عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عامر هشام الصفار: "عشاء عراقي".. بين سيميائية الجوع ووهم الوليمة

قراءة نقدية في قصة بولص آدم

في قصة “عشاء عراقي “للكاتب العراقي بولص آدم والتي نشرتها جريدة القدس العربي الصادرة في لندن مؤخرا، لا يقدّم النص حكاية عن أسرة فقيرة فقط، بل يفتح فضاءً سيميائياً واسعاً تتحول فيه الأشياء اليومية إلى علامات دالة على الفقر، والذاكرة، والكرامة، والخيال. فالقصة لا تُبنى على ما هو موجود مادياً، بل على ما يتم استحضاره غيابياً: الطعام بوصفه علامة، والمائدة بوصفها مسرحاً للفراغ، والذاكرة بوصفها مخزناً بديلاً للواقع.

منذ البداية، تتكثف الدلالة السيميائية للفقر عبر تفاصيل دقيقة: الطحين الذي لم يبق منه سوى “طبقة رقيقة من الغبار الأبيض”، وكيس الرز الذي يحتوي “حبات قليلة تتدحرج داخله”. هذه ليست مجرد أوصاف واقعية، بل علامات على انكماش الحياة المادية إلى حدها الأدنى. فالفراغ هنا لا يدل على نقص غذائي فقط، بل على بنية اجتماعية مأزومة تُنتج الحرمان كحالة مستمرة.

أبو سعد: مركز إنتاج المعنى في الفراغ

تتمحور القصة حول شخصية أبو سعد بوصفه فاعلاً سيميائياً يحاول إعادة إنتاج المعنى داخل عالم منهك. فهو لا يواجه الجوع مباشرة، بل يعيد ترميزه عبر الخيال. حين يقول لحفيدته: “الليلة عندنا عشاء خاص“، فإنه ينقل العائلة من مستوى الواقع إلى مستوى العلامة البديلة، حيث يصبح الكلام بديلاً عن الطعام، واللغة بديلاً عن المادة.

وهنا تتحول المائدة الفارغة إلى علامة مركزية. فهي في ظاهرها دليل على الفقر، لكنها في سياق اللعب الجماعي تصبح فضاءً تخييلياً تُمارس عليه طقوس الوليمة غير المرئية. إن الفراغ ذاته يتحول إلى “محتوى”، وكأن الغياب قد صار حضوراً رمزياً.

الطعام كذاكرة وهوية

الأطباق التي يستحضرها أبو سعد—التشريب، الدولمة، المسكوف، البامية—ليست مجرد أطعمة، بل علامات ثقافية تحيل إلى هوية عراقية جمعية. إنها ذاكرة مجتمع كامل، تُستدعى في لحظة انكسار لتؤدي وظيفة تعويضية. وهكذا يتحول الطعام من حاجة بيولوجية إلى رمز للأنتماء والدفء العائلي.

كما أن أستدعاء السينما، من تشارلي شابلن إلى الأفلام الإيطالية، يضيف طبقة سيميائية أخرى، حيث يصبح الخيال البصري جزءاً من أدوات مقاومة الواقع. فالذاكرة هنا ليست شخصية فقط، بل ثقافية وإنسانية ممتدة.

التواطؤ الجمعي مع الوهم

غير أن أحد أهم الأبعاد السيميائية في القصة يكمن في استجابة الأسرة كلها لهذا الوهم دون اعتراض وتمرد. فالجميع ينخرط في اللعبة الرمزية التي أبتكرها أبو سعد: الابن يطلب المزيد من ورق العنب، الزوجة تمدح الرز، الجدة تشتكي من الفلفل، والحفيدة تتفاعل مع حرارة المرق المتخيل.

هذا التفاعل لا يمكن قراءته بوصفه خداعاً بسيطاً، بل هو تواطؤ جمعي إيجابي مع الوهم، هدفه حماية المعنى لا إنكاره. فالأسرة تدرك غياب الطعام، لكنها تختار تعليق هذا الإدراك مؤقتاً لصالح تجربة وجدانية مشتركة تعيد إنتاج الدفء الأسري.

سيميائياً، يتحول الوهم هنا إلى علامة مزدوجة: فهو من جهة يرمز إلى التضامن، ومن جهة أخرى يكشف هشاشة الواقع الذي يحتاج إلى الخيال كي يُحتمل.

بين المقاومة والرضوخ: مفارقة النهاية

غير أن هذا التواطؤ لا يخلو من إشكالية نقدية أعمق. فذهاب الأسرة إلى النوم على بطون خاوية بعد انتهاء “الوليمة” يوحي بأن الخيال، رغم كثافته العاطفية، لم يغيّر شيئاً في البنية المادية للجوع. بل يمكن القول إنه ساهم في تأجيل الألم بدل مواجهته.

هنا تتحول العلامة السيميائية إلى مفارقة: فالوليمة التي امتلأت بالخيال تنتهي بفراغ حقيقي أكثر قسوة، وكأن الخيال أعاد ترتيب الألم دون أن يلغيه. إن الضحك الذي ملأ الغرفة لا يبدد الجوع، بل يغلفه مؤقتاً بطبقة من الدفء الإنساني.

ويأتي فعل أبو سعد الأخير ليعزز هذا التوتر. فعندما يقول: “غداً سيكون عندنا عشاء حقيقي“، لا يبدو القول إعلاناً عن تغيير بقدر ما هو صيغة دعاء أو تمنٍّ هشّ. إنه انتقال من الخيال الجماعي إلى الأمل الفردي، ومن الفعل الرمزي إلى الانتظار.

خيال يداوي ولا يغيّر

يمكن القول إن قصة “عشاء عراقي “تقوم على توتر دائم بين قطبين سيميائيين:

قطب المقاومة الرمزية عبر الخيال والضحك والذاكرة.

وقطب الرضوخ الضمني الذي يعيد إنتاج الواقع دون اختراقه.

فالخيال في النص يمنح العزاء، لكنه في الوقت ذاته يكشف حدود هذا العزاء. إنه يخلق عالماً مؤقتاً من الامتلاء داخل فراغ حقيقي مستمر. وهكذا لا تبدو القصة مجرد حكاية عن الجوع، بل عن الطريقة التي يتعلم بها الإنسان العيش داخل الجوع عبر اللغة، والذاكرة، والرمز.

وفي النهاية، تبقى جملة أبو سعد الأخيرة معلقة بين الدعاء والانتظار، بين الأمل والعجز، لتلخص جوهر التجربة كلها: أن الإنسان قد لا يملك تغيير واقعه فوراً، لكنه قادر دائماً على إعادة تخييله ولو إلى حين.

***

عامر هشام الصفار

في المثقف اليوم