الحمينية، القصائد والدامغات، جغرافيا القصيدة وذاكرةُ الأدب في اليمن بين حمير والصليحيين والرسوليين والطاهريين والزيدية
ليس «مِخلافُ الشِّعْر» في اليمن مجرد اسمٍ جغرافيٍّ عابر، ولا كلمة «الشِّعْر» فيه مجرد مصادفة لغوية؛ إنما نحن أمام رقعةٍ تاريخية تتقاطع فيها الجغرافيا بالأنساب، والتاريخ بالعلم، واللغة بالشعر، والذاكرة الشعبية بالموروث الفصيح. وهو مخلافٌ مشهور من ناحية النادرة في محافظة إب، وقد ضبطه مؤرخو اليمن بكسر الشين والعين: الشِّعِر، وذكر الحجري أنه كان من أعمال النادرة، وأنه يتصل جغرافياً بمخاليف عمار والعود وخبان، في شبكةٍ من الأودية والحواضر والقرى التي صنعت تاريخ المنطقة الثقافي.
وتشير المصادر المحلية إلى أن اسم المخلاف يُنسب إلى شِعْر بن عدي بن الحارث بن شرحبيل بن مثوب من ذي رعين، أي أن التسمية تستعيد طبقةً حميرية قديمة من التاريخ اليمني. وكان المخلاف يتوزع تاريخياً بين النادرة والسدة وما يعرف اليوم بمديرية الشِّعِر، بما يجعل الحديث عنه حديثاً عن مجال ثقافي أوسع من الحدود الإدارية المعاصرة.
من «الشِّعِر» إلى «الشعر»: حين تحفظ الجغرافيا تاريخ اللغة:
ومن الناحية اللغوية، تثير تسمية الشِّعِر نفسها دلالةً جديرة بالتأمل؛ فاللفظ الذي صار اسماً لموضعٍ جغرافي ارتبط في الذاكرة اليمنية القديمة بذي رعين، يجاور لفظ الشِّعر الذي صار في العربية عنواناً لفن القول الموزون. وليس من الصواب، بالطبع، أن نشتق أحدهما من الآخر لمجرد التشابه الصوتي؛ لكن هذا التجاور اللغوي يمنح المكان مفارقةً ثقافية آسرة: مخلافٌ اسمه الشِّعِر، وفي اليمن نفسه تراث شعري ضخم نشأ في الجبال والأودية والأسواق والموالد والمجالس.
والأدب اليمني لم يكن أدب المدن الكبرى وحدها؛ فقد انتشرت الثقافة في المخاليف والقرى، وحفظت كتب التراجم والجغرافيا أسماء الفقهاء والعلماء والأدباء، وإن كانت المادة المتعلقة بمخلاف الشِّعِر نفسه أقل بكثير من المادة المتوافرة عن صنعاء وزبيد وتعز وصعدة.
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين: لا تتيح المصادر التي أمكن التحقق منها الآن قائمة موثقة طويلة لشعراء كبار نُسبوا صراحةً إلى مخلاف الشِّعِر نفسه في العصور الوسطى، ولا يصح أن ننسب إليه شعراء لمجرد قربهم الجغرافي من إب أو النادرة. وهذه ملاحظة علمية مهمة؛ لأن تاريخ الأدب لا يُبنى على التشابه في أسماء الأماكن، وإنما على النصوص والتراجم والأسانيد.
ومع ذلك، فإن المخلاف لم يكن خارج المجال العلمي والأدبي اليمني، بل كان جزءاً من تلك البيئة التي تداخلت فيها مخاليف ذي رعين، والنادرة، والسدة، ويريم، وخبان، والعود، وبعدان، وهي بيئة أنجبت عبر العصور علماء وأدباء وشعراء وأسهمت في تشكيل الشخصية الثقافية لوسط اليمن.
