توطئة لابدّ منها:
(رابعةُ الأثافي) ديوانٌ يعومُ انثيالُه الإبداعيّ داخل مساحةٍ تجنيسيّةٍ إشكاليّةٍ واسعةِ النظر والتنظير والتظهير. وهي مساحةُ قصيدةِ النثر الحداثية الّتي تسعى دائبةً إلى توطينِ ذاتِها خارجَ جدالِ التبعية الشِّعرية الفارِضةِ بعضَ الوصايةِ أو كلّ الوصايةِ على القول الشّعري.
ونحن في هذا السياقِ، سياق مقاربة ديوان (رابعة الأثافي) لا نخوضُ في إشكالية التعريف والتحديد والماهية، وإشكالية الاختلاف بين رفضِ قصيدة النثر أو قبولها، فهذا بابٌ طُبِخَ درسًا وتمحيصا، ولا نفعَ في زوبَعَتِه الآن... ومع ذلك سنسطّر في هذا الشأن ما يخدم اتّجاه المقاربة في تحليل متنِ الديوان الشعري بهدف الإضاءة لا بهدف المناظرة.
وقصيدة النثر في (رابعة الأثافي) ترقى بالنوعِ النّثري إلى مراقي الشعر وتسمو به إلى سديمه، في تميّزٍ بائنٍ بينونةً كبرى يدرك معه القارئُ تميّزَ الصوغِ الشعريّ البعيد كل البعدِ عن شعر التفعيلة وقصيدة النثر في بدايات تجلّيها. بمعنى أن (رابعة الأثافي) تصنع لذاتِها انخراطًا فنيًّا مسؤولًا يقول بالماهية في حريةِ الإبداع وخصوصيته.
إننا نظلم قصيدة النثر الحداثية عندما نُحاكِمُها من داخل التراث، إنها بحكم تعلّقها بالنثر تفرض علينا قراءتها داخل هذا المنظور. وهذا في نظرنا المتواضع فيصلٌ نقديٌّ جادٌّ لقراءة قصيدة النثر الحداثية بشكلٍ عام، وقراءة (رابعة الأثافي) بشكل خاص، وقراءة ما جرى مجراها، إنصافًا للنوع وتقريبًا للمفاهيم وتنسيبًا للمخرجات.
الديوان:
(رابعةُ الأثافي) إنجازٌ شعريٌّ حداثيٌّ مشتركٌ بين صوتيْنِ متمايزيْنِ على عدّة مستويات:
- مستوى النوع، وفيه يتجلى قول المذكر وقول الأنثى في غير قصديّةٍ أو تخطيط، اللهم سديمُ تجانسٍ روحيٍّ فرض هذا الانثيال الجمالي الوازن.
- مستوى الأرومة... فالديوان منجزٌ شعريٌّ مشتركٌ بين شاعرٍ مغربيٍّ وشاعرة سوريّة. وفي هذا التمايز إمكانُ غنىً وثراءٍ للديوان وللرؤية الشعرية وللرؤيا معا...
و الديوانُ في الأصل بعيدٌ كل البعد عن مفهوم "المُعارضة" كما انطبعتْ في أذهاننا النازحة من التراث والقائمة على التشابه في موضوع القصيدتين وفي وزنهما وقافيتهما ورويّهما... إن الأمر يتعلق بوعيٍ فنيٍّ يرسل فيه الشاعرُ القصيدة وتعطفُ عليه الشاعرةُ بقصيدة أخرى بتواصلٍ فنيٍّ يرومُ نسج الجمالِ في ثوبِ الدهشة أكثر من روْمِهِ خلق تناظرٍ أو تعارضٍ أو تجانس بين القصيدة الفاعلة وبين القصيدة المنفعلة...
و الأمر في هذا النزوع الشعري لا يتعلّق بالمحاكاة بتاتًا، ذاك أن المعارضة في التراث ترتبط أساسًا بالشكل، فيما هي في القصيدة النثرية الحداثية لا تتسمّى بهذا الاسم أوّلًا ، وتتجلى في لبوسات تختلف من قصيدة إلى أخرى ثانيا... إنها تنأى بذاتِها عن فكرة الغرضِ الشعري، وتتعلق أساسًا بالرؤيا والكشف والمحاورة.
