الحوافز التشكيلية في معادلات النص الشعري
توطئة: قد يبدو أن الحافز والحوافز في منظومة الابداع الشعري يشتركان في كونهما بالنسبة للمرسل والحالم صيغتان متباينتان للتعبير عن رغبات لا شعورية، ولكنهما في الاستقبال من قبل الغير يختلفان من حيث أن مستقبل الحالم منهمك في عملية الفهم، بينما يندمج مستقبل التحفيز الإبداعي أساسا في مسار تفاعلي مع معادلات النص. الأول هدفه معرفي، والثاني معرض للاندماج والاسقاط الذاتي. وإذا ما كان الابداع الشعري لا يخلو من (الدوافع ــ الحوافز ــ اللاشعور) فإنه إلى جانب ذلك يعبر عن الرغبات المباشرة للشعور على خلاف مكامن الحلم التي هي جملة مؤديات ذهنية خاصة متخصصة في استكمال الإفصاح عن خبايا اللاوعي. ونحن نطالع مجموعة (غرق على اليابسة) للشاعر البصري فوزي السعد واجهتنا جملة محفزات مقرونة بدلالات حالات الأشياء المتمحورة في وسائط روحية المعادلة الشكلية، خصوصا وأن موجهات الدال جاءتنا أكثر اهتماما بروح ترميم اللغة الذاتية الموغلة في لحظة جريان معادلة التفعيل الحلمي المتواصل بين عقدة الحافز ومعطيات ربطية الواصلات القابلة بأحتواء شعرية لوحات النص الحلمية.
ـــ استحداث علاقات جديدة داخل علاقة واحدة دالة
يتميز النص الشعري في مجموعة (غرق على اليابسة) بانفتاحه نحو معادلات تشكيلية بمستوى الإثراء الحسي وتوسيع آفاق الدلالة الشعرية مع توافر الدقة ولإحاطة في بناءات النص الشعري كحقيقة إيحائية جعلت تستحدث العلاقات الجديدة في الأحوال المتحفزة داخل عواملية علاقة واحدة دالة كتعددية تصورية في مجالات الشاشة النصية:
لو تُلقي حجراً
في النهر الراكد
توقظ موجةْ
والموجة تتبعها أمواج
والأمواج تحرّك تحت خطاها
غضب النهر على الجرف. / ص40 / قصيدة: موجة واحدة لا تكفي
ففي مجمل هذه المقاطع نرى تشاكلات التعالق والتماهي بين استحداث العلاقات في اختزالية علاقة واحدة بدءا من جملة (لو تلقي حجرا) وصولا إلى (الموجة.. الأمواج) وبروزا بمحور (غضب النهر) فهذه التوالدات المؤشرة في سنن التعالق جلبت للنص وللمرسل طبيعة متعددة في الكم والكيف وحتى بروز مؤشر العلاقة الوطيدة بين (حجرا.. النهر.. موجة.. الأمواج) وهذا التوالد السياقي بحد ذاته فاعلية في الصيغة والصوت والانفتاح حول المتن الممسرح للقطات الشعرية.
1ـ من الجملة إلى الوظيفة:
أن طبيعة الدوال المرتهنة بدلالات الأحوال شكلا شعريا، لا بد لها من أن تتجلى داخل مهام تحكي فواعلها عبر علاقات وظائفية دينامية، فعلى سبيل المثال نعاين ما جاء في هذه القصيدة:
في الليلِ
إذا كان النومُ بعيداً
إذ أدنو منه قليلاً
شيء ما يمسكني من ساقيّ. / ص56 ــ قصيدة: فرق في أرق
الراوي الشعري هنا يتتبع الالحتام المتجلى في سياق الأدوار الدوالية، بلوغا منه نحو سيرة وظائفية تحكي عن تجليات حالة الأرق، إذن الاشتغالية ها هنا أصبحت من خلال دالها الفردي إلى حالات وظائفية تستجيب استجابة ايحائية نحو مساحات الحال والأحوال المركزة.