أولاً: الأدب اليمني في العصر الصليحي:
عند الانتقال من الجغرافيا المحلية إلى التاريخ السياسي، نجد أن الدولة الصليحية (٤٣٩–٥٣٢هـ تقريباً) كانت من أهم المراحل التي تبلورت فيها الحياة العلمية والأدبية في اليمن.
وقد ارتبط الأدب في العصر الصليحي بالثقافة الدينية والسياسية، ولا سيما ثقافة الدعوة الإسماعيلية، وبرز شعراء خدموا الدعوة الصليحية، من بينهم عمرو بن يحيى الهيثمي، والحسين بن علي بن القم، والحسن بن أبي عقامة. وتذكر الدراسات الحديثة أن الهيثمي كان أديباً فصيحاً وشاعراً للداعي علي بن محمد الصليحي، وأن الشعر كان أداةً من أدوات التعبير السياسي والديني في ذلك العصر.
وفي السياق الأوسع للأدب اليمني الوسيط يبرز الحسن بن أحمد الهمداني، صاحب الإكليل وصفة جزيرة العرب، وإن كان سابقاً على الدولة الصليحية؛ فهو من أعظم من جعلوا اليمن موضوعاً للمعرفة واللغة والأنساب والجغرافيا والأدب، ولذلك لا يمكن كتابة تاريخ الثقافة اليمنية من دون استحضاره.
ويظهر كذلك نشوان بن سعيد الحميري، صاحب القصائد والدامغات والاشتغال العميق باللغة والتاريخ الحميري، وهو شاهد على أن الأدب اليمني لم يكن منفصلًا عن سؤال الهوية اليمنية القديمة.
ثانياً: الدولة الرسولية وازدهار الكتابة والشعر:
إذا كان الصليحيون قد أسسوا مرحلة سياسية وثقافية مهمة، فإن الدولة الرسولية (٦٢٦–٨٥٨هـ/١٢٢٩–١٤٥٤م) تمثل واحدة من أكثر العصور اليمنية خصوبة في العلوم والآداب. وقد عُرفت الدولة باهتمامها بديوان الإنشاء والكتابة الرسمية، وكان ذلك مظهراً من مظاهر الاستقرار العلمي والإداري والثقافي.
ومن أبرز أعلام هذا العصر:
محمد بن حُمير الهمداني، شاعر البلاط الرسولي، الذي اتصل بالملك المظفر يوسف بن عمر، ونظم في المديح والوصف والغزل والرثاء والحكمة، وجُمع شعره في ديوان منسوب إليه. ومن أشهر ما وصل من شعره قصائد في المديح النبوي، منها قصيدته التي مطلعها:
«يا صاحبَ القبرِ المقيمَ بيثربِ
عجلاً إلى نقذِ الغريقِ فإنما
يُدعى الكرامُ غداةَ ضيقِ المذهبِ»
وقد كان شعره وثيقة أدبية لعصره، لأنه لم يكن مجرد مدح سلطاني، بل حفظ شيئًا من الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في اليمن الوسيط.
ويبرز كذلك أحمد بن علوان، الصوفي الشاعر والفقيه، صاحب الفتوح المصونة والأسرار المخزونة، وله ديوان شعري يغلب عليه التصوف والمديح النبوي. وقد أصبح شعره جزءًا من الذاكرة الروحية اليمنية، لا سيما في منطقة تعز وما حولها.
لكن الأهم في سياقنا هو أحمد بن فليتة، الذي يمثل لحظة فارقة في تاريخ الشعر اليمني؛ فقد كان كاتبًا في الدولة الرسولية، وشاعرًا أديبًا، ونُسب إليه ديوان ضخم في مجلدين: أحدهما للشعر الفصيح، والثاني للشعر الحميني وما يتصل به من ألوان مثل الساحلي والبال بال والدوبيت، وهو ما يكشف أن الأدب اليمني كان يتحرك مبكرًا بين الفصحى واللغة الشعرية الشعبية.