في الاحتراز المنهجي:
أول الاحترازات المنهجية في هذا المنجز النقدي هو أننا نتعامل لا مع نص واحدٍ متجانسٍ في ذاتِهِ لشاعر واحد، وإنما نتعامل مع عمل شعريٍّ مشترك بين شاعرٍ وشاعرة، يختلفان في كل شيء، ويلتقيان في قصيدة النثر. وهذا يشي بتوتّر مقولات التجانس بين القطبيْن. أمّا مقولاتُ التشعّب فهي أمر واردٌ جدًّا بل هي شأنٌ قاعِديٌّ باعتبارِها درجة البدءِ في التناول.
فأن نتناول متْنًا شعريًّا حداثيًّا موقّعًا من طرفيْن مختلفيْن في جنس الكينونة وفي نشأةِ الكينونة، وفي ملامح أخرى عديدة، معناه أننا نرومُ مغامرةَ أدبيةً تعومُ في مقولة الاختلاف والتمايز والتشعب الذاهِبةِ مذهب الاستشكال المنهجي أكثر منها إلى انسيابيته وتراخيهِ بين أيدينا الشارحة والمُشرّحة. فنحن لا نقضمُ من قطنٍ بقدر ما ننحتُ من صخر أثناءَ قراءتنا لهذا التوقيع الشعري الثنائي المنفلت.
من هنا ضرورة التناول في أفق مراعاة الأسئلة التالية:
- هل المشترك هدمٌ لسلطة الكاتب الواحد؟
- لكل مبدعٍ صوته... فهلِ الصّوتانِ معًا شرطٌ إضافيٌّ للزيادة في النبض والإشراق والخلق الشّعري؟
- في منهج التناول:
سنحتكم إلى فعل نقدي ثنائيِّ الأبعاد في تصوّرٍ يستدعِي تظافر نتائج أدوات درس العلامة سيميائيًّا، وكذا مخرجات درس التأويل، علمًا أن سياقات التحليل قد تفرِضُ بعض الاتجاهات النقدية الأخرى التي نعضد بها قراءتنا ونستأنِسُ بها في مقاربتنا...
تقديم الديوان:
في تجربة شعرية جديدة تجمع خمسَ عشرة قصيدة، للشاعر (عبدالرحمن بوطيب) ومثلُها للشاعرة (روضة الدخيل) في مجموع ثلاثين قصيدة، تؤثّت صفحات الديوان البالغة في مجمله مائة وأربع عشرَة صفحة، من الحجم المتوسّط والصادر عن منشورات النورس، عام 2026.
تتحاور النصوص الشعرية بالتتابع، في نسقٍ فنيٍّ يردُّ نصٌّ على نصٍّ آخر من بداية الديوان حتى نهايته. وفيه يبدأ الشاعر (عبدالرحمن بوطيب) بالقول في تيمةٍ محدّدة، ثم تعقبه الشاعرة (روضة الدخيل) بالرّد، وإن شئنا قولًا دقيقًا ومنصفًا نقول: إنها تعقّب بالتفاعل.
و هما في هذا الديدنِ المشترك لا يقولان لمجرد القول الشعري بقدر ما هما يبنيان إمكانَ قصيدة النثر الحداثية داخل وضعٍ تجريبيٍّ عامرٍ باسطيطيقا المغامرة الماتحة جماليتها من تركيب حواريٍّ كيميائيٍّ مدهشٍ يرسم أكثر ممّا يقول، ويشكّل أغزرَ ممّا ينْظِم.
هكذا ينثال الديوان على شكل حوارية شعرية مفتوحة تقضِمُ مادّتها من مجموعة من الموضوعات الشعرية التي تبحث عن الإنسان في قلقه الجمالي عبر ملامسة قضايا الوطن والحب والمكان والزمان والتاريخ ...
المقاربة
1 - نظام العلاقات:
نعتبر ديوان (رابعة الأثافي) قيمةً مضافةً لقصيدة النثر الحداثية العربية النازحة من معينيْنِ مختلفين متجانسيْن، ونقصد معين النزوح المغربي ثم معين النزوح السوري. وفي كلٍّ ثراء، وفي كلٍّ خصوصية تعلن عن اختلافها الجغرافي لتصبّ في تجانس الانتماء الروحي.
من هنا فالديوان ليس تمريناً يروم الخروج عن سلطة الوزن العربي القديم، بقدر ما هو استبدالٌ فنيٌّ لمفهوم البحر الخليلي بمفهوم الفراغ المرتبط بمقولة البياض والتفضية المرتبطين أيضًا بهندسة النص الشعري حيث تكون المسافات البصرية لا تسطيرًا ناشفًا بقدر ما هي بابٌ لإنتاج عوالم من الرؤيا تعيد تعريف الشعر خارج المعيار.1
و من ثمة فالشعر انطلاقًا من هذا الديوان هو حدثٌ معرفيٌّ وجماليٌّ تتواطأ فيه اللغة مع الفضاء مع الرؤيا لإنتاج العلاقات الشعرية والوجودية البعيدة في اجتراح الدلالة المعانقة لسحر الغموض الدلالي الوظيفي المشفّر والحامل ضمنيًّا لبعض المفاتيح لقراءته موضوعيًّا حتى لا يشطّ في دوائر الغموض المتسيّب.
