مقاربة بلاغية وأسلوبية وسيميائية وذرائعية ونفسية في قصيدة فوز حمزة
قبل أن نمضي في تفكيك البنى الجمالية والدلالية والإيقاعية في قصيدة «ملكة الجبال»، يجدر بنا أن نصغي إلى النص في كليته؛ لأن القراءة النقدية لا تكتمل إلا حين تضع القصيدة في فضائها الأول، حيث تتجاور اللغة والصورة والإيقاع والرؤية في نسيج واحد. فالنص الشعري ليس مادةً خاماً للنقد، بل هو الأصل الذي تستمد منه القراءة أسئلتها وأدواتها.
ومن هنا نورد القصيدة كاملة، محافظةً على بنائها وروحها وصوت شاعرتها، لتكون أمام القارئ أولًا بوصفها تجربة شعرية مستقلة، ثم نعود إليها محللين مفرداتها، وتراكيبها، ووقفاتها، وتكراراتها، وصورها، وإيحاءاتها النفسية والسيميائية، للكشف عن الآليات التي صنعت شعريتها وأكسبتها قدرتها على التأثير في المتلقي.
نص القصيدة:
ملكة الجبال
لعالمٍ آخر حملتني ملكةُ الجبال...
عالمٌ ينهمرُ المطرُ فيه برغبةٍ مني،
كي يتغيّر لونُ الأرض،
فتصبح بلونِ ظلالِ التين.
ثمّة شحرورٌ يغنّي بحزن،
وشابٌّ يعزف بحماسٍ ومرارة
لحنَ أغنيةٍ قديمة.
ما دام يسري في عروقِنا دمٌ واحد،
ما دامت البئرُ لا تزال تعكس صورةَ البدر،
سيأتي بعد كل ليلٍ نهار،
وشيئًا فشيئًا،
سيأتي بعد كل ربيعٍ شتاء.
بعضُ الموت يثير الأسى،
وبعضُه يثير الضحك.
وأنا أصغي للصوت القادم من الأعماق،
تركتُ حقيبةَ الخطايا خارج السور،
بدفء الغروب المعانق للغسق،
بذراعين مفتوحتين،
وبضحكةٍ فيّاضة.
رأيتُ كيف يحيا الآخرون،
كيف، على حوافِّ الموج، يترنّح
ظلُّ زهرةِ اللوتس،
بينما على الشواطئ،
لحظةَ انتهاء العاصفة،
دون رغبةٍ مني،
يبلّله مطرٌ منهمر...
تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة قصيدة «ملكة الجبال» للشاعرة العراقية فوز حمزة من منظور نقدي متعدد المناهج، يجمع بين البلاغة والأسلوبية والسيميائيات والذرائعية والنقد النفسي. وتنطلق القراءة من العنوان بوصفه عتبة نصية ومفتاحاً تأويلياً، ثم تتتبع مستويات الصوت والتركيب والدلالة والصورة والإيقاع النفسي، للكشف عن كيفية انتقال القصيدة من المكان الطبيعي إلى المكان النفسي، ومن المطر بوصفه ظاهرة كونية إلى المطر بوصفه علامة على التطهر والتجدد. كما تتوقف الدراسة عند إشكالية قصيدة النثر، ومقدار قدرتها على إنتاج إيقاع بديل عن الوزن، قائم على التكرار والتوازي والوقفات وتوتر الدلالة.
الشعر حين يتحول المكان إلى مرآة للروح
ليست الطبيعة في الشعر العظيم منظراً يُرى من الخارج، وإنما كائناً يُرى من الداخل. وحين تدخل الجبال والمطر والبئر والبدر والعاصفة إلى القصيدة، فإنها لا تعود عناصر في مشهد طبيعي، بل تتحول إلى علامات نفسية ووجودية تعكس قلق الإنسان ورغبته في العبور من حال إلى حال.
من هذه المنطقة الجمالية تنبني قصيدة «ملكة الجبال» لفوز حمزة؛ فهي لا تكتب الجبل بوصفه تضريساً جغرافياً، وإنما بوصفه مقاماً للارتقاء، ولا تكتب المطر بوصفه ماءً هابطاً من السماء، وإنما بوصفه احتمالاً للتطهر والولادة الجديدة.
