قِراءةٌ نَقديَّةٌ أُسلوبيَّةٌ في تَشظيَاتِ المَكانيَّةِ الحَاكمةِ لِروايةِ (ودَاعاً يَا نَهرَ الكَحلَاءِ)
إضاءةُ تَقديـمٍ: الواقعيَّةُ السِّحريَّةُ أو (العجائبيَّةُ) في أقرب تعريفٍ لها أو توضيحٍ، تعني أُسلوبيةَ المُزاوجة السرديَّة التوليفية المُدهشة بين تداولات الواقعي الحياتي الجمعي اليومي المألوف، والفنتازي أو المخيالي الأُسطوري غيرِ المألوف؛ لذلك فإنَّ الواقعيةَ السَّحريَّة ارتبطت ارتباطاً جمَّاً وكبيراً بكلِّ ما هُوَ غير طبيعي أو غيرِ مألوف أو خارقٍ أو غيرٍ عادٍ. وعلى الرُّغم من فارق البون التعريفي الشاسع بين المُصطلحينِ المُوحدنينِ (الواقعي والسحري)، فإنَّه لا يمكن الفصل بين ثنائية الواقعي وغير الواقعي؛ لأنَّ الأخير تجد له أصولاً أو جذوراً أساسيَّةً نابتةً في أرض الواقع المَعيش.
وهذا يَشي بأنَّ الواقعيَّةَ السَّحريَّة هي اجتماع لما هو خلَّاقٌ وعجيبٌ وعقلانيٌّ يرتبط بتجلِّيات الموروث الشعبي للواقع الحياتي الراهن. وعلى وفق ذلك التوصيف فإنَّ الواقعية السحريَّة يمكن أنْ نعدَّها سلاحاً أُسلوبيَّاً سرديَّاً فعَّالاً ومؤثِّراً وظَّفه الروائي حسن السَّلمان في روايته (وداعاً يا نَهرَ الكحلاءِ) ضد الإقطاع ولمناهضة تجاوزات السُّلطة الحاكمة التي تتحكَّم بحياة جمعٍ كبيرٍ من النَّاس.
وفي الوقت ذاته فإنَّ الواقعيَّة لسِّحريَّة بمفهومها الأدبي السَّردي الحديث تقومُ على ثلاثة عناصر أو أركانٍ أساسيَّةٍ مُهمَّة، العنصر الأول منها هو العجائبي الفنتازي الإدهاشي، والعنصر الثاني هو الأُسطوري أو المِخيالي، والثالث هو السريالي، أو ما يُعرَفُ نقديَّاً بفَوقِ الواقعي أو المَنطقي. وهذه المرتكزات الثلاثة ترتبط بأجناس الفنِّ السَّردي الحديث؛ كون الفنُّ الروائيُّ يعدُّ فنَّاً جماليَّاً إنسانيَّاً مُتشابكاً ومُعقَّداً يَغوصُ بعيداً في أعماق النفس البشرية ويتماهى مع تحوّلاتها الزمكانيَّة السريعة.
أمَّا مصطلح (اليُوتوبيا) فَيرتبطُ ارتباطاً كُليَّاً بكلِّ معاني الخير وسمات الفضيلة الإنسانيَّة على خِلافِ نقيضهِ التَّضادي مصطلح (الدِّيستوبيا) الذي يرتبط بنزعة الشَّرِّ ومجاوراتها الأخرى مثل، الرذيلة والفُوضى والظلم والاستبداد والقمع الإنساني المنظَّم.وهذان المصطلحان الأخيران يرتبطان ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بحركة راهن الواقع الحياتي المعيش، وبعقابيل حركة فاعلية السُّلطة الحاكمة للمجتمع الشعبي المحكوم. فارتباط اليوتوبيا بالديستوبيا يأتي فِعلُهُمَا من عَلاقة المجتمع بالسُّلطة الحاكمة إيجاباً أو سِلباً، وما ينتج عنهما من تشظيَاتٍ مكانيَّةٍ وزمانيَّةٍ عبر مسار التحوُّلات الكثيرة.
عَتباتُ الرِّوايةِّ (النَّصُّ المُوازِي):
إنَّ أُولى عتبات النَّصِّ المُوازي المُهمَّة في هذه الرِّواية، هو عنوان الرِّواية الرئيس (وداعَاً يَا نَهرَ الكّحلاءِ)، وهو مفتاح الدخول إلى باب مدينة السرد السِّحريَّة الفاضلة، وهو عينُهَا البَصَرِيَّةُ الثاقبةُ النظر الهادِيَة إلى شِعاب ومحطَّات عوالمها الداخلية والخارجية المُتحرِّكة. والكاتب الرائي حسن السَّلمان في عنونته لروايته هذهِ قد جعل تحيةَ الوَداعِ الأخيرِ مَخصوصةً بالاسم النكرةِ (نَهرَ) الذي اكتسب صفة التعريفِ من الاسم المُعرَّف بالإضافة بَعدهُ (الكَحلاءِ)، فصار التركيب الجُملي النَّحوي للعُنوان (ودَاعاً يا نَهرَ الكَحلاءِ) . فجاء المعنى الدلاليُّ للعُنوان ليؤكدَ أنَّ وداعَ نهرِ الكَحلاءِ يُعدُّ رِثاءً مكانياً قويَّاً دالاً على الضياع والتشظي، وأنَّ توظيف كلمة (ودَاعاً) في أول التركيب الجُملِي لعنوان الرِّواية يعني أنَّ الرِّوايةَ برُمَّتِها أو كلِّها تُعدُّ جَنازةَ مَيِّتٍ، وأيُّ جنازة هذهِ التي حظيتْ بَوداعِ الرَّائي؟
بَيدَ أنَّ الجنازة هنا ليستْ لِشخصٍ مُتوفٍ أو مَيِّتٍ مَا، وإنَّما هي تَشي بشيءٍ مكاني آخرَ اسمهُ الزمكاني البيئي (نَهرُ الكَحلاءِ)، أوَّل مثابات الرِّواية المَكانيَّة قَتلاً وأخرها مُوتاً وتأزيمَاً. ودلالةُ هذهِ العَنونة تُحيلُنا مَقارباتُها التَّشابهيَّةُ إلى مفهوم الشَّاعرِ ابنِ الرُّومي في رثائه لابنه، بيدَ أنَّ رثَاءَهُ كان موجَّهاً لِوطنٍ أو لِقريةٍ أو لِزمنٍ، أي تحوَّل الزمكان لديه مِنْ وقعِ يوتوبيا الشَّخص لديستوبيا الفَقدِ.
لم يكن الكاتبُ العليمُ حَسنُ السَّلمانِ مُوفقاً في اختياره لعتبة عنوان الرِّواية بهذه الرثائيَّة الغنائيَّة التقريريَّةِ الذَّاتيَّةِ المُباشرةِ التي توحي بعنوان فعلٍ دراميَّ ثمثيليٍّ، لا بعنوان قصٍّ حكائيٍّ دَراميٍّ سرديَّ؛ الأمر الذي أفقد العنوانَ هَيبةَ وجلالَ النضوج الانزياحي البلاغي الجديد في فنية التعبير الجمالي. فلو اختار السيِّد الكاتبُ السَّلمانُ عُنواناً آخر من عتباتِ الرِّواية الفرعيَّة الداخلية، أو ابتكر عنواناً قريباً من مُوحياتِها الدلالية الأخرى، لكان الاختيارُ أكثر تأثيراً سحريَّاً وإمتاعَاً وجدوىً. لذلك أتمنَّى على الأخ الألمعي حسنِ السَّلمانِ إعادةَ النظرِ بعتبة العنوانِ في الطبعة الثانية للرِّواية.