ينطلق كلّ من الشاعر(ع ب) والشاعرة (رد) من اعتبار القصيدة عالمًا من العلاقات لا عالما من المفردات المعتقلة داخل صرامة القاموس:
هات ما لديك من المحن
ففي المفردات ألوان
وإن عمي البصر ... 2
و هي العلاقات التي لا تعيد نظام العالم القائم ولا وصفه وتوصيفه. إنها العلاقات التي تقيم في اللغة المتجلية لا اللغة الآلة. والتجلي هنا ليس بيانًا فحسب وإنما وأيضًا هو انثيالٌ من القصيد في القصيد وفي الماحول بقدرة جمالية قادرة على إحداث الرجفة في الوعي، لا الاكتفاء بالدغدغة المجانية لوجدان المتلقي العربي وغير العربي. ولعل أقرب ما يصدّق دعوانا هاته قول الباحث عبدالعزيز المقالح (تتمثل قصيدة النثر كإبداع في علاقتها بفكرة إنسانية يعيشها إنسان. إنها فعلٌ اختراقيٌّ في الجوهراني من العناصر لا فعلُ لعبٍ بالشكلاني). 3
و العلاقات في الديوان متعددة الوجوه وحمّالة لكثير من الدلالات، ولا نقصد بها ما هو مستهلك كعلاقة الذات بالماحول، وإنما نقصد المكونات والعناصر المؤسسة للُحمة الديوان كاللغة والرمز والإيقاع والأسطورة وما جرى في هذا التكوين الشعري الحداثي الموسوم بالاختراق وتكسير المألوف لا الراقد في مقولات الشبه.
2 - اشتغال رابعة الأثافي:
كيف يشتغل الديوان في داخله؟ وكيف تتجانس مكوناته اللغوية والرمزية والإيقاعية والأسطورية المتشعّبة في بناء الأثرالجمالي؟
ليس ديوان (رابعة الأثافي) هيكلًا نظرياً جافًّا وصارِمًا وبارِدا... بل هو كينونة حيّة تنبض خلاياها بالمعنى النازح من جوانية المبدع (ع ب) والمبدعة (ر د)، وهو المعنى الذي لا يفرض على المتلقي سلطة التأويل بقدر ما يفتح أمامه فائض المعنى وفيض المعنى بدل المعنى الأوحد الذي يمسك بأزمّة التأويل في صورة التلقي المشوّه.
من هنا فالملفوظ اللسني في (رابعة الأثافي) يصبح علامةً لا تحيل إلى الشيء مباشرة، وإنما تحيلُ إلى سلسلةٍ لا تنتهي من التأويلات. وفي هذا الأفق السيميائي، تغدو قصيدة النثر شبكةً من العلامات المتداخلة، لا يُقرأ فيها الرمز منفرداً ومعزولا عن سياقاته الممكنة، ولا الصورة مستقلة نازلة من مجال معرفي متعالٍ، ولا الأسطورة بوصفها زينةً ثقافية أو زخرفًا يستجدي التاريخ، بل باعتبارها وحداتٍ عضويةً تدخل في صميم الإبداع الشعري وتشترك جميعها في إنتاج المعنى وفائض المعنى المتجه نحو ممكنات التأويل.
أنظر كيف وظّف الديوان شخصية عنترة بن شداد:
خذْ من حروفك رحيل كُحلِيّ ابن زبيبة
خذ تيه ضليل
لا وقوف
لا بكاء
لا رسوم
لا أثاف... 4
فعنترة يسكن في الذات المتكلمة ويسكن في وجدان المتلقي. وكذا يسكن فيهما السموأل وعروة بين الورد وغيرهما من العلامات الأسطورية الموظّفة بذكاء حداثي في الديوان، حيث لا مسافة بين الحاضر والتاريخ. وحيث لا مسافة بين إفراد عنترة كالبعير المعبّد وبين الذات المتكلمة المبعدَة من سياقاتها الثقافية. التجربة الأسطورية تتكرر هناك وهنا، بحيث تفقد معناها إذا حاصرها المتلقي في اعتبارها ظلًّا تاريخيا يهب الديوانَ بعض الحكمة أو بعض الحضور...
