ليست اللغة كائناً منعزلاً يعيش في جزيرة صوتية مغلقة، بل هي كائن تاريخي تتحرك مفرداته في الزمن، وتتجاور أنظمته مع أنظمة اللغات التي تشاركه الجغرافيا أو الأصل أو طرق التجارة والهجرة والتثاقف. ومن هذه الزاوية تكتسب العلاقة بين العربية والأمهرية والتغرينية أهمية استثنائية؛ فاللغات الثلاث تنتمي إلى الأسرة السامية، وإن كانت كل واحدة منها قد شقّت لنفسها مساراً تاريخياً وصوتياً وصرفياً ونحوياً مستقلاً.
وإذا كانت العربية قد احتفظت بتراث نحوي وصرفي بالغ الاتساع، فإن الأمهرية والتغرينية تمثلان فرعين مهمين من اللغات السامية الإثيوبية، وقد حملتا في بنيتهما آثاراً عميقة من التاريخ السامي القديم، ثم أعادت كل منهما تشكيل هذا الإرث وفق بيئتها الإفريقية وتطورها الداخلي.
ومن هنا فإن المقارنة بينها لا ينبغي أن تنطلق من فكرة أن الأمهرية أو التغرينية "لهجات عربية"، فهذا غير صحيح علمياً، وإنما من حقيقة أكثر دقة: إنها لغات سامية شقيقة، تلتقي مع العربية في أصول وبنى وخصائص، وتختلف عنها في مسارات تطورها التاريخي.
أولاً: من شجرة واحدة إلى أغصان متعددة:
تنتمي العربية إلى اللغات السامية، وكذلك الأمهرية والتغرينية. وتشكل اللغات السامية الإثيوبية فرعاً مهماً من هذه الأسرة، نشأ وتطور في القرن الإفريقي، بعد انتقال جماعات سامية إلى جنوب البحر الأحمر وتفاعلها مع اللغات والثقافات الإفريقية المحلية.
ومن ثم يمكن أن نتخيل هذه اللغات لا بوصفها نسخاً من بعضها، وإنما باعتبارها أغصاناً خرجت من جذع سامي تاريخي أقدم.
فالعربية تقول:
مَلِك، مَلَكَ، مِلْك، مَمْلَكَة
وتقوم هذه الكلمات على شبكة اشتقاقية واضحة.
وفي الأمهرية نجد .
ملك يساوي مملكة - دولة
وفي التغرينيةنجد.
ملك يساوي دولة - مملكة.
وهنا لا يعني التشابه أن الأمهرية أو التغرينية مأخوذتان من العربية، بل يكشف عن طبقة تاريخية وثقافية ولغوية أوسع، مع ملاحظة أن بعض الألفاظ انتقلت بين اللغات عبر التاريخ، وبعضها يرجع إلى أصول سامية مشتركة.
ثانياً: الجذر السامي والذاكرة المشتركة:
من أهم المفاتيح التي تتيح المقارنة بين العربية والأمهرية والتغرينية مفهوم الجذر.
فالعربية عرفت نظاماً اشتقاقياً يقوم في جانب كبير منه على الجذور الصامتة، ولا سيما الثلاثية، مثل:
ك ـ ت ـ ب
ومنها:
كَتَبَ، كاتِب، مكتوب، كتاب، مكتبة، كتابة.
وتحتفظ اللغات السامية الأخرى بآثار واضحة من هذه الآلية، وإن كانت قد طورتها بطرائقها الخاصة.
ومن الأمثلة التي تستوقف الباحث:
العربية:
ملك
الأمهرية:
ملك
التغرينية:
ملك
وكذلك:
العربية:
سلام
الأمهرية:
سلام
التغرينية:
سلام
والتقارب هنا بالغ الدلالة؛ فكلمة سلام في العربية تقابلها صيغة قريبة جداً في الأمهرية والتغرينية من حيث الصوت والدلالة.
