قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: الجسد بوصفه لغة واللغة بوصفها جرحاً
دراسة نقدية نفسية – بلاغية في قصيدة الشاعرة ناهدة الحلبي
تندرج قصيدة الشاعرة ناهدة الحلبي ضمن أفق الغزل العربي الكلاسيكي، غير أنّها لا تقيم فيه بوصفه مأوى نهائياً، بل تتخذه معبراً لإنتاج خطاب شعري مشحون بطاقة نفسية وإيروتيكية عالية، يتشابك فيها العشق بالوجع، والتلذّذ بالألم، والجسد باللغة، في بنية دلالية مركّبة تتجاوز الوظيفة الغزلية التقليدية.
إننا إزاء نص لا يُقرأ باعتباره تعبيراً عن حالة وجدانية فحسب، بل بوصفه مشهداً نفسياً–جسدياً تُفصح فيه الذات الأنثوية عن وعي عميق بجسدها، وبالرغبة، وباللغة كأداة تعويض، وكساحة صراع بين القيم الموروثة والانجذاب الحسي.
تنطلق هذه الدراسة من مقاربة تكاملية، تمزج بين التحليل النفسي الإيروتيكي والتحليل البلاغي والإيقاعي، للكشف عن آليات الرغبة، وبنية الألم المختار، ووظيفة الصورة، ومكانة التراث العروضي بوصفه حاملاً لا قيدًا.
أولًا: البنية النفسية للذات العاشقة
1. الحب بوصفه احتراقًا داخليًا
منذ المطلع:
"أَضْرَمْتُ قلبي كي يلوذَ بدفئِهِ"
تضع الشاعرة القارئ أمام مفارقة نفسية دقيقة: الاحتراق بوصفه ملاذاً. فالذات لا تطلب الدفء من الخارج، بل تحرق ذاتها لتستدفئ بها، في صورة تعكس وعيًا مأساويًا بالحب بوصفه فعل إيذاء ذاتي واعٍ.
نفسيًا، نحن أمام ذات لا ترى في الحب خلاصًا، بل قدرًا داخليًا، حيث الألم ليس عارضًا، بل شرطًا للمعنى.
2. اللذة بوصفها ألمًا مختارًا
يتكرّر في القصيدة معجم الجرح، السُّقم، القتل الرمزي، والدمع، ما يحيل إلى بنية نفسية قريبة من المازوشية العاطفية، حيث تتماهى اللذة بالألم، ويغدو الوجع وسيلة تأكيد للوجود العاطفي:
حُمِّلتُ جرحًا منذ كتبتُ قصائدًا
فالجرح هنا ليس نتيجة الحب، بل ملازم للقول الشعري نفسه، وكأن الكتابة هي إعادة إنتاج واعية للألم.
ثانيًا: الإيروتيكا بوصفها بلاغة جسدية
1. الجسد المتخيَّل لا الجسد العاري
الإيروتيكية في القصيدة لا تقوم على العري المباشر، بل على التلميح المشبع: الشفاه، القبلة، الوجنتان، الثغر، الرضاب.
هذه المفردات لا تُستعمل استعمالًا تشريحيًا، بل تتحوّل إلى رموز حسّية، حيث اللغة تؤدي وظيفة اللمس، والاستعارة تقوم مقام العناق. إننا أمام إيروتيكا لغوية لا تستفز الأخلاق، بل تستنطق الذاكرة الحسية.
2. الحواس المتداخلة وكيمياء الرغبة:
يتداخل الذوق (الملوحة)، والشمّ (الأريج)، والسمع (الهسيس)، في تواشج حسي واضح:
أَتَطيبُ قُبلتُهُ وثغريَ مالِحٌ
وهسيسُ دمعي في صلاتي أملحُ
هذا التشابك الحسي يعكس، نفسيًا، حالة اندماج كاملة، حيث لا تعود الحواس منفصلة، بل تتحوّل إلى كتلة شعورية واحدة، وهو ما يُعدّ من أعلى درجات التوتر الإيروتيكي في الخطاب الشعري.
ثالثًا: جدلية التعفّف والرغبة:
تحضر في النص مفارقة أخلاقية دقيقة بين العفّة والتعشّق، دون حسمٍ قاطع لصالح أحد الطرفين. فالتعفّف لا يُلغى، بل يُعاد إنتاجه داخل اللغة بوصفه توترًا دائمًا، لأن الرغبة لا تشتدّ إلا في حضرة المنع.
هذا التوازن الهشّ بين الكفّ والانجذاب يمنح القصيدة عمقها النفسي، ويمنعها من السقوط في الإباحية أو الوعظ.