ثم تعطف الشاعرة (ر د) على هذا الانزياح الأسطوري بلغة تقترب من التجلّي النقدي أكثر منها إلى البلاغي. قالت:
انتق ما طاب لك
من أساطير الحكايا
في الوغى نحن الصهيل
و (نحن أبناء يعرب)
نقارع الرمال والغبار...5
و في هذا التوظيف تردم الشاعرة (ر د) المسافة بين الحاضر حيث مقارعة الرمال والغبار، وبين التاريخ حيث الصهيل. ونكاد نشتمّ في شجبِها الارتماء في أحضان الأسطورة بحثًا عن حلٍّ حضايٍّ لأزمة الراهن بعض السخرية المُمضّة والواخزة والمعلنة أن الأفقيْنِ معًا، الماضي والحاضر، الأسطورة والراهن هما أفقان يعجّان بالخواء والصهيل، وينطقان فقط بالخيبة والأحلام المفلسة... للاستزادة أنظر الصفحة 27 من الديوان.
و الخلاصة أن الديوان لا يستدعي بوسيدون أو نيرون أو عنترة أو أدونيس ليزخرف ذاته الإبداعية بأسماءٍ عامرة بالرّنين التاريخي، وإنما ليستثمر الشحنات الرمزية الكامنة فيها، بإعادة تشكيلها داخل سياقٍ جديد ومختلف، تصبح فيه الأسطورة لغةً ثانيةً تنوب عن اللغة الآلة في التعبير والبيان وصناعة الإدهاش...
3 - الصورة في رابعة الأثافي:
يستدرج الديوانُ المعنى استدراجًا ذكيًّا وهو يمنحه مساحاتٍ واسعةً من التوتّر بين أطراف ثنائية أذكى، تعجن الحضور في الغياب، والإفصاح في الكتمان، والقول في الصمت. وفي هذا الاستدراج الفني تنمو اللغة في الظل بمفهومه الوارف أكثر مما تنمو في الضوء... وينعكس هذا الخيار الإبداعي بالتالي على مناطق الصورة الشعرية التي لا تقوم على تسجيل الواقع ونقلِ اشيائه كما هي، بقدر ما تقوم على إعادة خلق هذا الواقع لينمو كيانًا أدبيًّا داخل المخيلة. بل يتناسل شأن هذه الصورة ولادةً جديدةً في كلّ لحظة قراءةٍ يمارسُها القارئ، سواء أكان قارئًا ذاتيًّا أم خارجيًّا أم ضمنيًّا. وفي هذا التناسل الإبداعي تتحول الصورة من محسّن بلاغي إلى أداة معرفية منبثقة تنثالُ منها وفيها موجوداتٌ لغويةٌ نازحةٌ من الطبقات الخفية من هذا الّذي نسمّيه "الوعي"...
و لنضرب لذلك أمثلة من الديوان، تمثيلًا لا حصرا... فهي التي أملتْ علينا هذا التخريج النظري:
قال الشاعر (ع ب):
فجرٌ تنحّى عن طريق
هو الليل ليل لا يرحل يا رفيق
عوتْ ذئاب
تشظّت قوافٍ جريحة
زفرَ نظمٌ شهقةَ غيابٍ في غاب - 6
قالت الشاعرة (ر د):
صقيعٌ
يجتاح تضاريس الروح
تتصلّب في لساني
صرخة البوح
و في بحيرة الفكر يموج
نوحٌ وهذيان - 7
يبني الديوان في كلٍّ من حالة الشاعر (ع ب) والشاعرة (ر د) الصورة الشعرية بشكلٍ لا يعيق هذه الطفرة الممكنة في انثيال النفس خارج نسق الانغلاق. أي أن هذه النفس تشتغل دائما في الداخل عبر مقولة التخيّل لبناء صورة شعرية تتمثل أساسًا في إعطاء العالم شكله الجديد... فمخيالُ الشاعر (ع ب) يمسك بمقولة (الفجر) يفرغُها من تمثلات المتلقي المرتبطة بالزمن، ثم يحشرها في سديم الكينونة المتشيّئة عبر فعلِ (تنحّى). وهو فعلٌ على بساطته نجده قد مكَرَ بالصورة أيّما مكر، وهو يحوّل مجرى التخييل من سحر البيان إلى قوةِ البرهان. ومن ثمّة تكون الصورة إعادةً جماليةً لشكل العالم حيث الفجر كائنٌ يتنحّى والليل يمارس فعل الرحيل، والقوافي جريحة، والنظمُ يرسل