ومن النماذج كذلك:
العربية: كتاب
الأمهرية: مصحف
التغرينية: مصحف
وهذا المثال مهم؛ لأن لفظة
مصحف
ذات تاريخ سامي قديم، وأصبحت في التراث الإثيوبي المسيحي ذات دلالة على الكتاب أو المخطوط، وهي ترتبط أيضاً تاريخياً بالمصطلح العربي مُصْحَف. وهذا نموذج ممتاز لدراسة حركة المصطلح الديني والكتابي بين البيئات السامية.
ثالثاً: العربية والأمهرية: والتغرينية: التشابه ليس تطابقاً
إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الباحث هو تحويل التشابه إلى تطابق.
فالأمهرية ليست عربية، والتغرينية ليست عربية، كما أن العربية ليست أماً مباشرة لهاتين اللغتين بالمعنى التاريخي البسيط. إنما هي لغات متجاورة في شجرة النسب السامي، ثم دخلت في علاقات تماس طويلة مع العربية وغيرها.
وقد أنتج هذا التفاعل ظواهر لغوية شديدة التعقيد؛ فبعض الكلمات قد تكون من أصل سامي مشترك، وبعضها قد يكون انتقل من لغة إلى أخرى، وبعضها قد يكون نتيجة تطور صوتي مستقل.
ولهذا فإن المنهج المقارن الحديث يميز بين:
الموروث المشترك، والاقتراض اللغوي، والتطور الداخلي، والتشابه العرضي.
وهذه التفرقة هي التي تجعل البحث العلمي أكثر صرامة وأبعد عن الأحكام الانطباعية.
رابعاً: البحر الأحمر بوصفه مختبراً لغوياً:
لا يمكن فهم العلاقة بين العربية واللغات السامية الإثيوبية من دون استحضار البحر الأحمر.
فالبحر لم يكن في التاريخ القديم فاصلاً بين الجزيرة العربية والقرن الإفريقي، بل كان طريقاً للتجارة والهجرة والحرب والرحلة والدين.
وقد أدى هذا الاتصال إلى انتقال البشر، ومع البشر انتقلت الأسماء والمصطلحات والعادات والعبارات.
ومن هنا يمكن النظر إلى البحر الأحمر بوصفه مختبراً لغوياً عابراً للحدود؛ حيث التقت العربية بلغات إفريقية سامية وكوشية وغيرها، فتبادلت التأثيرات، واحتفظت كل لغة في الوقت نفسه بخصوصيتها.
خامساً: ماذا قال النحاة البصريون والكوفيون؟
عندما ننتقل إلى التراث النحوي العربي، ينبغي أن نتحفظ تاريخياً: فالنحاة البصريون والكوفيون لم يدرسوا الأمهرية والتغرينية بالمفهوم المقارن الذي نعرفه اليوم، ولم تكن لديهم أدوات اللسانيات التاريخية الحديثة التي تمكّننا من إعادة بناء العلاقات بين اللغات السامية.
لكن آراءهم في نشأة العربية، والاشتقاق، والسماع، والقياس، واللغات واللهجات، والتعريب، واللغات الأجنبية توفر أرضية فكرية مهمة لفهم كيفية نظر التراث العربي إلى ظاهرة التعدد اللغوي.
المدرسة البصرية:
مال البصريون إلى التشدد في القياس وإقامة القواعد على ما ثبت عندهم من كلام العرب الفصحاء، مع عناية كبيرة بالاطراد والعلل والتعليل.
وكان مفهوم القياس عندهم أداة مركزية في بناء النظام النحوي.
ومن ثم فإن الظواهر اللغوية القادمة من خارج العربية لم تكن تُدرَس لديهم وفق مفهوم "العائلة اللغوية" الحديث، وإنما وفق قضايا مثل:
- السماع.
- القياس.
- الشاذ.
- المعرّب.
- الدخيل.
