتمان التي بالغت في استخراجها، تشجيعًا مني لشباب يعملون في البنوك وينتظرهم مستقبل غامض.

نزلنا إلى الشارع في الثالثة صباحًا. كانت العمارة صامتة، شبه مظلمة. ركبنا الأسانسير، رغم خطورة المفاضلة بينه وبين السلم في مثل هذه اللحظات. لم يخلُ الشارع من جلبة خفيفة وبعض السكان، وكان أغلبهم من إخوتنا السودانيين المحتشدين أسفل البناية، في مشهد يذكّر بإخوتنا الفلسطينيين المحاصرين في غزة، وإن اختلفت شدة المحنتين اختلافًا لا يجوز أن يُنسى. تجاوزناهم نحو الشارع العمومي، حيث لا ضوء إلا من محال قليلة ساهرة، بينما بقيت العمارات المحيطة صامتة، دليلًا على أن معظم الناس ناموا دون أن يشعروا بشيء، ولم يستيقظ سوى قلة متناثرة عند البوابات والأرصفة والمقاهي.

وفي تلك اللحظة تذكرت أنني نسيت مفتاح السيارة، تمامًا كما يحدث في أفلام الرعب؛ فالمفتاح لا يضيع، والسيارة لا تتعطل، إلا حين يظهر الشبح، أو المسخ، أو السفاح المقنّع حاملًا بلطته التي تجز الرؤوس. أشعرتني غموض الشوارع، وعدم وضوح الوجهة نحو خلاص من خطر مجهول، بأننا نعيش نسخة صغيرة من ديستوبيا، نُقبل فيها على مصير يشبه نهاية العالم؛ عالم غير آدمي، تنقطع فيه المياه والكهرباء بلا سابق إنذار، ويبقى الخوف وحده يقظًا.

كان شارع اللبيني أكثر حيوية بكثير، وكأن أحدًا فيه لم يشعر بالزلزال أصلًا. المحلات كلها ساهرة، تتحدى بلا خجل نظام الطيبات: فول وطعمية، ومشويات سورية، ومخبوزات ساخنة، ومحل ألبان يزعم كذبًا أنه يبيع عيش الردة والحبة الكاملة، في محاكاة هزلية لعبثية لا تقل غرابة عن نبأ هجوم مسيّرة على ميناء دمياط تناهى إلى مسامعي في اليوم ذاته.

وقفت على الرصيف، وأشرت إلى محل عصير قريب، محاولًا إصلاح ما أفسدته نذالتي في النهار، حين امتنعت عن شراء الآيس كريم لزوجتي وابنتي. لكن زوجتي، وكأن الزلزال ضرب مقترحي في مقتل، أشارت بإصبعها إلى محل كبابجي في الجهة المقابلة. وبالمنطق نفسه، وافقت فورًا، رغبة في إسعاد أسرة لم تخرج إلى المصيف هذا العام، وتطهيرًا لي من ذنب الآيس كريم الذي لطّخ سجلي الأبيض في تاريخ أسرتي الصغيرة.

عند دخولنا، ورحّب بنا العاملون في هذه الساعة المبكرة جدًا من الصباح، شعرت للحظة بشيء من الحرج، إذ تذكرت أنني ما زلت أرتدي ملابس البيت. لكنني تذكرت في الوقت نفسه أنني أحمل بطاقة هوية حرصت أن تُثبت حصولي على الدكتوراه، وفي جيبي بطاقات ائتمان تكفي، على سبيل المبالغة، لشراء المحل بمن فيه.

وأثناء تناولنا الطعام، اتفقنا على فكرة شريرة صغيرة: أن نسجّل هذه اللحظة الفريدة بالموبايل، ونرسلها إلى ابننا الذي يعيش حياة قاسية في المعسكر، وكان قد اشتكى من قبل من قسوة حياته معنا. نفّذنا الخطة، وغمرنا شعور لذيذ بالسعادة، يشبه سعادة الأطفال حين يسرقون فرحة لا يستحقونها تمامًا.

وفي طريق العودة، تذكرت هوميروس، ونولان، وأسطورة الأوديسة، والمقال الذي أنوي كتابته عن فكرة العودة إلى الوطن. لكن عودتنا، في تلك الليلة، لم تكن تشبه عودة أوديسيوس في شيء؛ فلا وحوش تربّصت بنا، ولا ساحرات أغوتنا، ولا صراع بين آلهة كبرى. كانت هناك فقط مساجد مفتوحة، وأذان يتردد في الأفق الهادئ. وكان ذلك وحده هو السحر الذي أنسانا هول الزلزال، ومنحنا القوة الكافية لبداية يوم جديد.

الزلزال الحقيقي، كما أدركت لاحقًا، لم يكن في الأرض التي اهتزت تحتنا لثوانٍ معدودة، بل في تلك المسافة الصامتة بين رجل يحمل شهادة دكتوراه في جيبه، وطفل صغير بداخله ما زال يبحث، منذ عام 1992، عن الشيء الوحيد الذي يستحق أن يُنقذ من تحت الركام.

***

د. ماهر عبد المحسن

 

في المثقف اليوم