ولو ارتأى المؤلِّفُ حسنُ السَّلمانُ اختيارَاً آخرَ وقالَ: (وَدَاعاً يَا نَهرُ...) فقط، وترك ثلاثَ نُقَاطٍ فراغيةٍ بعد كلمة (نَهرُ)، لكانَ مَآلُ العُنوانِ مفتوحاً ومُؤثِّراً وأكثر بلاغةً ونُضجَاً فنيَّاً ودِلالةً، وذا حُمُولاتٍ فكريَّةٍ وإنسانيةٍ ومكانيَّة عَديدةٍ. لأنَّ كلمة (يا نَهرُ) المنادى القريب من النفس للتَحبيب، هي نكرةٌ مَقصودةٌ اختصًّت بنهرٍ معيَّن ثابتٍ عندَ أفقِ وخيال الكاتبِ. ولكنَّ هذا النهرَ له تَأويلاتٌ كثيرة عندَ المُتلقِّي أو القارئ الواعي الذي يفكِّر بإمر هذه النقاط الفراغية البياضية التي تَبحث عن تَتماتٍ.
وقد يكون المقصود من دلالةِ هذا النهرِ رمزيةً أُخرى كأنْ يكونَ نَهرَاً للحُبِّ أو الشرِّ ِّأو نهراً للخير مِثلَ، نَهرِ دجلةَ أو الفُراتِ أو النيلِ أو بَردى أو اللِّيطاني أو نهر السِّين بفرنسا، أو أيِّ نَهرٍ أخرَ، سواء أكان مَعنويَّا أم ماديَّاً في أرجاء المعمورة من وطننا العربي الكبير أو عالمنا الآخر. كما أنَّ البياض في العنوان (وداعاً يا نهرُ...) يُعدُّ مِساحةً للوداعِ والألمِ وصرخةً مُدوِّيَةً للوضعِ العامِ.
النَّهرُ في دلالاتهِ الكونيةِ الطَّبيعيَّةِ المُتحركةِ والثابتةِ يُعتبرُ أشبهَ بيوتوبيا مكانيةٍ مُصغَّرةٍ، وهذا ما يتَّضح من خلال النداء الذي وجَّههُ السَّلمانُ لهذا النهر الفرعي الحبيب لإلفاتِ نظرِنا بهذه الصَّرخة الجَنوبية المؤلمةِ. وأنَّ فعلَ حَسنِ السَّلمانِ السَّرديِّ هذا يُشبهُ إلى حَدٍّ ما، مَا فعلهُ الرِّوائي اللَّاتيني غابريل غارسيا مَاركيز في روايته الفائزة بجائزة نُوبل للآداب (مائةُ عامٍ مِنَ العِزلةِ)، والتي حوَّل فيها الصراع من يوتوبيا الحقل لدستوبيا الحُكمِ الجائرِ، وكشفِ سِلاحِ السلطة المارقةِ بِالفعلِ السَّيءِ.
ويبقى السؤال المُثير قائماً، ما الذي يَعنيه حسنُ السَّلمان بوداعهِ الأثيرِ لِنهرهِ الكَحلاءِ؟ وهل هُوَ وَداعُ حَبيبٍ آسرٍ مُفارقٍ أم وَدَاعُ حَبيبٍ غَادرٍ خَائنٍ كَاسرِ مُغارَقٍ؟ -لقد أراد السَّلمانُ أنْ يَقولَ بصوتٍ صارخٍ صَادحٍ إنَّ هذا النهرَ قد تحوَّل من نهرٍ مؤثِّرٍ باذخٍ ذي قيمةٍ مَعنويَّةٍ وإنسانيةٍ كبرى لنهرٍ مُستبدٍ طاغٍ ذي قيمةٍ شريرةٍ دُنيَا. وهنا تُصبحُ الروايةُ كلُّها مرثيةَ نهرِ أو قريةً مكانيةً اسمُها أُمُّ ذيبة أو تصبح مرثيةَ زمنٍ غابرٍ تطاولتْ يداهُ على القرية وصار النهر فيها مَجرىً مَيِّتاً لا حياةَ لهُ.
أمَّا العتبة الثانية بعد العنوان التي وظَّفها السَّلمانُ في روايته فكانت عتبة التصدير التي جعلها مِهادَاً تقديميَّاً أو مُفتتحاً استهلاليَّاً لعتبات الخطاب الروائي السردي الفرعيَّة، وكانت جُملةً أو نصَّاً سرديَّاً مختاراً من أدب الذكريات السردي للكاتب والروائي الأديب إبراهيم نصرالله التي يقول فيها:
"الذِّكرياتُ هِيَ الشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي يُمكنُ أنْ يَتغلَّبَ بِهِ البَشرُ عَلَى الزَّمنِ، لأنَّهُم يُؤكدونَ لأنفسِهُم بِهَا، أنَّهُمْ لَمْ يَكونُوا مُجردَ عَابرينَ لِهذهِ الحَياةَ". (وداعاً يا نَهرَ الكَحلاءِ، ص5).
وكان من المفترض أنْ تكون هذه المقدِّمة التناصيَّة التصديريَّة التي له عَلاقة مُباشرةٌ بِموحيات الرواية وبثيمِ مَسروداتها المَحكية المتراتبة بعد كلمة الإهداء وليس قبلها كما وردت في الرواية. ومهما يكن من أمرٍ، هل استطاع حسنُ السَّلمانُ في ذكرياته السرديَّة الأدبيَّة والميلودراميَّة الشَّائقة أنْ يتغلَّبَ على يدِ زمانه المُتطاول على أبناء جلدته وينتصر لهم في قرية نهر الكحلاء المُسماة (أمُّ ذيبةٍ) ؟وبالرغم من قساوة النهر الوادع وعداء فعل سلطة الحكم الإقطاعية الجائرة تمكَّن الأحرار والأخيار الصابرونَ من كسرِ شوكة الزمن وتحطيمِ جِدارِ تَطاولِ فِعلِ السلطة الحاكميَّةِ الصُّلبةِ، فتشظَّى المكانُ وتغيَّر الزمانُ، وبدأ عهدٌ جديدٌ للتحرُّر من الإقطاع في خمسينيَّات القرن العشرين.
وثالث عتبات النصِّ المُوازي فكانت عتبةَ (الإهداء) التي جاء توثيقها التكريمي مَخصوصاً إلى روح الشاعر والقاصِّ والرِّوائيِّ السُّومريِّ المَيسانيِّ الشَّابِ الفقيدِ الرَّاحلِ (مُحمَّدُ الحُمرَاني)، صاحب رواية (حُجابُ العَروسِ )، العمل الإبداعي السَّردي الأخير الذي لم يَرَ النورَ إلَّا بعدَ وفاةِ الحُمرَاني. وكأنَّ لسانَ حَالِ حَسن ِالسَّلمانِ يقول ما يَختلج في نفسه من صدقٍ وإخلاصٍ ووفاءٍ ومحبَّةٍ فَيُردِّدُ القولَ، إنَّ هدايا الإبداعِ السَّرديِّ تُهدَى عَلى مُقدارِ مُهدِيهَا المُبدعينَ والمثابرين في الحَياةِ والمَماتِ.
أمَّا عتبات النصَّ الأخرى، فكانت موزَّعةً بانتظامٍ زمكانيٍّ ومحليٍّ، وبأُسلوبٍ تقنيٍّ حداثيٍ ماتعٍ على العُنوانات الداخلية الفرعية للرواية، فكلُّ عنوانٍ صغيرٍ يُمثِّل قصَّةً أو حكايةً قصصيَةً ترتبط وحداتُها الموضوعيَّةُ وثيمُها الفكريَّةُ المُتشابكةُ بفعلِ بوصلة الحدث الأكبر لواقعة الحدث السرديَّة للرواية، وبوحدتها العضوية الكبرى التي تمثِّل المُعادل الموضوعي المُهمُّ لجسد وروح الرِّواية.