إن عبارة:
«لعالمٍ آخر حملتني ملكةُ الجبال...»»
تؤسس منذ البداية انتقالًا من العالم الواقعي إلى عالم شعري بديل. وهذا الانتقال هو جوهر التجربة؛ إذ تصبح القصيدة نفسها جبلًا رمزياً تصعد إليه الذات لكي ترى العالم من علوّ مختلف.
وتنبغي الإشارة هنا إلى أن قصيدة النثر لا تستمد مشروعيتها من غياب الوزن وحده، وإنما من قدرتها على خلق نظام إيقاعي ودلالي وجمالي بديل. فحين تغيب الموسيقى العروضية لا يجوز أن يغيب الإيقاع، وحين تتحرر القصيدة من القافية لا ينبغي أن تتحرر من ضرورات الانسجام الداخلي.
فوز حمزة: استعادة الصولجان في محراب الشعرية
تكشف تجربة فوز حمزة عن حساسية شعرية تنحاز إلى الخيال والطبيعة والإنسان والذاكرة، وتؤمن بأن الكتابة فعل ثقافي يتجاوز إنتاج النص إلى المشاركة في صناعة المشهد الأدبي.
ويكتسب حضورها الثقافي أهمية إضافية من خلال إدارتها «مملكة العشق في سماء الأشعار»، وما تضطلع به من دور في نشر الثقافة والأدب والفكر. ومن هنا يمكن النظر إلى لقب «الملكة» في القصيدة لا بوصفه مجرد استعارة، وإنما باعتباره تمثيلاُ رمزياً لسلطة الشعر حين تستعيد اللغة قدرتها على خلق عالم موازٍ.
إنها لا تستعيد الصولجان لتفرض سلطتها على القصيدة، بل لتعيده إلى محراب الشعرية العربية؛ حيث لا تكون السيادة للوزن وحده، ولا للنثر وحده، وإنما للقدرة على صناعة الشعر.
العنوان: العتبة النصية الأولى
يؤسس عنوان «ملكة الجبال» علاقة مركبة بين الأنوثة والعلو، السلطة والطبيعة، الذات والمكان.
فالملكة علامة على السيادة، والجبال علامة على الثبات والارتفاع والشموخ. ومن ثم فإن العنوان يضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام شخصية شعرية لا تقف في سفح العالم، بل تعتلي قمته الرمزية.
ويتأكد هذا التأويل في المطلع:
«لعالمٍ آخر حملتني ملكةُ الجبال...»
فالملكة هنا تتحول إلى قوة ناقلة، والجبال إلى وسيلة عبور. إن الذات لا تصعد الجبل، بل يحملها الجبل؛ وهذه المفارقة تمنح المكان قدرة فاعلة، وتجعل الطبيعة شريكاً في تشكيل الذات.
الإيقاع والمعمار الصوتي:
لا تنتظم القصيدة على وزن خليلي محدد، لكنها لا تخلو من الموسيقى. إنها تعتمد ما يمكن تسميته إيقاع الرؤية والدلالة.
ويظهر ذلك بوضوح في التكرار:
«ما دام يسري في عروقنا دمٌ واحد،
ما دامت البئر لا تزال تعكس صورة البدر»
فالتوازي بين «ما دام» و«ما دامت» يخلق انتظاماً صوتياً وتركيبياً، بينما يربط بين الدم والبئر، وبين الإنسان والطبيعة.
ثم يأتي التكرار الأكثر وضوحاً:
«سيأتي بعد كل ليلٍ نهار،
وشيئًا فشيئًا،
سيأتي بعد كل ربيعٍ شتاء.»
إن تكرار «سيأتي» لا يؤدي وظيفة إيقاعية فحسب، بل يتحول إلى فعل مقاومة لليأس؛ فالمستقبل هنا ليس زمنا ًنحوياً فقط، وإنما أفق نفسي للخلاص.
أما عبارة «وشيئاً فشيئاً» فتؤدي وظيفة إيقاعية ونفسية في آن واحد؛ إذ تبطئ حركة الجملة لتجعل القارئ يشعر بالتدرج نفسه الذي تقوله العبارة.