2ــ من التقابل إلى المطاوعة:
تشتغل المقاطع الشعرية في بعض قصائد المجموعة نحو تكريس ثنائية (التقابل ــ المطاوعة) إلحاقا بما تتمخض عنه الاحالات والدلالات من نضوج دوالي فاعل:
في شرفة أجلسُ
شرفة قبال ساحةٍ
أرسمُ طفلاً
أُنزلُ الطفل
على إرجوحةٍ.، ص74 ــ قصيدة: طفل في السماء
إذ لا شك في أن (في شرفة أجلس) وجملة (شرفة قبال ساحة) تتطلبان عاملية تقابلية خاصة، خصوصا وأن جملة (أرسم طفلا) في سياق خطي متقابل وحدود آليات مطاوعة جملتي (أنزل الطفل ــ على أرجوحة) فهنا تبدأ التقابلية ضمن آنويتها تمحورا شديدا في استجابة فعل المطاوعة والاكتفاء بالمعادلة بوصفها بديلا حركيا في التركيز والمقصدية القصوى.
3ـــ الجمع والتصنيف الدلالي:
أن الدافع في كيفية توالد خصوصية الذات في مراياها المنعكسة، هو ذلك التصوير المضمر في الذهن والحالة والعلامة في الجمع والتصنيف الدلالي، فهنالك أحوال دوالية هي من الجمع والقيد لو تعاملنا وإياها في حدود تجسيمات رؤية متعالية يتوزعها الجمع الاحداثي والمعطى الخليطي، ولكننا حينما نعاينها في حدود الوعي التصنيفي تواجهنا كمواصفات دلالية لها من الاستقرار والاستعادة والفروق الخطابية:
أرسمُ بضعةَ أشجار
وبديل الأوراق
أكسو الأغصانَ
بريش يتنفّسُ في أجنحةٍ خضراء. / ص80 ــ قصيدة: في فضاء لوحة
تنحو علاقات الجمع النصي عبر فواصل تشكيلية من الانفراد والحجب والأقفال، ولكننا بمجرد الامعان في المتن النصي تواجهنا تحولات الروح الشعرية المتحفزة تحت مصنفات الضوء الدلالي، ولا شك إن آلية الصورة التشكيلية منحتنا الحدود الاستحواذية في وجع المعنى الشعري.
ــ الحال والأحوال التشكيلية في مسار الأفعال الصورية
يشغل الراوي في متن آليات قصيدته التشكيلية ذلك النوع من براعة توالدات الصادرة الشعرية، امتدادا نحو سياقات تلفظية ممكنة الموضوعة والذات والفهم وعذوبة المسببات في روح الأشياء والظواهر الشعرية:
مثلما سمكةْ
وجدت نفسها في مكان
يشاركها في المياه غريق
يدور على نفسه
يتخبّط في التيه
ماذا سأفعل
كي أتحرّر من حفرة
يتخبط فيها
الألوف من
الغارقين
على اليابسةْ؟. / ص21 ـــ قصيدة: غرق على اليابسة
إذ إن أفعال الايجاب المتطورة في الاجراء (يدور على نفسه ــ يتخبط في التيه ــ ماذا سأفعل ــ كي اتحرر من حفرة) تظل كمكامن الصور الاستفهامية بحاجة إلى آليات قرائية خاصة حتى تستوعب ما يعنيه الشاعر من خيبات وانعكاسات وأحلام مبددة في فضاءاتها المتماوجة. أن القارئ لهذه القصيدة تحديدا سوف يكون مأخوذا بالخفي والباطني والمدهش في شعرية القصيدة المحفوفة بروح الاغتراب والغربة والموت على أرضية الواقع.
ــ تعليق القراءة:
أنا شخصيا ممن يجد في تجربة مجموعة (غرق على اليابسة) للمبدع فوزي السعد ذلك التنوع بالوعي الممكن في كتابة قصيدة تستحق منا خصوبة الاصغاء والاستيعاب لذلك النوع من الشعرية التي راحت تبرز انطباعات الشاعر في حدود توصيلية يتقاطع من خلالها ذلك الكشف المباشر والفج، ليقدم لنا ظاهرة شعرية ذات امتثالات موضوعية وذاتية تدين ولا تدان تأثيرا منها في رسم تراكم جوهر الأشياء وتحويرها في خطابات استثنائية تتبنى حوافزية التشكيل في معادلات شعرية القصيدة وارتباطاتها وقضاياها الفاعلة والمتكونة كتصورات ذهنية ثائرة ومؤثرة.
***
حيدر عبد الرضا