وقد بلغ عددُ عتباتها الكلي بنحو (31) إحدى وثلاثينَ قصةً عنوانيةً. وأنّ أكثر العتبات العنوانيَّة الجُزئيَّة إمتاعاً وإشراقاً ومغايرةً في موضوعيتها الجوهرية بهذه الرِّواية، والتي تَركتْ أثراً سِحريَّاً لافتاً، وندوباً وتأثيراً وإيلاماً موجعاً عالقاً في ذهنِ المُتلقِّي، ونفسية القارئ قصَّة الوصيفة (عَلَاهِن) لحقيقتها الإنسانيَّة المائزة. فَعَلاهِن وولداها وأُمُّها أُسرةٌ كاملةُ من العبيد تَمَّ شراؤهم لمشيخةِ العودة.
تَأثيثُ المَدوَّنةِ السَّرديَّةِ (الرِّوايةُ):
على الرَّغم من أنَّ فنَّ القصَّة القصيرة يعدُّ من أصعب فنون السَّرد الأخرى؛ لاشتراطاته الفنيَّة المُحدَّدة وتعقيداته الفكريَّة والقواعديَّة السَّرديَّة المُتداخلة، فإنَّ من يقرأ نتاجات الكاتب المثابر حسن السَّلمان السرديَّةِ (قِصَّةً وروايَةً)، سيصل -من باب المفاضلة السرديَّة- إلى حُكمٍ نقديٍ فارقٍ بأنَّ قُدرةَ السَّلمانِ الإبداعيةِ في إنتاج وفاعليةِ الفنِّ القصصي تَفوَقُ قُدرتَهُ الفنيَّةَ مَرَّاتٍ ومَرَّاتٍ عديدةٍ في إنتاج الفنِّ الرِّوائي، ذلك العالم السردي الكبير سعة ًومِساحةً، والخطاب الفسيح بفضائه النصِّي.
وليس معنى هذا أنَّ السلمان لا يُجيدُ كتابة الرِّواية، بل أنَّه يُحَلِّق فنيَّاً وجماليَّاً وإمتاعيَّاً عالياً في كتابة سرديَّات القصة القصيرة الابتداعية بكلِّ عناصرها الأساسيَّة واشتراطاتها الفنيَّة الأُخرى في الميتا سرد الحداثوي. ولا أدلُّ على ذلك الرأي الشاخص فإنَّ رواية حسن السَّلمان (وَدَاعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ) الصَّادرة بطبعتها الأولى عام 2025م عن دار الشؤون الثقافيَّة العامة بِبغدادَ، وبحجمٍ نوعيٍ فارقٍ وكمّيٍ مُكثفٍ بلغ نحو (160) صفحةً من فئة القطع الكتابي فوق المتوسِّط، تعدُّ في هندستها المعمارية ونسيجها الفنِّي السَّردي المُحكمِ متواليةً قصصيَّةً احتوت على (31) إحدى وثلاثين قصةً، كل قصةٍ منها، لها وحدتها الموضوعية الفاعلة وثيمتها الحكائيَّة الفكريَّة المُستقلَّة بها.
بيدَّ أنَّها ترتبط في تلابيب نسيجها الفرعي الثانوي بوحدة الرِّواية العضويَّة من حيث الشخصيَّات الفواعلية والأحداث الفعاليَّات والوحدات المكانيَّة والزمانيَّة وصراعها وَحِبكتِها وَعُقَدِها وخَواتيمِها السَّرديَّة. ومن هنا تأتي براعة السَّلمان الفكريَّة والفنيَّة في تأثيث سرديَّات هذه الرِّواية تأثيثاً قصصياً تواثبياً رائعاً ومُدهشاً لا تَدعكَ الفَكاكَ عنها أو تركَها أثناء عمليَّة التلقِّي القرائي والمَعرفي.
شَخصيَّاتُ الرِّوايةِ:
فمن حيثُ الشخصيَّات فإنَّ رواية حسنِ السَّلمانِ (ودَاعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ) تُعدُّ من جنس الروايات البيئية المكانية المجتمعية الإجرائية المتماسكة، وليس من فئة الروايات الوصفية النظرية. وهي أيضاً يمكن تصنيفها فنيَّاً بأنَّها من الرِّوايات البوليفونيَّة المتعدِّدة الأصوات والرموز والشخصيَّات، فقد بلغ العدد الكلي لشخصياتها الفواعلية الرئيسة والثانويَّة نحو (35) خمسةً وثلاثين شخصيَّةً، منها (21) إحدى وعشرون شخصيةً ذكوريةً، و (14) أربعَ عَشرةَ شخصيَّة أُنثويةً. ومع هذه السيولة التعدُّدية في كثرة الأصوات فقدْ تمكَّنَ السَّلمانُ من التحكُّم بعدد شخصياته الأوليَّة والثانويَّة الفاعلة المهمَّة. واستطاع بمهنيتهِ التَّخليقيَّة وموهبتهِ أنْ يرسمَ لوحةً سرديَّةً ميلودراميةً حيَّةً لروايته.
فكان الشَّيخ الإقطاعي عايش العُودة وزوجته الشَّيخة (نَجمةُ) التي تعدُّ امرأة الظلَّ المُضمرةِ والداهية العميقة في التَّحكم بإدارة حكم المَشيخة وتسيير أمورها على رأس هرم الرِّواية وتشكُّلاتِها السرديَّة المُتعددة. فضلاً عن الدورِ السيء لكبيرِ الحَوشيَّة المدعو (ضَاحي الأعورُ) . وقد تَوزَّعت شخصيَّات الرِّواية بين فئتين من الناس، فئة يوتوبيا عوام الناس وسوادهم الأعمّ الغالب من المُعدمينَ والمهمشينَ والمُغَّيينَ، كالفلاحينَ والمُزارعينَ والباعة المُتجوِّلينَ والصيادينَّ وأصحابِ الحِرفِ البدائيةِ من الصَّابئة المندائيينَ، والعبيدِ السُّودِ من المملوكين أو الخَدم. أمَّا الفئة الأخرى فَتمثَّلُ دِيستوبيا الخَواص من أُسرِ الشُّيوخ الحاكمينَ وأربابِ السُّلطةِ الحاكمة الجائرةِ من المُترفينَ:
" لَمْ يَكُنْ تَمنًّع نَجمةَ خَجَلاً، أو خَوفَاً، بَلْ كَانَ الأمرُ بِرِمُّتِهِ مَقصودَاً. كَانِ تَمنُّعهَا فِي عَدمِ مَنحِ[أوْ تَمكينِ]نَفسِها لِلشيخِ مُنذُ المَحاولةِ الأُولى، وَمُقاومتُهَا لَهُ تِلكَ المُقاومةُ الشَّرسةُ، مَا هُو إلَّا رِسالةٌ قَويَّةٌ، شَديدةُ الوضُوحِ، بِأنَّها اِمرَأةٌ أمرُها بِيدِها. اُمرأةٌ لَيستْ سَهلةَ الاِنقيادِ والمَنالِ. اِمرأةٌ كَلمتُها هِيَ القَولُ الفَصلُ، وَبَقيَّةُ الكَلامِ مُجردُ ثَرثرةٌ فَارغةٌ. اِمرَأةٌ خُلِقَتْ كَي تَسودَ وَتَأمُّرَ وَتُقرِّرَ، وَلَا أحدَ يُجبرُهَا عَلَى فِعلِ شَيءٍ إلَّا بِرضاهَا وِمزَاجِها وَقَناعتِهَا التَّامةِ". (وَدَاعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ، ص 15) .
مَنابعُ الصِّراعِ السَّرديّ:
وحين نُجيلُ النَّظرَ في البحث عن موضوعاتِ الرِّواية المُتنوِّعة متأملينَ في خُطَى حِفرياتِنا النقدية تَقفّي أثرِ محكياتها القصصيَّة المُتراتبة من أجل الكشف عن منابع الخير والشرِّ التي تمثَّلت في صراع يوتوبيا مدينة السَّرد الفاضلة مع ديستوبيا سلطة الحُكم الجائرة؛ فإنَّ آفاق الخطاب السَّردي للرواية تُظهِرُ بجلاءٍ ووضوحٍ تفوقاً مَلموساً وكبيراً لعناصر السَّلب الديستوبي الشريرة الجائرة التي تمثَّلت بسلطة الحكم الإقطاعي المَارقة على يوتوبيا الخَير المسالمة التي اتَّحَدَتْ بقوى السواد الأعظم من عامة الشعب وجمهور الناس من الفقراء والمُعدمينَ طبقيَّاً والمسحوقينَ إنسانياً.