- اختلاف اللغات.
- الاشتقاق.
المدرسة الكوفية:
أما الكوفيون فكانوا، في الجملة، أوسع في الأخذ بالرواية والشواهد واختلاف لهجات العرب، وأقل تضييقاً في بعض مسائل القياس.
وقد جعلهم هذا أكثر احتفاءً بتعدد الاستعمالات اللغوية والروايات، وهو أمر مهم عند دراسة تاريخ العربية وصلتها بالبيئات المجاورة.
لكن ينبغي التأكيد مرة أخرى أن البصريين والكوفيين لم يقولوا، بالمعنى العلمي الحديث، إن الأمهرية والتغرينية فرعان من العربية؛ فإسقاط التصنيف اللساني الحديث على أقوالهم سيكون نوعاً من إسقاط الحاضر على الماضي.
سادساً: فقهاء اللغة ومسألة المعرّب:
كان علماء العربية أكثر وعياً من النحاة بقضية انتقال الألفاظ بين اللغات، ولذلك نشأت مباحث مهمة حول المعرّب والدخيل والألفاظ الأعجمية.
ونجد عند علماء مثل الجوهري، والخليل بن أحمد، وابن دريد، وابن فارس، والجَواليقي، والسيوطي مادة واسعة يمكن الإفادة منها في دراسة العلاقة بين العربية واللغات الأخرى.
وقد بلغ النقاش ذروته في السؤال القديم:
هل في العربية ألفاظ غير عربية الأصل؟
فذهب فريق إلى التشديد في عربية القرآن وألفاظه، بينما أثبت آخرون وجود ألفاظ أصلها غير عربي لكنها دخلت العربية قبل نزول القرآن، فصارت عربية بالاستعمال.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين أصل الكلمة وهوية الكلمة في اللغة.
فالكلمة قد تكون وافدة في أصلها، لكنها تصبح عربية حين تستقر في النظام الصوتي والصرفي والدلالي للعربية.
سابعاً: نموذج "المصحف" و"مَصْحَف" بين العربية واللغات الإثيوبية:
من أجمل النماذج التي تستحق دراسة مقارنة لفظ:
العربية: مُصْحَف
وفي الجعزية والأمهرية والتغرينية تظهر صيغ مرتبطة بالجذر والمفهوم الكتابي:
الأمهرية:مصحف
التغرينية: مصحف
ويكشف هذا النموذج عن أن المصطلحات الدينية والكتابية تستطيع أن تعبر الحدود اللغوية، خصوصاً في البيئات التي ترتبط تاريخياً بالكتاب والترجمة والمؤسسة الدينية.
والأهم أن هذا التقارب يفتح سؤالاً أعمق:
هل نحن أمام اقتراض لغوي متبادل، أم أمام ميراث سامي مشترك، أم أمام طبقات متعاقبة من التأثير؟
والجواب العلمي قد يكون مختلفاً من كلمة إلى أخرى، ولذلك لا يجوز تعميم حكم واحد على جميع المفردات.
ثامناً: نماذج لغوية مقارنة:
العربية| الأمهرية| التغرينية| المعنى
سلام
ملك - نغوس
مملكة- دولة
مصحف- كتاب
مخطوط
أرض
ميدري
بيت
بِت
وتبرز في المثال الأخير بِتْ، وهي صيغة سامية شائعة تقابل العربية بيت، بما يتيح للباحث أن يضعها ضمن المقارنات السامية الأوسع.
تاسعاً: الأبجدية والكتابة:
ومن المسائل التي تستحق عناية خاصة علاقة الكتابة بالتاريخ اللغوي.
فالجعزية طورت نظام كتابة خاصاً بها، ومنه تطورت الكتابة المستخدمة في الأمهرية والتغرينية. وهذا النظام يختلف عن الأبجدية العربية في بنيته وطريقة تمثيله للأصوات.