رابعًا: اللغة بوصفها جسدًا بديلًا
1. الشعر كآلية تعويض نفسي
تعلن الشاعرة – ضمنيًا – أن الكتابة ليست ترفًا بل ضرورة:
ما همّني الشعر الموشّى حرفه
هذا النفي الظاهري لقيمة التزويق البلاغي ينقلب، نفسيًا، إلى اعتراف بوظيفة الشعر العلاجية؛ فاللغة هنا تقوم بما يعجز الجسد أو الواقع عن تحقيقه. إنها مساحة تفريغ، وترميم، وإعادة امتلاك للذات.
2. الشفاه كنصّ:
أقرأتُهُ سفر الشفاه تهيُّمًا
تبلغ الاستعارة هنا ذروة كثافتها؛ إذ تتحوّل الشفاه إلى كتاب، والقبلة إلى قراءة، والقراءة إلى فعل امتلاك حسي. إنها لحظة تماهٍ تام بين النص والجسد، حيث لا يعود القول وصفًا، بل يصير فعلًا.
خامساً: البناء اللغوي والإيقاعي
1. اللغة: فخامة بلا افتعال:
ينتمي النص بوضوح إلى تقاليد الغزل العربي الكلاسيكي، من حيث جزالة اللفظ، وسلامة التركيب، وحسن اختيار المفردة التراثية. غير أن الشاعرة تُحسن تطويع هذا الإرث دون تكلّف، فتبدو اللغة حيّة لا متحفية.
2. الإيقاع: موسيقى الانفعال:
يحافظ النص على إيقاع رصين وقافية موحّدة، تمنحه نغمة إنشادية تناسب التوتر العاطفي العالي. صحيح أن الالتزام بالشكل العمودي يحدّ من المغامرة الشكلية، لكنه في المقابل يعزّز الإحساس بالتماسك والاكتمال، ويخدم طبيعة الخطاب الوجداني.
خاتمة:
تقدّم قصيدة ناهدة الحلبي نموذجاً ناضجاً لقصيدة غزلية حديثة في وعيها، تراثية في موسيقاها، جريئة في إيروتيكيتها، وعميقة في بنيتها النفسية. إنها قصيدة لا تحتفي بالجسد بوصفه موضوع شهوة عابرة، بل بوصفه فضاءً دلاليًا، وذاكرة حسّية، وساحة صراع بين القيم والرغبات.
الإيروتيكا هنا ليست خروجاً أخلاقياً، بل إعادة تعريف للحب:
حبٌّ بوصفه جرحاً جميلًا، ووعيًا مؤلمًا، ولغةً لا تصف الجسد… بل تصير جسدًا.
***
بقلم: عماد خالد رحمة – برلين
.....................
ناهدة الحلبي
حَيَّيْتُهُ أَرْوى فَمي تَقْبيلا
لَيْتَ التَحِيَّةَ بُكْرَةً وَأَصيلا
*
يُغْذي عَذابَ المُسْتَهامِ بِجَفنِهِ
أرْنو فَتَرْميني الِّلحاظُ قَتيلا
*
ما هَمَّني الشِّعْرُ المُوَشَّى حَرْفُهُ
ما القلبُ في بُرْءٍ وَكانَ عَليلا
*
رَصَّعْتُ جيدَ البَدرِ مِنْ نَفَحاتِهِ
وَأَريجَ مِسْكٍ للرُّضابِ أُهيلَ
*
جاوَزْتُهُ في الشَّوْقِ بَعْدَ تَحَيُّفٍ
أَرْجو مِنَ الطَّرْفِ الكَحيلِ مَخيلا
*
إِنَّ التَعَشُّقَ لوْ قَضاهُ تَعفُّفًا
لَتَوسَّدَ الكَفَّ القَشيبَ وَعيلَ
*
أقرَضْتُهُ هَوَسَ الحَواسِ وَدُمْلُجًا
وَمِنَ العَقيقِ خَميلةً وَجَديلا
*
سُكْناكَ قَلْبي فالعُيونُ نَواظِرٌ
وَالسِّحْرُ جَفْنٌ يُتْقِنُ التَّسْبيلا
*
إن رُحْتُ أَذكُرُهُ توجَّعَ خاطِري
مُسْتَعْذِبًا سَقْمًا أطالَ حُلولا
*
أقْرَأتُهُ سِفْرَ الشِّفاهِ تَهَيُّمًا
وَلأجْلِ عيْنَيْهِ بُعِثْتُ رَسولَ
*
نَفَحَتْ عَلى وَجَعي نَسائمُ قُبْلةٍ
فَانْداحَ مِنْ حُلْوِ المَذاقِ قَتيلا