وعندما نَشرعُ إحصائيَّاً بِعدِّ موضوعاتِ قَصصِ الشَّرِّ في الرِّواية الَّتي قَامت بها رموز النزعة الديستوبية المعتدية نجدَها قد بلغت (15) خمس عَشرةَ موضوعاً أو قصَّةً، وهي تتفوقُ على قوى الخير بثلاثة أضعاف حجمها الكلي. وهذه القصص تتوزَّعُ في الرِّواية بِدءَاً من قصَّة (المُؤامرة) التي تمثَّل مركز الحدث الأكبر لواقعة الحدث السَّردية في الرِّواية، ومرورَاً بقصَّة (العَمَّةُ نَجمةُ) المرأة الحديدية التي تُمثِّل قناع رأس السُّلطة الإقطاعيَّة العميق، والعقلَ الخفي المُفكِّرَ والمُدبِرَ في إدارة شؤون حكم إقطاعية آل العودة في قرية (أُمِّ ذيبةٍ) على ضفاف نهر الكحلاء المُتَّصل بأهوار الجنوب، القريةُ التي تعدُّ مسرحَ أحداث الرِّواية وموطنَ سردياتها القصصيَّة العَجيبة المَلأى بالخيانة والاستعباد. ولم أقرأ في أدبيات تاريخ الإقطاع اِمرأةً شَيخانيَّةً شَبيهةً بالشَّيخة نجمة تفنَّنَتْ بالمكائد.
ونجمةُ هي المرأة التي حرَّضتْ زوجها الشَّيخ عايش على انتزاع السُّلطة الإقطاعيَّة من أخيه الأكبر الشَّيخ مُحمَّد العُودة الرجل الأكثر عقلانيةً واتزاناً في قرية نَهر الكَحلاءِ. وتمَّ لها إنجاز خطَّة المؤامرة الانقلابية التي حاكت خيوطها بإحكام شديدٍ وإسناد وتعضيدٍ وتدبيرٍ سريٍّ عالٍ من قبل مَأمِنِ سرِّها الحياتي وخادمتها المقرَّبة (إعزيزة)، وبمشاركة جماعيةٍ من قبلِ كبير حوشية المقاطعة الجلاد (ضَاحي الأعورُ)، الذي يعدُّ أداة تنفيذ جرائم الاقطاعية الخفيَّة النكراء، وانتهاء بخاتمة الرِّواية قصَّة (عَامُ الأحزانِ) التي تُمثِّل آخرَ مَعقلٍ من مَعاقل ديستوبيا التِّيهِ والخراب والتَّشظي المّكاني:
"لَمْ يَتوقَعِ الشَّيخُ مُحمَّدُ العُودَةِ أنْ تَكونَ الزَّوجةَ الَّتي اِختارَهَا لِأخيهِ عَايشٍ سَتكونَ سَبَبَاً فِي فُقدانِهِ لِرئاسَةِ المَشيخةِ، وَإذلالِهِ، ثُمَّ فُقدانِهِ لِحياتهِ غَدرَاً، لَمْ يَكُنْ يَعلمْ بَأنَّهُ يَحفرُ قَبرَهُ بِيديِهِ. فَمَا إنْ مَرَّ عَامٌ وَثَلاثةُ أَشهُرٍ علَى زَواجِ نَجمَةَ مِنَ الشَّيخِ عَايشٍ، وَبَعدَ أنْ ثَبَتَتْ أقدامَهَا فِي الإقطاعيَةِ، وَاشتَرَتْ ذِمَمَ الكَثيرِ مِنَ العَبيدِ وَمَنْ يَعملُ بِالإقطاعِيَةِ، وَأصبحَتْ أُمَّ مُولودِ الأمرةَ النَّاهيةَ، ثُمَّ تَحوَّلَ اِسمُها إلَى العَمَّةِ نَجمَةَ صَاحِبَةِ السَّطوةِ وَالكَلمَةِ المَسموعَةِ، حَتَّى بَدَأتْ تفَكِّرُ بِالطُرقِ الكَفيلةِ لإيصالِ زَوجِهَا الشَّيخِ عَايشِ العُودَةِ إلَى سُدَّةِ رِئاسَةِ العَشيرَةِ..." (وَدَاعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ، ص 17 ) .
وفي الوقتِ نفسه، إنَّ الموضوعات الإيجابيَّة ليوتوبيا مصادر الخير الحَدَثية الفاضلة ومرجعياتها الثقافية اقتصرتْ على (5) خمسة فُصولٍ من قصصِ الرِّواية ومسروداتِها الفعليَّة الآتية: مثل، قصَّة (ضَاحي الأعورَ وعَليُ الأكبرَ)، وقصَّة (طُقوسُ ليلةِ نَجمةَ)، وقصَّة (صُورةٌ)، وقصَّة (رَسائلُ حُبٍّ عبرَ الأثيرِ)، وانتهاءً بقصَّة (الحُلُمُ) التي تُمثِّل فنتازيا الحُلُمِ الفاشلةِ التي تدور أحداثها عن قصَّة الفتاة (فضةُ) ابنة الشيخ عايش مع أخيها غير الشقيق الفتى (مظلوم) ابن الوصيفة (عَلَاهِن) محظيَّة الشيخ عايش وعشيقته اللَّيليَّة.فضلاً عن حكايات العَبيد والحَكواتي عبود التي يُلقيها على مسامعهم للتسليَة.
"بَعدَ رَحيلِ عَلاهِنِ إلَّى ضَفَةِ النَّهرِ الأُخرَى مَطروَدَةُ مُهانَةً، وَانقطَاعُ الأخبارِ، وعَلَى وَجهِ التَّحديدِ أَخبارُ فُضَّةَ، دَأبَ مَظلومٌ عَلَى الوُقُوفِ عَلَى جُرفِ النَّهرِ وَبثِّ رَسائلِ الحُبِّ وِالاشتياقِ واللَّوعةِ إلى فُضَّةَ عبرَ مَواويلَ شَجيَّةٍ بِصوتهِ الجَميلِ. كَانَ صَدَى صَوتِهِ الجَريحِ يَصلُ إلَى مَسامِعِهَا فَتَهِبُ مِنْ نَومِها كَمَا لَوْ أنَّ أحداً جَذَبَهَا بِشدةٍ وَأيقظَهَا[...] وَهُناكَ تُرسِلُ نَظراتِها إلَى صَرائفَ وَأكواخِ عَلاهِنَ وَتَلمَحُ (مَظلومَ) يَقِفُ على حَافةِ الجُرفِ، وَمِنَ خَلفِهِ ثَمَّةَ أطيافٌ تَتخاطَفُ مَا بَينَ الصَّرائفِ وَالأكواخِ وَشُجيراتِ الغَرَبِ وَالزُّوْرِ لَا تَتَبَينُها جَيَّدَاً وَلًا تًعودُ إلَّا بَعدَ أنْ يَهبِطَ ظَلامُ المَساءِ إذا كَانَ الوَقتُ غُرُوباً، أوْ إلَى أنْ تِتِكِشفَ الظُّلمة إذا كَانَ الوَقتُ سَحَرَاً، إذْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ وَقتٌ مُحدَّدٌ لِرسائلِ مَظلومٍ الصَوتيةِ الَّتي يُرسِلُهًا عًبرً الأًثيرٍ..." (ودَاعَاً يَا نَهرَ الكَحلاء، ص 133 ) .