الشهقة في الغياب،و الغياب سديم مقروءٌ في مساحاتِ الغاب، والغاب ظلمناه إن وصفناه في قبضة الفضاء... عالمٌ جديدٌ يمتطي مركبة الخيال المنفتحة والمراوغة تنحى بالتأويل منحىً الدلالة الجديدة البانية للقصيدة المدهشة التي وصفها المفكر غاستون باشلار قائلًا (القصيدة اندهاش بشكل دقيق جدا على مستوى الكلام، داخل الكلام وبواسطة الكلام حيث القصيدة حرّةٌ إزاء ذاتِها تعتمد على قوى اندفاعها الخاص، فتيّة دون توقّف على شاكلة طائر الفينيق، ذاك الطائر الأسطوري المنبثق من رماده الخاص) - 8
في الضفّة الأخرى تكون الصورة الشعرية في قبضة الشاعرة (ر د) نتاجًا لحظيًّا لنفسيتها عند مركز الذات (تتصلّب في لساني) في غير تجرّدٍ عن سياق الماحول (و في بحيرة الفكر يموج نوحٌ وهذيان). هكذا ينبجس المكان (التضاريس – البحيرة) ليتدفقَ مذهلًا في إضاءة روحية لا توقف الانبجاس في حالةِ التصلّب بقدر ما تفتح أمامه إمكان الحركة (يموج) حتى لو تعلّق الأمر بحركة النوح والهذيان باعتبارهما حالةً بدئيةً من حالات الخروج والانعتاق. فالنوحُ تعبير والهذيان تعبير، وكلاهما انسيابٌ يفتّت حالة الفتور ويقرّب المتلقي من عمق الصورة الشعرية وهي تطرق باب المتخيّل الذي يمارسُ تفريغًا للوعي بـ(الصقيع) ودرجة قسوته في منظور الشاعرة، وفي منظور المتلقي على حدٍّ سواء.
هكذا تأملنا نموذجيْن من الصورة الشعرية وفق نظام نفسي وسيميائي سعيْنا فيه إلى التماهي مع مفهوم الفوضى الخلّاقة لدى كلٍّ من الشاعريْن (ع ب) و(ر د) كأداة هدم وبناء وتفكيك للقوالب القديمة لبناء نظام شعريا جديدا يعتمد على حرية التعبير وتدفق الوعي. أنظر مثلا كيف تسامى الشاعر (ع ب) بمقولة الفجر من المقولة المألوفة في تمثلات المتلقي، وأعاد ترتيبها في مخياله الخاص... وانظر أيضًا كيف صاغت الشاعرة (ر د) من الصقيع عالمًا شعريًّا يموج بالحركة.
4 - ظاهرة التناص في رابعة الأثافي:
التناص مصطلحٌ نقديٌّ حديثٌ يقصد به تعالق النصوص وتقاطعها والحوار فيما بينها. وهو في عمق التحليل صلةٌ قائمةٌ بين النص المدروس في قبضتنا وبين نصوص سابقة يستحضرها صاحب هذا النص إما لتكثيف رؤياه الخاصة وإما لمناقضتها أو لامتصاصها بطريقةٍ أو بأخرى في انسجامٍ بنيويٍّ حتى تستجيب لمقاصده وغاياته...
و هو في (رابعة الأثافي) شكلٌ من أشكال تعددية الأصوات، يحضر بقوة في معظم مقاطع الديوان حضورًا يضفي على المتن الشعري المشترك سحرا خاصًّا، يستمد ألقَهُ من تنوع مشارب هذه الأصوات، بين القرآن، والأسطورة، والتاريخ، والفلسفة، والشعر، والمَثل وغيرها من مصادر الحوار الثقافي الّذي لا يستثني أحدًا من المبدعين في شرق الأرض وغربها، على اعتبار أن التناص قدرٌ جماليٌّ يطولُ الإنسان بشكل عام. وفي هذا السياق وجب التذكير أن الكائن الوحيد الّذي لم يتناصَّ مع أحد هو "آدم" عليه السلام.
رابعة الاثافي تجربةٌ شعريةٌ تخييلية لا تكتفي باستحضار النص الغائب لمحاورته فحسب، وإنّما وأيضًا وأساسًا تقوم الأثافي بتحديد المرجعيات الأصلية للنصوص المنصهرة في بوثقة النص تجعل النص في حركية دائمة تتجاوز الآنية إلى معانقة التاريخ في مفهومه المطلق.