ومن هنا يصبح الشعر الحميني واحداُ من أعظم إنجازات اليمن الأدبية؛ لأنه لم يكن مجرد «شعر عامي»، بل كان تحولًا في بنية القصيدة اليمنية، وانتقالًا من سلطة النموذج الفصيح إلى لغة الغناء والحياة اليومية.
ثالثاً: الطاهريون والشعر بين الفصحى والحمينية:
جاءت الدولة الطاهرية بعد الرسولية، وكان مركز آل طاهر في بلاد رداع وجبن، ثم امتد نفوذهم إلى تعز وعدن ومناطق أخرى. وفي عهدهم استمرت الحركة العلمية والأدبية، وتداخل الشعر الصوفي بالمديح والحياة السياسية.
ومن أبرز الأسماء في هذه المرحلة أبو بكر العيدروس، الذي عاش في الفترة التي بدأ فيها نجم الدولة الطاهرية بالصعود، واتصل بالملك عامر بن عبد الوهاب الطاهري. وتذكر الدراسات أن العيدروس نظم في الفصيح والحميني، وأنه ألقى بين يدي عامر بن عبد الوهاب حمينية مطلعها:
«أجريتَ يا عذبَ دمعي
وأسْهرتَ بالليلِ مقلتي»
كما ارتبطت به نصوص أخرى في الشعر الحميني، منها:
«بروقُ الحِمى أبرقْ يا روقُ
عسى اللهُ يسقي بك المجدين»
وتكشف هذه النصوص عن استمرار التحول الذي بدأ في العصر الرسولي، حيث لم يعد الشعر اليمني حبيس القصيدة العمودية الفصيحة، بل أخذ يفتح أبوابه أمام الغناء واللهجة والإيقاع الشعبي والتجربة الصوفية.
رابعاً: الأدب الزيدي وشعراء الإمامة
أما المجال الزيدي فقد أنتج تقليدًا أدبيًا وعلميًا بالغ الاتساع، ولا سيما في صنعاء وصعدة وكوكبان وما حولها. ومن أعلام الشعر الزيدي شرف الدين محمد بن عبد الله المتوكل، وشرف الدين يحيى بن شمس الدين، ولهما مؤلفات شعرية ومدائح نبوية، كما تذكر المصادر الأمير أحمد بن عبد الله بن حمزة الذي نظم قصائد عدة، منها: لعل الليالي، وأعيذك أن تنافسني مطالا، ويا خليلاً مولعًا بالوفاء. كما يبرز مسلم اللحجي صاحب كتاب الأترجة في شعراء اليمن.
ثم يأتي في مرحلة لاحقة الحسن بن علي الهبل، صاحب ديوان الهبل، الذي عُدّ من كبار شعراء اليمن، ووصف شعره بالرقة واللطافة وجودة السبك، وقد جمع ديوانه القاضي أحمد بن ناصر المخلافي.
وفي العصر المتأخر يبرز عبد الرحمن الآنسي، وأحمد الآنسي، والقاضي العنسي، والأمير الصنعاني، والشوكاني وغيرهم، حتى غدا الشعر اليمني سجلًا طويلًا تتجاور فيه القصيدة الفصيحة، والحمينية، والمديح النبوي، والتصوف، والحكمة، والغزل، والوصف.
مخلاف الشِّعِر في مرآة الأدب الحديث:
أما إذا انتقلنا إلى العصر الحديث، فإن العلاقة بين مخلاف الشِّعِر والأدب تصبح أوضح في بعض الأسماء المعاصرة.
ومن الأسماء التي يمكن توثيق صلتها المباشرة بالمخلاف عفان محمد علي إسماعيل سليم، المولود في مخلاف الشِّعِر، عزلة القابل، قرية الخراف بمحافظة إب، وهو شاعر وكاتب، وله اهتمام بالشعر الفصيح والنبطي، ومن أعماله المنشورة ديوان «أنا العربي».