المستوى الفونولوجي: حين تسمع القصيدة قبل أن تفسرها
يتيح المستوى الفونولوجي قراءة القصيدة بوصفها بنية من الأصوات المتآلفة والمتعارضة. فالأصوات اللينة والممدودة في ألفاظ مثل:
«المطر، الأرض، ظلال، التين، شحرور، البدر»
تمنح النص انسياباً موسيقياً يتناسب مع المشهد الطبيعي، في حين تكتسب بعض الكلمات ذات الأصوات الأشد صرامة، مثل:
«الخطايا، السور، العاصفة»
طاقة صوتية تتلاءم مع لحظات التوتر.
وهكذا لا يكون الصوت مجرد غلاف للمعنى، بل يصبح جزءاً من إنتاجه. فحين تقول الشاعرة:
«تركت حقيبة الخطايا خارج السور»
تتقاطع القسوة الصوتية في الخاء والطاء والقاف مع الدلالة النفسية لفعل التطهر.
التكرار والجناس والتوازي
لا يقوم النص على كثافة المحسنات البديعية التقليدية، ومن ثم فإن الحديث عن الجناس ينبغي أن يكون حذرًا. والأبرز فيه هو التوازي التركيبي والتكرار الدلالي والمجانسة الصوتية.
ويظهر التوازي في:
ليل - نهار
ربيع - شتاء
الموت - الحياة
الحزن - الضحك
العاصفة - المطر
وهذه الثنائيات لا تعمل باعتبارها أضداداً منفصلة، بل باعتبارها حلقات في قانون واحد: قانون التحول.
ولهذا فإن:
«بعض الموت يثير الأسى،
وبعضه يثير الضحك.»
تبدو للوهلة الأولى مفارقة غرائبية، لكنها سرعان ما تنسجم مع المنطق الداخلي للنص؛ فالموت ليس صورة واحدة، وإنما تجربة تتعدد وجوهها بحسب علاقتها بالذات والذاكرة.
اللغة والأسلوب والانزياح
تتميز لغة القصيدة بسلامة عامة وفصاحة واضحة، وتستفيد من المعجم الطبيعي دون الوقوع في الوصف الفوتوغرافي.
وفي:
«فتصبح بلون ظلال التين»
نجد انزياحاً تصويرياً لافتاً؛ فالأرض لا تأخذ لون التين ذاته، وإنما لون ظلاله. إن انتقال اللون من الشيء إلى ظله يفتح الدلالة على منطقة أكثر حلمية، ويحوّل الواقع إلى صورة نفسية.
وفي:
«ظل زهرة اللوتس»
لا تعود الزهرة مجرد نبات، بل تصبح علامة على الجمال الخارج من الماء، وعلى الحياة التي تنهض من بيئة مضادة لها.
التركيب والعلاقات الإعرابية
تتأسس القصيدة على تنوع نحوي يخدم حركتها النفسية.
في:
«سيأتي بعد كل ليل نهار»
«سيأتي» فعل مضارع مرفوع، و«بعد كل ليل» ظرف زمان متعلق بالفعل، أما «نهار» فهو فاعل مؤخر مرفوع، وتأخيره يمنحه بؤرة دلالية؛ إذ لا يظهر النهار إلا في نهاية الجملة، تماماُ كما لا يأتي الخلاص إلا بعد الليل.
وفي:
«تركت حقيبة الخطايا خارج السور»
«حقيبة» مفعول به منصوب، و«الخطايا» مضاف إليه مجرور، و«خارج السور» ظرف ومضاف إليه.
أما:
«ما دامت البئر لا تزال تعكس صورة البدر»
فإن «البئر» اسم «دامت» مرفوع، وجملة «لا تزال تعكس...» في محل نصب خبرها، و«صورة» مفعول به، و«البدر» مضاف إليه.
وتكشف هذه البنية عن وعي تركيبي جيد، مع إمكان تشذيب بعض الجمل الطويلة ترقيمياً لتقوية الوقفة الشعرية دون المساس بروح النص.
البعد السيميائي: من الأشياء إلى العلامات
تتأسس القصيدة على شبكة من العلامات:
الجبل: العلو والثبات.
المطر: التطهر والتجدد.
البئر: العمق والذاكرة.