و لنضرب لذلك أمثلة تمثيلية لا حصرية تفيد في إضاءة (رابعة الأثافي) على مستوى المحاورة:
- قال الشاعر (ع ب):
ألا هبّي بصحنك فاصبحينا
و لا تبقي جروح روابينا
ما أطلسك غدا اليوم أمس في عرس جديد
هو العيد بعيد
صقيع يلف الصقيع – 10
و السياق الباعث على هذه المحاورة هو عنوان القصيدة (نبيذ... إدمان سكرة) وهو سياقٌ ارتبط بالذاكرة الموشومة في وجدان الشاعر الراهن الذي استحضر الشاعرَ الماضويَّ القابعَ في التراث البعيد (عمرو بن كلثوم) النازح من الزمن الجاهلي، والوصفُ هنا تحقيبٌ لا حكم قيمة...
في هذا التناص تجلّى ذكاء الشاعر الممارس لفعل المحاورة وهو يلقي بالقارئ في قبضة التاريخ الثقافي لماضوية كانت تعجّ بالعطاء. مع تخصيص المحاورة بخصوصية واضحة، إذ الشاعر لا يطلب خمرا، بقدر ما يطلب التذكير بالجروح (و لا تبقي جروح روابينا)، علمًا أن الروابي هنا معادلٌ موضوعيٌّ لمفردة (الأندرين) وهي مدينة في الشام تُصنع فيها الخمور... وهي الفضاء المشيرُ بطريقة تلميحة إلى مسقط رأس الشاعرة (ر د) المقيمة في (رابعة الأثافي) تحاور الشاعر ويحاورها.
إذن... هو تناصٌّ ماكرٌ لا يروم بيانَ تحكّم في الثقافة بقدر ما يروم استخلاص مصداقية راهنة لهذا المشترك الشعري الذي تبدو فيه الذوات منتشية لا بخمرة الأندرين بقدر ما هي منتشية بخمرة الجرح العربي هنا (المغرب) وهناك (الشام\سوريا). يؤكّد ذلك توجّه القصيدة نحو استثمار أمكنة ترتبط بالمغرب وبالشرق عامّةً (سبو- بردى – النيل – الفرات – الهلال الخصيب) استثمارًا يقدم السؤال ويركز على المساءلة أكثر من الوصف المجاني... ويفيدنا هي هذا التخريج الدلالي ويؤكده قول الشاعر في نفس القصيدة:
رحل الذين عرفتهم ما يدقّون اليوم جدار خزّان من عرق
و صديد
ارحلْ
لا تنتظرني – 11
و هنا ينبجس تناصٌّ آخر ويتعلّق بمحاورة رواية (رجال في الشمس) للمبدع الفلسطيني الراحل "غسّان كنفاني". وفي هذا الحوار شجبٌ وتنديدٌ لواقعٍ اختارَ الصمت ولم يختر فكرة النشيد من الأطلس حتى الهلال الخصيب... (لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟)... (لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟)... لماذا؟...
هذا غيضٌ من فيض في أطاريح ظاهرة التناص عند الشاعر (ع ب) اكتفينا بهذا العبور المتكلّم بكثير من الدلالات. وفي الضفة الأخرى اختارت الشاعرة (ر د) مجموعة من المحطّات تناصّتْ فيها مع مصادر ثقافية متعددة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أيضًا ما يلي:
- التناص الرّاهن:
يا الهارب من حصار الغزل
كيف طاوعك الفؤاد على الإقصاء رغما
و ما إقصاؤك إقصاء
لكن حصاري هو الحصار
لن تموت من اغتراب
و الفرار – 12
و لو أن السياق سياقان واحد يتغنى بالحرية في ظل الحصار السياسي والثاني يتغنى بالعشق في ظل الحصار الوجداني والعاطفي إلا أن التناص بينهما واضح وجليّ وذكي في استثمار المقولات بطريقة لا يحسّ فيها القارئ بليِّ أعناق النصوص المتحاورة. وفي هذا النزوع مالتِ الشاعرة إلى توظيف اللمح بدل التصريح ممتطيةً بعض التشابه بين النص النواة والنص المتحاوَرِ معه انطلاقًا من التركيز على علامتيْ التكرار (حصاري هو الحصار) والإيحاء عبر مفردة (الفرار) التي تحيل بمكر فنيٍّ على العبارة في سياق الشاعر محمود درويش (حاصر حصارك لا مفرّ).