قِصصُ السَّرديَّاتٍ المَكانيَّةِ:
من اللَّافت لنظر القارئ النابه لرواية حسن السَّلمان (ودَاعاً يا نَهرَ الكَحلاءِ) أنَّ الرِّواية خطَّت أوَّل فصولها السرديَّة وابتدأت مُنطلق أحداثها الفعليَّة من مَثابات المكانيَّة فكانت قصَّة (أُمُّ ذيبةَ)، ثمَّ انتهتْ واقعتها الحَدثِيَّة بخاتمتها المكانية نهر الكحلاء وبالقرية ذاتها وتحديداً في قصَّة (عَامُ الأحزانِ)، أي أن ختام الرواية بمكانِ المَطلع، وأنَّ مثل هذه التوليفة الأُسلوبية المُتوحدِنَة تُحسَبُ لكاتبها المُبدع.
وقد بلغ عدد مَحكيَّات القصص السَّرديَّة التي ارتبطت أحداثها بالقرية المكانيَّة والنهر والهور والإقطاع نحو (6) ست قصصٍ عنوانيَّةٍ ظهرت تمثُّلاتها الحَدثية بِقصَّة (أُمُّ ذيبةَ) مُوئِل السَّرد، وقصَّة (سَلفُ الصابئة) المندائيينَ، وأثرِ هُوِيَّتهتم الفَرعيَّة الإثنية، وصدقِ عَلاقة تعايشهم السِّلمي مِعِ نظائرهم المُسلمينَ في الجَنوب، وقصَّة (مَاكينةُ الحَاجِ رضوانَ) مَثابة اللِّقاء والأنس والمحبَّة والتأمل، وقصَّة (مَركبُ العَطَّار) المُتجوِّل بالزورق المائي، وقصَّة (الزِّيارةُ المَكروهة لِنرجسَ) زوج الشيخ التي كانت أصولها فارسيَّةً أعجميَّةً، وانتهتْ مَحطَّات المكانيَّة المَاديَّة بقصَّة مُناجاة نهر الكحلاء وموته. فضلاً عن الأحاديث الأخرى التي تأتي عرضاً في قصص الرواية عبر تنامي رقعة السَّرد:
"يَتناقَلُ كُبَارُ السِّنِّ مِنْ أهالِي قَريَةِ أُمِّ ذَيبَةٍ حَديثَاً مُتواتِرَاً بَأنَّ سَببَ تَسميتِهَا بِهذَا الاِسمِ، جَاءَ مِنْ قِصَّةِ الذِّئبةِ الرَّماديَّةِ اللَّونِ الَّتي كَانتْ تَختَبِئ فِي أطرافِ القَريَةِ الكَثيفَةِ الأحرَاشِ وَالأدغَالِ، وَالكَثيرةِ البُرَكِ وَالسَّواقِي وَالمُستنقعَاتِ مُنذُ زَمَنِ بَعيدٍ، يَومَ لَمْ تَكُنْ قَريَّةُ أُمِّ ذَيبَةٍ تَضمُّ أكثرَ مِنْ بُضعِ صَرائفَ لَا تَزيدُ عَنْ ثَلاثينَ صَريفَةً وَعشرةِ أكواخٍ، وَيَومَ لَمْ يَفِدْ أفرَادُ عَائِلةِ العُودَةِ وَيَبسطونَ سُلطتّهُم عَلَى القَريَةِ كَشُيوخٍ وَيَستولونَ عَلَى أفضلِ الأراضَي الزِّراعيَّةُ، لَا سِيَّمَا الَّتي تُحاذِي ضِفَةِ النَّهرِ". (وَداعَاً يا نَهَر الكَحلاءِ، ص 9) .
وبالتأكيد أنَّ أمَّ ذيبةٍ هي الاسم المكاني المُستعار مِخياليَّاً لقرية حقيقية تقطن في الجنوب، وأنَّ أُسرَةَ أل العودة، ماهي في حقيقة الأمر إلَّا الوجه الرمزي الثقافي الآخر لِهُويَّة وبيوتات ومشايخ الإقطاعيَّات الكبرى التي كانت حاكمةً لأراضٍ ومقاطعاتٍ واسعةٍ في قضاء الكحلاء وأقضية الجنوب العراقي امتدَّ سيطرتها لسنواتٍ طِوالِ خلال مدَّةالعهد الملكي وأُزيِلَتْ في العهد الجُمهوري.
مُوضوعاتُ الرِّوايةِ الأُخرى:
لمْ يَبقَ من قصص الرِّوايةِ البالغة إحدى وثلاثين قصةً إلَّا (5) خمسُ قِصصٍ تَمثَّلت في الحديث عن شخصيَّات الرِّواية الرئيسة منها والثانوية، وقد تَصدَّرتها قصَّةُ (نَجمةُ، وعَلاهِن، ومَظلومُ، وأُمُّ خَنجرِ، وعِرمِشُ) الصبي المخبول. والحديث عن شخصيَّات الرِّواية والتَّعريف بوظائفها المُناطة بِها والدور المرسوم لها كان في حقيقة الأمر مَقصوراً فقط على أبناء وشيوخ الإقطاعيَّة وعن حَاشيتها وخدِمها وعَبيدِها وتوابعها ومجاوراتها الحَقليَّة وعن الثّراء والتَّرف الباذخ الذي يتمتَّعون به حياتياً:
"قَدَمَ كَبيرُ الحُوشيَّةِ اِمرأةً فِي نَهايةِ عَقدِهَا الثّلاثينِي، تَرتَدِي ثَوبَاً أحمرَ مِنْ قِماشِ البَازَة، مُشَرشَحَ الحَوافِ، قَائِلاً، هَذهِ عَلَاهِن.. كَانتْ عَلاهِنُ جَميلةَ المَلامحِ، مُمتَلئِةَ القَوَامِ، وَثَمَّةَ شِيءٌ مَا فِيهَا لَفَتَ أنظارَ الشَّيخِ فَأطالَ التَّحديقَ فِي وَجهِهَا، وَعَاينَهَا مِنْ رَأسِهَا حَتَّى قَدَمِيهَا كَمَا لَوْ أنَّه يُعَاينُ حَاجَةً ثًمينةً يًودُّ شّراءَها.. أشارّ إلّى شَابَةٍ فِي الثَّالثةِ عَشرَةَ مِنَ العُمرِ، نَحيلَةِ العُودِ، شَديدةِ السَّواد، ذَاتَ عَينينِ كَبيرتَينِ، وَأنفٍ صَغيرٍ، وَبُوزٍ يُشبِهُ بُوزَ الغَزالَةِ، يُطَوّقُ مِعصَمِها سِوارٌ مِنْ البَلاستيكِ الأسودَ، وَقدَّمَها قَائلاً، هِذهِ غزالةُ بِنتِ عَلاهِن.. جَذَبَ عَبدَاً مُتهالِكَاً طَويلَ القَامةِ، بِمنخرينِ كَبيرينِ لِلغايةِ، يَرتدي دِشداشَةً مُمزَقةً، مُخطَّطَةً بٍاللونينَ الأبيضِ والأزرَقِ، وَسَترةً بَاليَةً تَصلُ حَدّ رُكبتَيهِ، وَقَدَّمَهُ ضَاحكَاً، هَذا عِرمشٌ ابنَ عَلاهِن.. أشارَ إلَى اِمرأةٍ قَصيرةِ القَامةِ، طَويلةِ الذِّراعينِ، قَصيرةِ الأطرافِ كَأنَّها غُوريِلا، وِقِدَّمها قَائِلاً، هَذهِ نُوريةُ أمُّ عَلاهِن.. نَظَرَ الشَّيخُ إليهِم وَأطلقَ ضِحكَةً مُدَوّيَّةً قَائلاً لِضاحِي الأعورِ: ( (اللهْ يِهلككْ يَا ضْويحِي. وِلَكْ ذُولَهْ وِين لِكَيتهم) ) . ثُمَّ تَفحَّصَهُم وَاحدَاً واحدًاً وقالَ: ... " (ودَاعَاً يَا نَهرَ الكحلاءِ، ص 29) .