أما عبد العزيز المقالح، فهو من كبار شعراء اليمن في العصر الحديث، وُلد في إب، ويحتل مكانة مركزية في الأدب اليمني الحديث، لكن ينبغي ألا ننسبه إلى مخلاف الشِّعِر تحديداً من غير سند جغرافي دقيق؛ فالانتماء إلى محافظة إب أوسع من الانتماء إلى المخلاف. وهذا التفريق ضروري في أي دراسة أنطولوجية جادة.
من الديوان السلطاني إلى القصيدة الشعبية:
ولعل أجمل ما يمكن استخلاصه من تاريخ الأدب اليمني أن الشعر لم يكن طبقةً واحدة.
فثمة:
الشعر الفصيح الذي حفظته الدواوين.
وثمة الشعر الحميني الذي خرج من صرامة الفصحى المعيارية إلى فضاء الغناء.
وثمة الشعر الصوفي الذي جعل القصيدة رحلةً في الروح.
وثمة الشعر الشعبي والنبطي الذي حمل ذاكرة القبيلة والقرية والحب والحرب والمطر والزراعة.
وثمة الأدب التاريخي الذي حفظ أسماء الملوك والعلماء والأمكنة.
ومن هنا فإن «مخلاف الشِّعِر» لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره هامشًا على متن الأدب اليمني، بل بوصفه جزءًا من الجغرافيا الثقافية التي أنتجت اليمن الأدبي.
إن اليمن لم يكتب تاريخه في القصور وحدها؛ بل كتبته القرية، والمسجد، والسوق، والمجلس، والمدرسة، والطريق، والوادي، والجبل. ولهذا بقي الشعر اليمني قادرًا على عبور القرون، من القصيدة الفصيحة في بلاط الصليحيين والرسوليين، إلى الموشحة والحمينية، ومن ديوان العالم إلى أغنية الفلاح، ومن كتب التراجم إلى الذاكرة الشفوية.
حين يصبح المكان قصيدة:
إن مخلاف الشِّعِر، بما يحمله من امتداد حميري، وبما اتصل به من النادرة والسدة وذي رعين وخبان والعود، يمثل صفحة جديرة بإعادة الكتابة في تاريخ الأدب اليمني.
غير أن الإنصاف العلمي يقتضي القول إن قائمة شعراء المخلاف أنفسهم ما تزال بحاجة إلى تحقيق مستقل؛ فالمصادر المتاحة لا تمنحنا حتى الآن ديوانًا جامعًا أو أنطولوجيا موثقة لشعرائه القدامى، ولذلك لا ينبغي ملء الفراغ بأسماء منسوبة إليه بلا دليل. وهذه ليست ثغرة في المخلاف، بل ثغرة في تدوين الذاكرة الأدبية اليمنية.
ولعل المشروع الأجدر بالإنجاز هو إعداد «أنطولوجيا مخلاف الشِّعِر الأدبية»، تجمع شعراء المخلاف وقرّاءه وفقهاءه وأدباءه، وتبحث في المخطوطات، وكتب التراجم، وطبقات فقهاء اليمن، والسلوك في طبقات العلماء والملوك، ومجموع بلدان اليمن وقبائلها، والرواية الشعبية، ثم تصل القديم بالحديث.
فالمكان الذي حمل اسم الشِّعِر يستحق أن نبحث فيه عن شعره؛ لا بوصفه لعبةً لفظية بين «الشِّعِر» و«الشِّعر»، وإنما بوصفه بحثًا في كيفية تحوّل الجغرافيا إلى ذاكرة، والذاكرة إلى لغة، واللغة إلى قصيدة.
وهكذا لا يعود مخلاف الشِّعِر هامشًا في الخريطة اليمنية، بل يصبح مجازًا مكثفًا لليمن نفسه: أرضًا حميرية، وذاكرةً عربية، وروحًا صوفية، ولسانًا فصيحًا وشعبيًا، وتراثًا لا يزال ينتظر من ينفض عنه غبار القرون ويعيده إلى ديوان الثقافة العربية.
***
يقلم: عماد خالد رحمة - برلين