البدر: الاكتمال والنور.
السور: الحد الفاصل بين الماضي والحاضر.
حقيبة الخطايا: عبء الذاكرة والذنب.
اللوتس: الانبعاث.
العاصفة: الأزمة والتحول.
وهكذا تتحول الطبيعة إلى معجم رمزي للروح.
الرغبة والآخر: قراءة لاكانية
من منظور نفسي لاكاني، لا تُفهم الذات منفصلة عن الآخر وعن اللغة. وتبدو القصيدة في أكثر من موضع مشدودة إلى سؤال الرغبة: ماذا تريد الذات؟ وما الذي تريد التخلص منه؟
تقول:
«وأنا أصغي للصوت القادم من الأعماق»
إن «الأعماق» هنا يمكن أن تُقرأ بوصفها استعارة للداخل النفسي؛ حيث لا يعود الصوت خارجياً، وإنما يصبح نداءً صادراً من منطقة مكبوتة أو غير مكتملة في الذات.
ثم تقول:
«رأيت كيف يحيا الآخرون»
فتظهر الذات أمام مرآة الآخر. إنها لا تكتفي بأن ترى العالم، بل ترى نفسها من خلاله.
والأكثر دلالة:
«دون رغبة مني»
فالتنصل من الرغبة يكشف مفارقة نفسياً: فالذات تقول إنها لا تريد، لكنها تظل داخل بنية الرغبة؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يخرج من الرغبة بمجرد نفيها.
الذرائعية وتأثير القصيدة في القارئ
لا تكتفي القصيدة بإنتاج جمال لغوي، بل تحمل رسالة ضمنية قوامها الأمل والتطهر وقبول التحول. وهذا هو بعدها الذرائعي؛ فالنص يتوجه إلى قارئ يعيش، مثل الذات الشعرية، داخل عالم تتناوبه العاصفة والمطر، الليل والنهار، الفقد والرجاء.
ومن هنا فإن عبارة:
«سيأتي بعد كل ليل نهار»
تتحول من جملة وصفية إلى رسالة تداولية؛ إنها تفعل في القارئ ما تقوله: تمنحه احتمال الأمل.
البنية الفنية والجمالية: قصيدة العبور
تتحرك القصيدة وفق مسار دائري متصاعد:
العالم الآخر - المطر - الأرض - الذاكرة - قانون التعاقب - الموت - الأعماق - الخطيئة - التطهر - الآخر - العاصفة - المطر.
وهذا البناء يمنح القصيدة وحدتها الداخلية.
واللافت أن الخاتمة تعيدنا إلى المطر، لكن المطر في البداية كان يأتي «برغبة مني»، بينما يأتي في النهاية:
«دون رغبة مني،
يبلله مطر منهمر...»
وهنا تحدث النقلة الأعمق في النص: من إرادة السيطرة إلى قبول الحياة.
خاتمة نقدية
تنجح فوز حمزة في «ملكة الجبال» في بناء قصيدة نثر لا تجعل غياب الوزن غياباً للموسيقى، ولا تجعل انفتاح الشكل انفلاتاً من ضرورة البناء. فإيقاعها يتخلق من التكرار والتوازي والوقفات والتضاد والصورة والإيقاع النفسي.
والقصيدة، في جوهرها، ليست عن الجبال وحدها، بل عن الإنسان الذي يصعد إلى أعالي ذاته؛ وليست عن المطر وحده، بل عن الماء الذي يغسل الذاكرة؛ وليست عن العاصفة وحدها، بل عن لحظة انكشاف ما بعدها.
إن أجمل ما في التجربة أن الشاعرة لا تنتهي إلى خلاص جاهز، وإنما إلى حكمة شعرية أكثر عمقاً: ليس كل ما يحدث لنا مرهوناً برغبتنا، وربما تبدأ حريتنا حين نتخلى عن وهم التحكم في كل شيء.
وهنا تستعيد القصيدة صولجانها الحقيقي: لا من سلطة الوزن، ولا من زخرفة اللغة، بل من قدرتها على أن تجعل اللغة تفكر، والصورة تشعر، والإيقاع يتنفس، والقارئ يعيد اكتشاف نفسه داخل النص.
***
بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين








