شهادات ومذكرات
محمود محمد علي: مراد وهبه والتنوير العربي
عندما مات الدكتور حسن حنفي رحمة الله عليه في أكتوبر 2021، كنت قد نعنيته بأنه فيلسوف من الدرجة الأولي، وذلك لكونه خلف لنا مشروعا فلسفيا هو "التراث والتجديد" وهو مشروع فكري شامل يهدف إلى إعادة بناء علوم الإسلام والتراث العربي لتجاوز التخلف الفكري، وذلك عبر: التراث، والتجديد، والحرية، والوعي، والاصلاح، ولا توجد قضية سادسة خارج هذا النطاق؟
ثم تساءلت سؤالا أغضب معظم أساتذة الفلسفة مني في مصر، وهو من بإمكانه أن يخلف حسن حنفي من أساتذة الفلسفة في مصر والحاليين أن يتبوأ مكانة حسن حنفي في الفلسفة في مصر وبالذات بعد مماته؟
فكانت إجابتي صادمة، حيث قلت مراد وهبة، وسبب اختياري للدكتور "مراد واهبة" هو فكرة الندية الفلسفية، فمراد وهبة يضاهي مكانة حسن حنفي في الفلسفة، فقد انخرط وهبة فى مشروع فلسفي واضح المعالم، قوامه الدفاع عن العقلانية النقدية بوصفها شرطًا إبستمولوجيًا وأخلاقيًا لتحرير الوعى من البُنى المغلقة التي تنتج الأصوليات والعنف الرمزي.
ومن ثم فهو بحق يمثل واحدًا من أبرز دعاة التنوير في مصر والعالم العربي، ولا أنسى معاركه الفكرية ضد الأصولية، وذلك حين اشتغل على المفاهيم، لا على الأشخاص. ولا أنسي كذلك حين قدم لنا مشروعًا فكريًا متماسكًا لإحياء "الرشدية"، بوصفها تقليدًا عقلانيًا أصيلًا في الثقافة الإسلامية، لا مستوردًا، وكيف أن الرشدية اللاتينية أسهمت في تشكيل العقلانية الأوروبية، ومهدت الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، ثم حركة التنوير في القرن الثامن عشر، مؤكدًا أن هذه الروح العقلانية هي التي يجب أن تحكم العلاقة بين الشرق والغرب، وتكون نبراسًا لأي مشروع سلام عالمي.
كذلك لا أنسى حين كشف لنا فلسفيا أن ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة هو المنبع الأعمق للعنف والإرهاب، حيث رأى أن «ملاك الحقيقة» ليسوا مجرد ظاهرة فكرية، بل تعبيرا عن بنية ثقافية تعادى التعدد والاختلاف. وفى هذا السياق، اعتبر الفلسفة ممارسة مقاومة، وظيفتها الأساسية تفكيك المسلّمات التي تتحول إلى أدوات قهر رمزي ومادى، لا الاكتفاء بوصفها موضوعًا للتأمل الأكاديمي.
لقد كان الدكتور وهبة أكثر من مجرد أكاديمي، كان منارة للعقل، وجسرًا بين الثقافات، وروحًا تنويرية تهدف لزرع الحوار والتفكير الحر في كل من قابل فكره، وقد ترك وراءه مؤلفات خالدة، منها: محاورات فلسفية في موسكو (1977)، فلسفة الإبداع (1996)، مستقبل الأخلاق (1997)، جرثومة التخلف (1998)، ملاك الحقيقة المطلقة (1998)، الأصولية والعلمانية (2005)، وقصة الفلسفة.
وقد تميزت كتاباته بالجمع بين العمق الفلسفي والوضوح اللغوي، ساعيًا إلى مخاطبة القارئ غير المتخصص، دون التفريط في الدقة المفهومية، وهو ما جعل أعماله محل اهتمام في الأوساط الأكاديمية والثقافية على السواء.
كذلك كشفت لنا كتاباته بأنه لم يكن فيلسوفًا بالمعنى الأكاديمى الضيق، بل كان مشروعًا عقلانيًا متكاملًا. آمن بأن الفلسفة ليست ترفًا للنخبة، ولا تمرينًا ذهنيًا معزولًا عن الواقع، بل هي أداة لفهم العالم، ولمواجهة التعصب، وكشف العنف الكامن في اليقين المغلق.
وإذا كان البعض من المتشددين يأخذ عليه انتماءه لجماعة كوبنهاجن، فإننا في الفترة الأخيرة نجد أن قطاع من العرب كما يقول الصديق الدكتور أحمد سالم (وأنا أؤيده في ذلك) قد تجاوز مسألة السلام مع الكيان إلى الوصول إلي الانبطاح الكامل للكيان، وما كانت يدعو له جماعة كوبنهاجن بالأمس يبدو صورة راقية لما نحن عليه الآن .
لم يكن مراد وهبة مفكرًا منعزلًا، بل كان حاضرًا بقوة في المشهد الثقافي والإعلامي، مشاركًا في الندوات والمؤتمرات والحوارات الفكرية داخل مصر وخارجها، ومدافعًا دائمًا عن الدولة المدنية وقيم المواطنة. وبرحيله عن عمر ناهز 100 عام، تفقد الثقافة المصرية والعربية واحدًا من رموزها الكبار، الذين ظلوا أوفياء للعقل حتى اللحظة الأخيرة، تاركًا إرثًا فكريًا سيظل حاضرًا ومؤثرًا في مسار التنوير العربي.
***
د. محمود محمد علي
مفكر مصري