ومن خلال هذه المعاينة البَصريَة المُحدقة النظر للتعرُّف على أُسرة هؤلاءِ العبيد التي بدأها الشيخ بعلاهِن العَبدة الجميلة والصيد الثمين لمبتغاه وهوسه النَّفسي الفاجر، كانت أولى علامات الشبق الجنسي للشيخ عايش العُودة لمُريِدتِهِ علاهٍن التي صَيَّرها بين ليلةٍ وضحاها مَحظيَّةَ له أو معشوقةً وَزوجةَ ليلِ أُنسيةً غيرَ مُعترَفٍ بها وبابنها ولده مظلوم رَسميَّاً، بسبب سواد اللَّون والنسب الآخر لعلاهِن . ومن هذه اللَّحظة الفارقة بدأت معاناة عَلاهِن وأبنائها مع زوجة الشَّيخ صانعة المكائد.
وَمِمَّا يُؤخذ على الكاتب الحاذق حسن السلمان أنَّه لم يتحدَّث قطّ في سرديَّات وقصص الرِّواية ولو بنموذج نصيٍّ واحدٍ عن آ ثار الظلم والحيف والاستلاب والتعذيب القهري الذي وقع على كاهل الفلاحينَ المُزارعينَ البُسطاء من عامةً أبناء هذه القريَة المُثقلة بالوجع والهمِّ والغمِّ، ولم يُشرْ إلى أثر الفساد الذي أصابَ السَّوادَ الأعظم من النَّاس في إقطاعيَّة العُودة عدا ما يَخصُّ شأنهم الخاصَّ. وقد كان الكلام في الرواية محصوراً على مكائد الأسرة الحاكمة وصراعها الداخلي من أجل لبقاء.
تَمثُّلاتُ العَجائبيَّةِ (الفِنتازيَّةِ):
العجائبية أو الفنتازيا المخياليَّة التي هي إحدى تمظهرات الواقعية السِّحريَّة التي وظَّفها الرائي حسن السَّلمان في روايته هذه سبع مرَّاتٍ توظيفاً فنيَّاً وجماليَّاً سرديَّاً لافتاً ومُذهلاً؛ لكسر أفق توقُّع المألوف الواقعي الحياتي المَعيش، وَلِبثِّ الرُّوح الإمتاعية والتأمليَّة في نفوس مُتلقِّيه وحَملَهُم على الاستغراق في التفكير الغنوصي الرُّوحي والوجودي مع ما يَطرحه السَّرد من كشوفاتٍ مَعرفيَّةٍ.
ولعلَّ أولى بواكير هذه العجائبية التي اشتغل عليها حسن السَّلمان في المركز كانت مُكرسَةً للحديث عن قصة الذئبة العدوانية المفترسة، وعن ممارساتها الفِعليَّة اليومية المرعبة والمُتكرِّرة في إيذاء السُّكَّان. وقد تحوَّلت قصتها المخيالية إلى أُعجوبةٍ فنتازية أذهلت الجميع بأفعالها، وأعجزت تفكيرهم الإنساني البيئي بغرابتها وما رافقها من مخاوفَ وحوادثَ وأحداثٍ وخسائر وتقوُّلاتٍ جمِّةٍ.
أمَّا الموضوع الثاني لفنتازيا هذه التقانات الحداثوية فكان تسريده مُنصبَّاً للحديث عن قصَّة غرق الفتاة الشَّابة غزالة ذي الرقصة المُميزة وبنت الوصيفة (عَلاهِن) من زوجها العبد السابق، والتي تحوَّلت موضوعتها إلى خُرافة عجائبية تقوَّلتها أفواه الناس وألسن سكان قرية (أُمُّ ذيبة)، فقيلَ: عُثِرَ على رأس غزالة بقرنينِ وعينينِ كحيلتينِ وُجِدَ عَالقاً بين الأسماك في نهر القرية ثُمَّ صَار أيقونة.
ولم تكتفِ مخيلة حسن السَّلمان بهذه التراتبية العجائبية المدهشة، بل انعطف في مَتنِ اشتغالاته السردية المخياليَّة إلى ما هو أكثر خارقيَّةً وعجائبيةً، فكان التسريد هَذهِ المرَّة أكثر نضجاً وأبلغ رعباً وتخويفاً وحضوراً، وعلى وجه التحديد في قصَّة (الحَكواتي عَبُودِ المِحْرِبِ) التي ورد القصُّ عنَّها على لسان الإخوة الصيادينَ الثلاثة: الأكبر حَامد، والمتوسِّط مَحمود، والأصغر أحمد الَّذينَ توجَّهوا بزوارقهم الثَّلاثة الصغيرة إلى أعماق الهَور للكشف عن هُويَّة الإيشانات الثلاثة، وما جرى لهم وحصل من أحداث خطيرةٍ جٍسام في حكايات هذه الإيشانات الأهواريَّة الثلاثة الغرائبية الآتية.
الأُعجوبة السَّرديَّة الأولى فكانت عن إيشان (حْفيظ) الذي يقع على طرف مدينة قضاء المجر الكبير في محافظة ميسان، وأسطورته تقول:إنَّ جزيرةً صغيرةً تضمُّ الكثير من الكنوز والذهب والأحجار الكريمة كما يشاع عنها، وكل من يفكر في الذهاب إلى التَّحقُقِ من هذه الجزيرة يصاب بمكروه مثلما حدث مع الصياد حامد الذي عاد منها أبكماً لا يتكلَّم من شدَّة هولِ ما رأى فيها وما حدثَ له.
أمَّا الأعجوبة الفنتازية الثانية فكانت عن إيشان (أبو الذهب) الذي يقع في هور الحويزة، وقصته الأسطورية المخاليَّة تذكر، أنَّ زورقاً من الذهب يخرج في أول اللَّيل ويختفي مع انبلاج صَلاة الفجر صباحاً. وما حدث للصياد محمود فقد أصابه العَمى وَفَقدَ بصرَهُ، ثمَّ عَثرَ عليه أحدُ الصيادين.
وحكاية الإيشان الثالث والأخير كانت عن ما يُسمَّى بإيشان (أُمّ الهِنِد) الذي يقع ضمن حدود قضاء الكحلاء مثابة الرواية في محافظة ميسان/ العُمَارة، وأسطرته العجائبية تقول كما يسرد الراوي العليم: إنَّ حكاية هذا الإيشان تتعلَّق بعالم المُوتى أو الأموات وما يتعرَّضون له من ألوان العذاب عقاباً لهم على ذنوبهم، وما ارتكبوه من أفعال مقيتة وقميئة، فصارَّ الصيَّاد إثرِ هَولِ ذلك الحدث العجيب أصمَّاً لا يَسمعُ، وأمضى طيلة حياته واضعاً إصبعه في أُذنيه كي لايسمعَ أصوات الموتى:
"أمَّا أصغرُهُم، وَيُدعَى أحمدُ، فَقدْ تَوجَّهَ إلَى إيشانِ أُمِّ الهِندِ، حَيثُ ظَلَّ أُسبوعَاً يَتجوَلُ بِمَشحوفِهِ فَي الهُور حَتَّى كَادَ مَا تَزوَّدَ بِهِ مِنْ طَعامٍ أنْ يَنفدَ، وَهَمّ بِالرجوعِ إلَى أهلِهِ، إلَّا أنَّ سَماعَهُ أصواتَ اِستغاثَةٍ فِي مُنتَهَى الهَلعِ، وَعَويلَاً مًريرًاً يَفطرُ القَلبَ، جَعلَهُ يَلتَفِتُ بِاحِثَاً عَنْ مَصدرِ الأصواتِ لِتَنفَتِحَ أمامَهُ ثَغرةٌ فِي أَجَمَةٍ مِنْ قَصَبٍ البَردِي، وَيَلِجُ مِنهَا، وَيُشاهدُ إيشَانَاً مُمتلئِاً بِالقُبورِ المَفتوحةِ الَتي يَتصاعَدُ مِنهَا غُبارٌ بَنفسجِيُ اللَّونِ مَعَ صُراخٍ وَاستغاثاتِ المُوتَى الَّذينَ كَانُوا يَتعرَّضونَ لِأبشَعِ عَمليَّاتِ التَّعذيبِ فَاستدَارَ بِمشحوفِهِ هَارِبَاً، وَابتَعَدَ عَنْ هَذِا الإيشانِ المُرعِبِ، وَأصواتُ المُوتَى وَاستغاثاتُهُم تُلاحِقُهُ حَتَّى وَصلِ إلَّى أهلِهِ وَهوَ يَرتَجِفُ". (وَدَاعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ، ص116) .