فالكتابة الجعزية وما تفرع عنها تقوم على نظام مقطعي
- أبوجيدا؛ إذ ترتبط العلامة الأساسية بالصامت، وتتغير هيئتها للدلالة على الحركة.
أما العربية فطورت نظامها الأبجدي الخاص، الذي أصبح من أكثر نظم الكتابة انتشاراً في العالم.
وهكذا نرى أن وحدة الأصل اللغوي لا تستلزم وحدة الكتابة؛ فاللغات قد تتشارك جذوراً تاريخية عميقة، ثم تبني لكل منها نظاماً كتابياً مغايراً.
عاشراً: نحو رؤية مقارنة جديدة:
إن إعادة دراسة العربية في علاقتها بالأمهرية والتغرينية يمكن أن تفتح باباً مهماً في اللسانيات العربية المقارنة.
فالتراث النحوي العربي منحنا أدوات دقيقة في وصف اللغة، واللسانيات الحديثة منحتنا أدوات أخرى لإعادة بناء تاريخ اللغات وصلاتها. وإذا جمعنا بين التراثين أمكننا أن نعيد قراءة كثير من القضايا القديمة بعيداً عن الأحكام القطعية.
فالسؤال لم يعد:
أيهما أقدم؟ وأيهما أخذ من الآخر؟
بل أصبح:
ما الطبقات التاريخية التي صنعت هذا التشابه؟ وما الذي بقي من السامي المشترك في كل لغة؟ وما الذي أضافته القرون من تطورات صوتية وصرفية ودلالية؟
وهنا تتحول المقارنة اللغوية من بحث عن "الأصل" إلى بحث في ذاكرة اللغة.
اللغة ذاكرة الإنسان:
العربية والأمهرية والتغرينية ليست ثلاث جزر لغوية متباعدة، كما أنها ليست لغة واحدة بأسماء مختلفة؛ إنها ثلاث تجليات تاريخية لعائلة لغوية واسعة، تفرعت أغصانها عبر الزمن، وعاشت في بيئات مختلفة، وتفاعلت مع شعوب وثقافات متعددة.
ولعل أعظم ما تكشفه هذه المقارنة أن اللغة لا تحفظ الكلمات وحدها؛ إنها تحفظ مسارات الهجرة، وخرائط التجارة، وذاكرة الأديان، وأصداء الحروب، وعبور الكتب، وحركة البشر بين الضفاف.
لقد جعل البحر الأحمر العربية في حوار طويل مع القرن الإفريقي، وجعلت الأسرة السامية هذه اللغات تتجاور في أعماق بعيدة من التاريخ. أما النحاة البصريون والكوفيون وفقهاء اللغة، فقد تركوا لنا تراثاً ثرياً في السماع والقياس والاشتقاق والتعريب، وإن لم يمتلكوا مفهوم اللسانيات المقارنة بصورته الحديثة.
ومن هنا فإن المشروع الأجدر بالباحث المعاصر ليس أن يبحث عن انتصار لغة على أخرى، بل أن يصغي إلى القرابة العميقة المختبئة خلف الاختلاف؛ فحين نقارن "سلام" العربية الأمهرية والتغرينية، و"بيت" ، و"مصحف" ، فإننا لا نقارن كلمات فحسب، بل نضع أيدينا على شظايا من ذاكرة سامية قديمة، عبرت القرون والبحار، ثم أعادت كل لغة صياغتها بصوتها الخاص.
إن دراسة العربية والأمهرية والتغرينية، بهذا المعنى، ليست بحثاً في اللغة وحدها؛ إنها بحث في أنطولوجيا التواصل الإنساني: كيف يسافر اللفظ، وكيف تتغير الدلالة، وكيف تحفظ اللغة آثار الذين عبروا من مكان إلى مكان، وكيف يمكن لكلمة واحدة أن تكون شاهداً صغيراً على تاريخ حضاري كامل.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين








