منذ فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب عام 1988، يتردد السؤال في الأوساط الثقافية العربية. عن عدم تكرار هذا الإنجاز. وبقاء حضور الأدب العربي في أهم المحافل والجوائز الأدبية العالمية محدودا، رغم ما تزخر به ثقافتنا من أسماء وتجارب وأعمال لا تقل قيمة فنية وإنسانية عن كثير من الأعمال التي نالت اعتراف العالم.
لا ينبغي أن يُفهم التساؤل على أنه وضع للأدب العربي في موقع الدونية أو الاعتراف بنقص فيه وهذا مزلق لا يرضاه التحليل هنا لان النصوص في تراكمها انما تتعالى عن الجوائز. فالأدب العربي غني بعظمائه وشواهده التي لا تحتاج إلى جائزة غربية لتثبت وجودها. لكنه نوع من تمارين العصف الذهني للبحث في علاقة الأدب العربي بالعالمية ذاتها، وعن الكيفية التي يتحول بها النص المحلي إلى ظاهرة كونية، وعن الشروط التي تجعل من العبقرية الفردية حضورا عالميا مستداما.
وهم العبقرية المعزولة
ثمة في ثقافتنا تصور راسخ مفاده أن العمل العظيم يفرض نفسه بنفسه، وأن العبقرية قادرة على اختراق الحدود مهما كانت الظروف، ونجد هذا التصور في عبارات شائعة مثل: "الأدب الجيد يجد طريقه دائماً". غير أن تاريخ الأدب العالمي لا يؤيد هذه الفكرة الرومانسية. فلو كانت العبقرية كافية، لما مات عشرات الكتاب العظام مجهولين خارج لغاتهم، ولما تأخر الاعتراف بكثير من الأسماء التي أصبحت لاحقاً من كلاسيكيات الأدب الإنساني.
لا يعيش النص الأدبي في فراغ. هو بحاجة إلى منظومة ثقافية تكتشفه، وتدعمه، وتشرحه، وتترجمه، وتنقده، وتعيد تقديمه للعالم. العالمية ليست خاصية جينية كامنة في النص، هي نتيجة تفاعل حي بين قيمته الجوهرية والحاضنة الثقافية التي تتولى نقله إلى فضاءات جديدة.
الحاضنة الثقافية: من ينتج الشرعية الأدبية؟
تمثل الحاضنة الثقافية شبكة العلاقات والمؤسسات التي تمنح النص الأدبي قيمته الاجتماعية قبل قيمته الجمالية. هذه الشبكة تحدد من يُقرأ، ومن يُترجم، ومن يُدرّس، ومن يرشح للجوائز الكبرى..
تتكون هذه الشبكة من عناصر مترابطة تعمل كحلقات في سلسلة واحدة:
دور النشر الكبرى، التي تمتلك فروعاً في قارات متعددة وشبكات توزيع واسعة.
المترجم المحترف، الذي لا ينقل الكلمات فقط، يعيد بناء النص في لغة جديدة مع الحفاظ على روحه.
الناقد والأكاديمي المؤثر، الذي يكتب في الصحف الثقافية العالمية ويضمّن النص في مناهج الجامعات.
الوكيل الأدبي، وهو الحلقة الأكثر غياباً في العالم العربي، ودوره يتجاوز التفاوض على العقود إلى صناعة الشهرة واختيار الناشر المناسب.
الجوائز الوسيطة، مثل بوكر ودبلن وفيمينا، لأنها تمنح النص شرعية فورية تختلف عن شرعية الجوائز الكبرى مثل نوبل.
غياب أي من هذه الحلقات يجعل النص، مهما كانت قيمته، عرضة للبقاء في نطاق لغته وسياقه المحلي. الكاتب العالمي ليس بالضرورة أفضل كاتب في بلده، لكنه غالبا الكاتب الذي نجحت منظومته الثقافية في تحويل موهبته إلى حضور مرئي ومستدام.