وتأتي تراتبياً الأعجوبة السادسة فَتُلقي الضوءَ سرديُاتها على قصَّة غرق الصَّبيينِ، العَبدُ مَظلوم، والشَّيخة الشَّابة فِضَّة، وما رافق واقعتهما الحكائيَّة قِصَّةُ السَّمكتينِ الفضيتينِ اللَّتينِ تَسبحانِ في النَّهر، وما جرى لإحداهما من تعالق مع الطير ذي المنقار الطويل الذي التقطَ إحداهما بينا سقطتْ السمكة الأخرى بقاع النَّهر، ومن خلال حكايتها تَمَّ العثور على جُثَّة (فضَّة) عالقة في قاعِ القِصبِ.
أمَّا التمظهُر السابع والأخير من قصص تَمظهرات العجائبية السِّحريَّة فكانت اشتغالاته الفكريَّة والمخيالية مُخصصَّةً للحديث عن حكاية أو قصَّة الوصيفة المرأة (عَلاهِن)، وما جرى لها مَصائب في حياتها أثناء وبعد أحداث قصَّة (عَامُ الأحزانِ)، والأصوب الصحيح أنْ يقولَ (سَنةُ الأحزانِ) الدالة على الضيق والعسر والشِّدَّة، بينما مفردة (العام) تدلُّ على سعة بحبوبة العيش والرخاء والانفراج.
فهذه القصة أخر محكيَّات رواية حسن السَّلمان، وكانت مظانُ سِحريتِها المُدهشة مواجهةً حقيقية وحواراً ساخناً وموجعاً بين عَلاهن الإنسان المُذل، ونهر الكحلاء رمز الحياة المؤنسنِ الذي أذلَّها وخذلها وأخذ الكثير منها ومن عمرها، وما أحدثه هذا النهر من فاقة وعوز ورزايا ومصائب وأحداث فذةٍ كبيرةٍ وَجِسَام ألمت بعلاهِن المرأة المملوكة السوداء وما حدث لأسرتها الفقيرة المعدمة من قتلٍ وترويعٍ وتعذيبٍ وتمثيلٍ وَتِيهٍ وتَهجيرٍ قَسريٍّ وتشظٍ منظَّمٍ للمكان خسرتْ على إثره هيبتَها كإنسان له حقُّ العيش الكريم. فتنكَّر لها زوجها الشيخ عايش العودة ولولدها مظلوم الذي أخصاه وهو من صُلبه؛ كونه عبداً أسودَ والعُودة شيخ حرٌّ طليقٌ أبيضُ. فضلاً عن تَعذيبه لِعرمش ولدِها.
والمُذهل في سرديَّات هذه القصَّة التراجيدية الميلودراميَّة المائزة أنَّ مَظلوماً ابن الشيخ عايش قد عَشِقَ أخته الحُرَّة عشقَاً جمَّاً دُونَ أن يَعلم أنَّها أخته غيرالشقيقة، فقد كان يرعاها ويهتمُّ بها مُنذُ نُعومة أظفارها، لكنَّ التمييز العنصري للون والعِرق والأصل والمكانة حال دُونَ تحقيق حبَّه النَّقي. وتعدُّ قصَّة علاهِن من أروع وأجمل قصص هذه الرواية؛ كونها قصة إنسانية حقيقية لا تمسُّ سرديتها ذات علاهِن الفردية الضيِّقة فقط، بل تخصُّ الذات الجمعية المشتركة للجامعة الإنسانيَّة.
ولم تنحصر عجائبيَّات السَّلمان عن التمظهرات السابقة التي تمَّ عرضها، وإنَّما أخذتْ مَساراتٍ سَرديَّةً أُخرى اتَّصلت بحياة وأفعال وممارسات الآخرين، وخاصةً الأطفال منهم الذين يَقصونَ احاديثهم لآبائهم في رؤيتهم الخيالية لـ (عبدِ الشَّطِ) ذلك الرمز الشخصي أو الكائن الخُرافي العَجائبي المُخيف الذي لم يُرَ بالعين المُجرَّدة، وإنما بالقول والتخيُّل كجزءٍ من تراثهم الشعبي المحلِّي العتيد.
ويتصل النسق العجائبي والخرافي الغرائبي السردي بطقوس الطوائف الإثنية والهُوِيَّات الفرعية الأُخرى الساكنة في القرية. وأعني بذلك (سَلفُ) طائفة الصابئة الذين كانت الشيخة نجمة تنظر لهم نظرةَ اِزدراءٍ وتَصفَهُم (بِربعِ الشَّيطان) بهذه العبارة القاسيَةِ وتمقتهم بُغضاً وُكُرهاً أعمى، مع أنهم مكونٌ سَومريٌ أصليٌّ مهمُّ، ومن سُكَّان الأهوار الذينَ اشتهروا بالحِرفِ اليدوية البسيطة وممارسة أعمال السِّحر والرُّوحانيات الغيبية والعجائبيَّات القنتازيَّة التي يَفكُّون طلاسمَها الرُّوحيَّةَ الشَّيطانيَّةَ. فكانت هذه السرديَّات الغرائبيَّة مَدعاةً للواقعية السَّحريَّة التي تستمدُّ وقائعها من طبيعة الحياة العامة للناس ومن صمت مورثهم التراثي الشعبي والانثُروبولوجي والتاريخي المُتجدَّد إشراقاً وإضاءةً.
"مِنْ طَلبَاتِ فُضَّةَ اللَّجُوجةِ الذِّهابُ بِهَا إلَى سَلفِ الصَّابئةِ المُحَرَّمِ عَلَى الآخرينَ الذِّهابُ إليهِ، وَلَا سِيّمَا نِساءُ المَشيخَةِ وَصِبيانُها. فَالذهابُ إلَى سَلَفِ الصَابئةِ، يَعنِي التَلوثَ بِالنجاسَةِ. يَعنِي التَعنيفَ وَالتَّقريعَ وَالعقوباتِ القَاسيَةَ بِدءَاً مِنْ رَبطِ المُخالفينَ مَعَ الأبقارِ فِي الحَظائِرِ لِعِدَّةِ أيامٍ، مُرورَاً بِالجلدِ بِالعِصيِّ، وَانتهاءً بِالحرمَانِ مِنَ الطَّعامِ وَالشَّراب.الذِّهابُ إلى سَلَفِ (رِبعِ الشَّيطانِ) كَمَا يَحلُو لِلعمَّة نَجمَةَ تَسميتَهُم، يَعنِي العَزلَ وَالاجتنابَ وَالاستحمامَ بِقِدْرِ مَاءٍ كَبير مُسَمَّى عَليهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ بِاسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ لِلتَطُّهرِ. كَانتْ فُضَّةُ مَأخوذةً بِالصابئةِ". (وَداعاً يَا نَهرَ الكَحلاءِ، ص 54) .