- التناص الأسطوري:
هلّا طرّزت مناديل
الانتظار
بتلويح إياب - 13
في قول الشاعرة أعلاه ذكاء في بناء التناص، حيث لا تمارس مجانيةً تفي بالمفردات في وضوحِها المبتذل. وهي في هذا المنحى تحترم ذائقة المتلقي وذكاءه معًا على اعتبار أنها تثق في المشترك المعرفي بينها وبينه وهي تلقي به في أتون الأسطورة دون مساعدته بصريح العبارة. إنها ترشّ رذاذَ التناص ولا تفضحه.
المتلقي يدرك أن المحور الحاضر يحيل على محور غائب:
- التطريز مقابل الغزْل
- الغائبة مقابل بينيلوب
- الانتظار مقابل الانتظار
- التلويح مقابل يقين بينيلوب بعودة أوليس
و يشفع لنا هذا التأويل حضور علامات في سياق القصيدة قبل حدوث التناص... ذكرت الشاعرة فكرة الفارس والترحال والغياب والانتظار والمنفى والبحر... وكلها علامات لسنية مشحونة بالدلالة التاريخية الموغلة في الأسطورة.
- تناص التراث:
... حزم هموم
يطمس كل شعاع
كي لا يرى السمار في نجوى
و لا ليلى
تواعد المجنون – 14
في هذا التوجّه الغارف من حكاية تراثية تتعلق بقيس وليلاه، تميل الشاعرة لا إلى التباكي داخل عذرية العلاقة، تكررها وتنسخها نسخا وتعيدها تكرارا باهتا ومملّا... بقدر ما تربط التناص فيها بحركية النفي (لا لون – لا يرى السمار – ولا مروى للصادي – ولا شروق يسطع...) وهو النفي الذي تبنيه الشاعرة داخل المحكي القديم في لبوس الاعتمال الشخصي الحديث، تتقمّصه وتعيد إنتاجه بخلفية جديدة تعلن على نضوب العلاقة كلّما وجّهها الرحيل وأطرها الانفصال إلى درجة قاسية تختم فيها الشاعرة هذه الماضوية بفكرة الموت، والارتماء في جوف ليل أعجف ينطق فيه الحجر ولا شيء غير الحجر...
تناصٌّ بنكهة القسوة يفيد في إعادة قراءة القصيدة الحداثية داخل منظورات أكثر دينامية وأكثر استيعابا للحظة الراهنة تجنّبًا للتكرا وللبكائيات التي تشدّ أجنحة قصيدة النثر الحداثية عن التحليق.
- التناص القرآني:
كيف تجتاح البوادي
ريح صرٍّ عاتية
تنثر الروح هباء
فوق أشواك الوهم – 15
يأتي هذا المقطع واضحًا وجليًّا في اتكائه على الآية القرآنية التالية (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ). مع تصرّفٍ من طرف الشاعرة في إبدال مفردة الصرصر وتعويضها بمفردة الصر، على اعتبار التوظيف الشاعري الذي لا يؤمن بالنقل الحرفي للنص المتحاور معه. وهنا ذكاء الشاعرة إذ فضّلت مفردة (الصِّر) وتعني الريح الباردة زيادةً في التنكيل بالصورة الشعرية والذهاب بها مذهب الالوخز الشديد للمشهد. ولعلّ الشاعرة تستفيد من قوله تعالي في سياق آخر (مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ) – 16
إن اختيار الشاعرة لهذه العلامة السيميائية اختيارٌ ذكيّ وموفّق وبعيد في اجتناء الدلالات الممكنة لرسم غيبوبة هذا الموضوع الذي تزيح عنه بعض أوراق التوت، ونقصد موضوع الوطن الذي عطفتْ فيه الشاعرة عطفًا ماكرا على النص الفاعل الذي ألقاه الشاعر (ع ب) في بداية الديوان تحت عنوان(هذا قصيدي يا وطني)...
هناك – على سبيل التمثيل – تناص قرآني آخر:
و يا لقلبي
كم عليه أن يغوص في حمم
ليت البراكين الخامدة تثور
و التنور يفور - 17
و النص المُحَاوَرُ هنا هو الآية القرآنية التالية: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) – 18
لا يقع التقاطع هنا داخل التشابة في الموضوع أو القضية، فللسياق القرآني حرمته وللسياق البشري مصداقيته. فقط هو الاستئناس بالملفوظ المقدّس، نظرًا لقوةِ صوغِه وجمال تصويره وجلالِ إشارته وبشارته، تمتح منه الشاعرة بعضَ سندٍ لا يصف جوانيتَها بقدر ما يؤكّدها ويعزّزها ويُثرِيها على مستوى البناء.
من هنا يمكن قياس الحاضر على الغائب، وقياس الذاتِ في تجربتها النازفة على تجربة التاريخ القديم في شخص نوح عليه السلام تستمد منه الذاتُ مقولاتِ القوة والصبر والقرار الحكيم. وذلك لأن فوران التنور في مخيالنا الديني مرتبط بقرار الركوب ثم الرحيل في إطار فوز القلّة لا الكثرة (وما آمن معه إلا قليل). وفي المقابل يكون سفر الشاعرة لا عبر السفينة وإنما عبر فعل التمني (ليت البراكين الخامدة تثور). والثورة هنا مسعىً قادرٌ على فعل التغيير لتتبدّد الأوجاع وتتحرر الذوات (عساها تتبدّد أوجاع الورى ويتحر من شجنه الفؤاد الأسير)...
- الختم:
لم نكن بصدد مقاربة نقدية لديوان (رابعة الأثافي) في مفهوم المقاربة الشاملة والمغطيّة لكل مستويات الخطاب الشعري. واكتفينا بمناورة بعض المحاور في أفق واحد يتعلق بتقريب الإشكال المتعلق بثنائية التأليف بين شاعر وشاعرة من مشربيْن مختلفين، وكيف حقّقا بعض التجانس الدلالي وهما في ضفّتيْن متباعدتيْن كل التباعد. بمعنى أننا حاولنا قراءة مفهوم التشعب في دوائر التجانس. فحظينا من خلال ذلك برؤيا شعرية مشتركة بين الشاعر المغربي (عبدالرحمن بوطيب) وبين الشاعرة السورية (روضة الدخيل).
وحظينا عبر ذلك بإمكان الكشف عن هذه الرؤيا المشتركة المرتبطة بقصيدة النثر الحداثية المختلفة في قوانينها الداخلية عن قوانين القصيدة العمودية. وهي رؤيا تتبنى مقولة الفوضى الخلّاقة التي لا تعني البتّةَ حريةً في التسيب أو تسيّبًا في الحرية. والدليل أن ظاهرة الغموض الدلالي في الديوان كانت عمقًا في البناء وفي التصوير وفي الانزياح وفي معانقة الرمز والأسطورة دون التشظي داخل مركب الغموض المجاني اللاعب على مهارات تكسير أعراف اللغة. لقد كان غموضًا دلاليًّا بمفاتيح يتركها كلٌّ من الشاعر والشاعرى قيد التناول لفك شفرات المقول الشعري في (رابعة الأثافي).
هكذا كان الديوان. نموذجا للنص الحداثي الحقيقي الذي يمتلك نظامه الخاص، غير أن هذا النظام لا يفرض نفسه من الخارج، بل ينبثق من داخل التجربة الشعرية ذاتها، وهي التجربة المشتركة بين ذاتيْن، وهنا كانت الصعوبة والإشكال، وهنا أيضًا نحج كل من الشاعر والشاعرة في توحيد المختلف وتوطين المؤتلف في هذا الخطاب الشعري غير المفتوح على العبث، بقدر ما كان خطابا مفتوحا على مقولة الاحتمال...
***
نورالدين حنيف
..................
إحالات
1 - أنظر نموذجًا للتفضية المتكلمة بالخروج من الديوان ص 68
2 - روضة الدخيل – عبدالرحمن بوطيب- رابعة الأثافي- منشورات النورس 2026- ص 74
3 - محمد العباس؛ ضد الذاكرة (شعرية قصيدة النثر). المركز الثقافي العربي. بيروت – البيضاء ط 1 – 2000 – ص 48
4 - روضة الدخيل – عبدالرحمن بوطيب- رابعة الأثافي- منشورات النورس 2026- ص 25
5 – المرجع نفسه - ص 27
6 – المرجع نفسه - ص 61
7 – المرجع نفسه - ص 49
8 - غاستون باشلار : شذرات شعرية النار، باريس 1988 ، ص 29
9 – ديوان (رابعة الأثافي) – ص 31
10 – المرجه نفسه – ص 31
11 – المرجع نفسه – ص 33
12 – المرجع نفسه – ص 87
13 – المرجع نفسه – ص 89
14 – المرجع نفسه – ص 101
15 – المرجع نفسه – ص14
16 - سورةآل عمران – الآية 117
17 – ديوان (رابعة الأثافي) – ص 113
18 – سورة هود – الآية40