هندسة العالمية: دروس من القارات الأخرى
أمريكا اللاتينية: حين أصبحت القارة ظاهرة أدبية
تقدم تجربة أمريكا اللاتينية في الستينيات والسبعينيات درسا استثنائيا؛ فالطفرة الروائية التي شهدتها القارة لم تكن نتيجة ظهور مجموعة من العباقرة بمحض الصدفة، كانت نتيجة التقاء شبكة نشر قوية في برشلونة وبوينس آيرس، ووكلاء أدبيين مؤثرين مثل كارمن بالثيس، ومجلات ثقافية فاعلة، وحضور أكاديمي مبكر. الأهم من ذلك أن كتاب القارة ظهروا أمام العالم باعتبارهم جزءً من ظاهرة ثقافية واحدة؛ لم يكن القارئ الغربي يقرأ أعمالاً منفصلة قادمة من دول متفرقة، كان يقرأ الأدب اللاتيني المعاصر كتيار جارف ورؤية جمالية موحدة.
آسيا: العالمية بوصفها سياسة ثقافية
أما التجربة الآسيوية مثل كوريا الجنوبية واليابان فسلكت طريقا مؤسساتيا؛ إذ أدركت هذه الدول مبكرا أن الثقافة جزء من القوة الناعمة، وأن الترجمة استثمار استراتيجي طويل الأمد وليست نشاطا ثانويا. جرى تمويل برامج ترجمة واسعة عبر معاهد حكومية مستقلة، ودعم النشر الخارجي، وبناء شراكات مع الجامعات والمهرجانات العالمية. ونتيجة لذلك، لم يظهر الكاتب الآسيوي للعالم بوصفه استثناء فردياً، ظهر بوصفه طليعة لمشهد ثقافي متكامل ومدعوم.
إفريقيا: بناء الحضور دون مركز واحد
تقدم إفريقيا نموذجا ثالثا نجح خلال العقود الأخيرة في بناء حضور أدبي عالمي متنامٍ ومتوج بأرفع الجوائز. يكمن سر هذه التجربة في تشكل ما يمكن تسميته بالحقل الأدبي الإفريقي؛ وهي شبكة ممتدة بين الجامعات الغربية ودور النشر المستقلة والجوائز المخصصة للأدب الإفريقي مثل جائزة كين، والتي جعلت من القضايا الإفريقية وجدلياتها متطلبا نقديا وقرائيا ثابتا في العالم.
نماذج التلقي العربي: بين الاختراق الفردي والمؤسساتي
عند تأمل نماذج التلقي في الأدب العربي المعاصر، نجد تفاوتا كبيرا يكشف عن طبيعة هذه الهندسة المعقدة:
نجيب محفوظ
لم يكن وصول محفوظ إلى نوبل نتاج عبقريته الفذة وحدها، رغم أنها كانت الشرط الأساسي؛ هو وجد مترجمين مؤمنين بمشروعه مثل دنيا جونسون وجاكلين كاهانوف، وناشرين مثل الجامعة الأمريكية بالقاهرة تبنوا توزيع أعماله وعرضها في الأسواق الدولية، وتراكماً نقدياً ساعد على جعل اسمه مرئياً داخل المجال الأدبي العالمي قبل الجائزة بسنوات.
إبراهيم الكوني: حدود الاختراق الفردي النخبوي
تمثل تجربة إبراهيم الكوني إحدى أكثر الحالات العربية دلالة؛ فالكوني صاحب مشروع روائي كوني متفرد يستلهم عالم الصحراء وأساطير الطوارق وأسئلتها الوجودية الكبرى. تُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات، وحظيت باهتمام نقدي وأكاديمي واسع، ونالت جوائز دولية مرموقة في أوروبا. ومع ذلك، بقي حضوره في معظمه نخبويّاً أكاديمياً أكثر منه جماهيرياً عريضاً. تكشف هذه التجربة حدود الاختراق الفردي مهما بلغ حجمه؛ فالمبدع هنا يحقق ما يشبه المعجزة بمفرده، لكن غياب الحاضنة الإعلامية والتسويقية العربية يحرم المشروع من التحول إلى ظاهرة ثقافة عامة عابرة للقارات.غير ان هذه العالمية النخبوية تبقى أسيرة الأكاديميا إن غابت الآليات التسويقية.
جوخة الحارثي: كسر الجدار بالجوائز الوسيطة
تعد تجربة الروائية العُمانية جوخة الحارثي نموذجا حديثا ملهماً لكيفية اختراق المركزية الأدبية الدولية عبر بوابة الجوائز الوسيطة. فوز روايتها "سيدات القمر" بجائزة مان بوكر الدولية عام 2019، بترجمة بارعة من مارلين بوث، أحدث تحولا جذريا. هذا الفوز أثبت أن النص العربي المحلي المغرق في تفاصيله وتاريخه واجتماعه قادر على انتزاع الاعتراف العالمي فور توفر شروط ثلاثة: ترجمة رفيعة صاغت شروط تلقٍ ذكية، وناشر غربي مستقل ذكي، وجائزة وسيطة كبرى تمنح النص الشرعية الفورية وتضعه في واجهات المكتبات العالمية كأكثر الكتب مبيعاً.
إبراهيم نصر الله: الملحمة الإنسانية وجسر عدالة القضية
يقدم إبراهيم نصر الله من خلال مشروعه الضخم "الملهاة الفلسطينية" نموذجا مختلفاً للعالمية؛ عالمية تنطلق من عدالة القضية لتصنع جمالياتها الخاصة. حظيت أعمال المترجمة منه بالإنجليزية والإيطالية وغيرها باهتمام دولي استثنائي مثل ترشحه لجائزة دبلن الأدبية الدولية. يكمن نجاح نصر الله في أنه لم يقدم القضية الفلسطينية كتقرير سياسي، قدمها كملحمة إنسانية تتقاطع مع الملاحم الإنسانية الكبرى في التاريخ. أعماله تجد طريقها عالمياً لأنها تلبي حاجة الضمير الإنساني لمعرفة الحقيقة من خلال الفن، لكن هذا الانتشار يظل محكوماً بمدى تعاطف وتأثير الشبكات التضامنية والمؤسسات الثقافية المستقلة في الغرب، مما يعيد تأكيد حاجتنا لآليات عربية داعمة ومستدامة لا تترك هذه النصوص للمصادفات السياسية.
الشعر العربي والمعضلة المزدوجة
إذا كانت الرواية تواجه تحديات مرتبطة بالترجمة والنشر، فإن الشعر العربي يواجه صعوبة إضافية معقدة. العقبة الأولى تكمن في طبيعة الشعر نفسه؛ فالإيقاع، والموسيقى الداخلية، والجرس اللغوي، والإحالات الثقافية العميقة للغة العربية هي عناصر يصعب نقلها بصورة كاملة إلى لغة أخرى دون أن تفقد الروح الكامنة فيها. أما العقبة الثانية فتنتمي لتحولات الثقافة العالمية نفسها؛ حيث أصبحت الرواية الجنس الأدبي الأكثر جماهيرية وقدرة على السفر والوصول، بينما تراجع الشعر عالمياً إلى فضاءات النخب الأكاديمية المتخصصة. ومع ذلك، فإن تجربة أدونيس تستحق وقفة خاصة، لأنها تمثل أقرب لحظة بلغ فيها الشعر العربي الحديث عتبة الاعتراف العالمي الواسع. على امتداد عقود، تمتعت أعماله بحضور قوي في الجامعات والدوريات الأدبية العالمية، وترجمت قصائده ودراساته، وارتبط اسمه مرارا بالترشيحات المرتبطة بجائزة نوبل. غير أن هذه اللحظة كشفت حدود الوسيط الشعري نفسه؛ فالمشكلة لم تكن في غياب الاعتراف بنبوغه، كانت في تراجع المركزية الثقافية للشعر عالمياً، وفي الصعوبة الجوهرية لنقل الزلزال اللغوي للقصيدة العربية إلى لغات أخرى دون تبريده.
الترجمة واللغة: من النقل إلى صناعة التلقي
كثيراً ما يُلقى بضعف الترجمة كشماعة للغياب العربي، وهذا صحيح جزئيا لكنه لا يفسر الظاهرة كلها. ثمة فرق شاسع بين ترجمة نص إلى لغة أخرى مجرد نقل لغوي، وبين خلق شروط تلقيه داخل تلك اللغة. الكتاب المترجم يحتاج إلى مراجعات نقدية في الصحف الكبرى، وندوات أكاديمية، وحضور في المناهج الجامعية، ومؤسسات تتبناه وتعيد تسويقه. أزمة الأدب العربي ليست أزمة مترجمين، هي أزمة صناعة سوق كامل للتلقي.
نلحظ هنا أن نجاح بعض الكتاب العرب الذين يكتبون بلغات غير العربية كالإنجليزية أو الفرنسية لا ينقض هذه الأطروحة يؤكدها. هؤلاء الكتاب لم يتفوقوا بالضرورة جماليا على زملائهم داخل الأوطان، لكن كتابتهم بلغة أجنبية منحتهم بطاقة دخول فورية ومباشرة إلى شبكات النشر، والترجمة، والنقد، والتعليم التي تصنع رأس المال الرمزي دون المرور بسلسلة الحواجز والمؤسسات الوسيطة المعطلة في العالم العربي.
تحيز اللحظة التاريخية: فخ الاستشراق الجديد
لا تعمل الجوائز والمؤسسات الثقافية العالمية في فراغ مبرأ من السياسة، فلكل مرحلة تاريخية أسئلتها المهيمنة واهتماماتها الخاصة. في مرحلة سابقة كان أدب ما بعد الاستعمار والرواية الوطنية الكبرى يحظيان بالاهتمام، ثم جاءت مرحلة تصدرت فيها موضوعات الهوية، والهجرة، والمنفى، والانتماءات المتعددة.
يقع الأدب العربي أحيانا في فخ الاستشراق الجديد؛ حيث لا يبحث سوق التلقي الغربي في النص العربي عن الجماليات المجردة، يبحث عن الوثيقة الأنثروبولوجية أو السياسية؛ يريد نصوصا تتحدث عن الحروب، قمع الحريات، أو التمرد الفج على التقاليد ليؤكد تصوراته المسبقة. وبدون مشروع عربي مستقل يفرض ذائقته ومعاييره الجمالية، يظل الأدب العربي عرضة لأن تُرفع نصوصه المتوسطة لأسباب سياقية وسياسية، وتُهمش أعماله العبقرية لأنها لا تخدم السردية السائدة.
البيان والمشروع: لماذا نحتاج إلى الاثنين معا؟
شهد خلال العقدين الأخيرين المشهد الثقافي العربي تطورات مهمة مع ظهور جوائز عربية كبرى بدأت تلعب دور المنصة الوسيطة، ونشاط ملحوظ لحركات الترجمة العكسية والمهرجانات الدولية. غير أن هذه الجهود ما تزال متفرقة وموسمية، وغير كافية لإنتاج الأثر التراكمي المستدام. ما ينقص هو الانتقال من المبادرات الفردية في مواسم الجوائز إلى مشروع مؤسساتي طويل النفس يعمل بمنطق الأجيال.
يحتاج الأدب العربي اليوم إلى أمرين. الأول ما نسميه هنا البيان، عبر رؤية فكرية ونقدية تعيد تعريف علاقتنا بالعالمية؛ تؤكد أن الغاية ليست استرضاء ذائقة أجنبية أو تفصيل نصوص على مقاس الجوائز، الغاية بناء حضور إنساني ندّي يخاطب الآخر من موقع الشريك العابر لخصوصيته المحلية نحو الكونية. اما الثاني فمشروع يملك آليات عمل تترجم هذه الرؤية إلى بنية تحتية حقيقية؛ تتضمن صناديق تمويل مستقلة للترجمة، برامج إقامات أدبية للكتاب والمترجمين الأجانب، تأسيس وكالات أدبية عربية محترفة، ومنصات نقدية تفرض حضورها وشراكاتها الطويلة مع الجامعات ودور النشر العالمية. لكن لبيان من دون مشروع يتحول إلى خطاب بلاغي جميل، والمشروع من دون بيان يتحول إلى مجرد هندسة عكسية .
إضافة الى كل ما تقدم يحتاج هذا البناء إلى ثلاثة أسس عملية . بتأسيس وكالة أدبية عربية محترفة تعمل كحلقة وصل بين الكاتب والناشر الغربي، على غرار ما فعلته كارمن بالثيس مع أدب أمريكا اللاتينية. وإنشاء صندوق عربي للترجمة طويلة الأمد، يمول إقامة المترجمين الأجانب في البلدان العربية لمدة لا تقل عن سنة، لكي يعايشوا النص قبل نقله. والأهم لأنه اجرائي وفعّال تحويل مهرجانات او معرض الكتب إلى منصات سنوية لتوقيع عقود نشر دولية، لا إلى مجرد فعاليات موسمية.
عندما يكتمل هذا البناء، يدخل الأدب العربي المشهد العالمي شريكا يصنع التنوّع، لا طالبا للاعتراف. ولن نحتاج الى خاتمة لفتح الافاق.
***
سعيف علي