اللَّهجةُ المَحليَّةُ العَاميَّةُ الدَارجةُ:
حدُّ اللُّغةِ في مفهوم ابن جني هي (أصواتٌ يُعبرُ بها كُلُّ قَومٍ عًنْ أغراضِهِم) اليومية في الحياة. لذا فإنَّ من التقنيات اللُّغويَّة والفنية المحبَّبة للنفس والعمل السردي التي وظَّفها الرُّوائي الواعي حسن السَّلمان في مركز اشتغالاته السردية ومحكياته القصصيَّة الروائيَّة استخدامه التدوالي المثير لنموذج معيَّن من نماذج اللَّهجة الرِّيفية العاميَّة المحليَّة العراقية القُح التي تتطلبُها لُغةُ الحوار السردي وطبيعة المثابات المكانيَّة. وتفرضها ثيمُ واقعة الحدث السَّرديَّة وموضوعاتها لِضروراتٍ بيئيةٍ وإنسانيةٍ وتقاناتٍ فنيَّةٍ وجماليَّةٍ أكثرَ تأثيراً في النفوس وأبلغ أثراً وتماشياً مع سرديَّات لُغةِ ولهجة الرِّيف أو المناطق الجنوبية الأهواريَّة النائية التي لا يفهمُها، أو يُجيدُها الكثيرُ من الناس إلَّا مَنْ عَاشَ في تلك البيئية القاسية وتعلَّم لُغتها الدَّارجة وأدرك كُنهَهَا الإنساني وَسِرَّ وجودِها الكوني:
"اِزِلَفْ، اِزْلَفْ وِلَكْ مِنْ طِريجِي. مِنْ عِمَى العِمَاكْ. ثُولْ حتَّى ثُولْ. جَا بَعدْ الله شِيسوي بِيك. عَين وكَلَبهَا بِيضه جَنْه فُص مِلح. يَوم الأسود يَوم اللَّي لِفَيت بِيه علينه يا بوعَين العُورة.[...] شِفِتْ وِلَك؟ وِلكْ حتَّى هاَي الطَيرة اللِّي كِلشِي مَا تِفتهم هَمْ تِكرهَك، تِركض وَرَاك مِنْ دُون عِباد الله وَتْعضَّك.. دَهر فَرَّك يَبُو عَين العُورًة". (وَداعَا يَا نَهرَ الكَحلاء، ص 67) . وبرغم كمية السُّباب والتعنيف والتحقير والاستهجان فإنَّها لهجة عاميَّة تُناسبُ الواقعة وتنطلقُ من رَحم بيئة الحدث الموضوعيَّة.
واستخدام حسن السَّلمان لهذهِ اللُّغة الجَنوبية المُغرقة بالتداوليَّة المَحليَّة البيئيَّة ليس ضَربَاً من البَطرِ أو نوعاً من التَّرفِ الباذخ للزينة أو الزُخرفة اللَّفظيَّة لتلك اللَّهجة المحليَّة المُغلقة التي تتصل بحياة مَعدان الأهوار وسُكَّانها الأصليينَ، وإنَّما كَانت وُجُوداً كونيَّاً مُلحاً وانتماءً تأصيليَّاً عميقاً لهذه الأرض السومرية التي ينتمي إليها الكاتب السلمان ويُنتسبُ، وَعاشَ فيها رَدحَاً من الزَّمنِ الغَابرِ.
وقد بلغَ الحُبُّ والهوس اللَّهجوي بحسن السَّلمان في كثرة الإفراط باستخدام ألفاظٍ ومُصطلحاتٍ وعباراتٍ وتراكيبَ وأمثال ومسميَّات طبيعيَّة وكونية من صميم اللَّهجة المحليَّة الرَّيفية والأهواريَّة العراقيَّة فيِ سَرديَّات رِوايته ومَحكياتها القصصيَّة.حتَّى بلغ الاستخدام اللَّفظي الإجرائي لها في أكثر من (49) تِسعةٍ وأربعينَ مُوضعاً أو نموذجا تعبيريَّاً استشهاديَّاً مُوزَّعاً على طيَّات الرِّواية.
وطبيعي أنَّ توظيفات هذه اللَّهجة المغرقة بالعاميَّة المحليَّة الدَّارجة تتصل بحياة الناس العامَّة وبفعل ممارساتهم الواقعية الحياتية؛ونتيجة لذلكَ اضطر حسن السَّلمان في أكثر من اشتغال مركزي إجرائي لهذه المصلحات والمُفردات اللُّغويَّة العَاميَّة المُنتشرة في الرِّواية، اضطر إلى استخدام الهوامش لبيان وتوضيح وتقريب معاني هذه المفردات التي لا يفهمها المُتلقِّي إلا القليلُ من القرَّاء.
"ولك استحي. شلون إلك عين وتوصلنا؟ شلون تمشي بجنازة أخوك وانت جتاله". (وَداعاً يا نَهرَ الكَحلاء، ص 140 ) . هذه العبارة التعنيفية قالتها المرأة الفريضة عمة الشيخ عايش العودة عندما أراد المشاركة بتشييع جثمان أخيه الشيخ محمَّد العُودة الذي قُتِلَ غَدراً بفالةٍ وَاتُّهمَ بمقتله عايش وزوجته.
ويتناهى إلى فكري أنَّ جُلَّ هذا الإيغال اللُّغوي الحواري المُكثَّف في استدعاء ألفاظٍ وعباراتٍ وتراكيب من شواهد اللَّهجة المَحليَّة العاميَّة الريفية يعدُّ جزءاً من آثار بنية السرد الواقعية السِّحريَّة المكانية التي هيمنتْ على محكيَّات الرواية وقصصها الإنسانية البيئية العفوية المُمتعة التي تُحاكي المُتلقِي وتوقظ عقل القارئ بالمشاركة التأملية لواقع الحياة الريفية ذات النسق العشائري المُحافظ.
إنَّ أهمَّ ما يُميَّز رواية حسن السَّلمان (ودَاعاً يا نَهرَ الكحلاءٍ)، هو وحدة بنيتها السردية المُتماسكة، وثيمتها الفكرية المتراتبة مكانياً وزمانياً، وفاعلية إيقاع أسلوب لُغتها الشعرية التسريدية المحكمة سبكاً وحبكاً ودلالةً. لقد كان الرَّاوي العليم السَّلمان في عدسة التقاطاته السرديَّة وقصصه ومحكيَّاته الروائية عين الكامرة النقديَّة المضيئة التي تتحرك بمختلف الزوايا والاتجاهات المفتوحة والضيقة. وكان يبحث من خلالها عن الطريقة الابتداعية المُثلى التي تتحوَّل فيه تجربته الروائيَّة الشخصيَّة، وذاكرته الزمكانية إلى عمل فنِّي إنساني فارقٍ عابرٍ للتوثيق وقابلٍ لرؤى مَباضع التحليل والتأويل.
فجاءت أحداث هذه الرِّواية ومَسروداتها الفعليَّة، وحركات شخصيَّاتها الفواعلية أشبهَ بعملٍ فنِّيٍ سينمائي أو درامي بَصري تَتحرَّك فيه لُغة السرد صوتاً وصورةً سرديَّةً ويتداخل فيه وقع الأحداث والتفاصيل بمشاهدها الواقعيَّة مع السِّحريَّة من حال إلى حال آخر دونَ شعورٍ بثقل أو إملالٍ يُصاب به المتلقِّي جراء هذا التلقي الإبداعي الذي يحظُّه على المشاركة في بناء وتأثيث الرِّواية وتنمية الذوق الثقافي العام للحدث.فتتحوَّل وحدة المكان وحركة الزمان إلى عنصر مرئيٍّ فاعلٍ ومُناهضٍ.
لقد كان السَّلمان أميناً في نقل الأحداث، جريئاً مِقدَاماً في رسم الأهداف والتفاصيل والتطلُّعات الإنسانيَّة، وغيرَ هيَّابٍ في بيان كشوفاته السِّلبية التي فضحتْ مقارباتها السرديَّة أرباب سلطة الحكم الإقطاعية الجائرة، ورسمت واقعيته السِّحرية الطريقَ المعبَّد العادلَ للفصل بينَ النَّجدينِ، يوتوبيا المدينة أو القرية الفاضلة وديستوبيا الرذيلة أو السلطة القمعية المارقة. فانتصر السَّلمان لوجع أخيه الإنسان بلغة السرد، لغة الواقع الحيِّ والرِّهان، وما كان أمرُ ذلك المكان إلَّا تِيهَاً وَتَشظيَاً وَخُسران.
***
د. جبَّار ماجد البهادليّ








