عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

بولص آدم: صفحة في امتحان قديم

حين قادتني قصيدة غروْدِك إلى كانط

  قبل نحو خمسة عشر عامًا، وفي امتحان للنصوص الفلسفية في جامعة KTU Linz، تعلّمت درسًا في الفلسفة بقي في الذاكرة أطول من كثير من النصوص التي قرأتها آنذاك: أن النص الأدبي يمكن أن يصبح مكانًا لممارسة الفلسفة نفسها. كان أستاذنا آنذاك. الأستاذ الجامعي المحاضر الفيلسوف النمساوي الدكتور آرتور ريغينالد بولدرل، وقد منحنا في ذلك الامتحان حرية اختيار النص الذي نريد الكتابة عنه، على أن يكون نصًا قابلًا لأن يفتح سؤالًا فلسفيًا أو يسمح بتأويل مفهوم أو فكرة فلسفية. لم يكن علينا أن نختار من قائمة محددة، ولم يكن الأستاذ يعرف مسبقًا ماذا اختار كل واحد منا. كنا ندخل إلى مكتبه الجامعي، وهناك فقط يكتشف للمرة الأولى النص الذي قررنا أن نضعه موضوعًا لامتحاننا.

كان في طريقة الامتحان نفسها شيء من الثقة بالطالب. لم يكن المطلوب أن نعيد إنتاج قراءة جاهزة أو أن نبرهن على أننا حفظنا ما قيل في المحاضرات، وإنما أن نختار نصًا ونجد بأنفسنا السؤال الذي يمكن أن يجعل منه موضوعًا للتفكير الفلسفي. والأكثر دلالة في تجربتي أن الأستاذ لم يطلب مني حتى أن أقرأ له الورقة التي كتبتها. كتبت صفحة بحرية حول النص الذي اخترته، ثم دخلت إلى مكتبه وأنا أحملها، وكان اختياري جزءًا من مسؤوليتي الفكرية. وربما كان في ذلك درس أعمق من شكل الامتحان نفسه: أن الفلسفة تبدأ حين يصبح الطالب قادرًا على أن يختار، وأن يقرأ، وأن يربط، وأن يتحمل مسؤولية السؤال الذي اختاره. ويُناقش بما يَعرف.

وقد كان بولدرل أستاذًا واسع المعرفة، تتقاطع في تكوينه واهتماماته الفلسفة مع الأدب ونظرية النص والجماليات. وتشير صفحته الأكاديمية الحالية في جامعة كلاغنفورت إلى اهتمامه بالفلسفة، والظاهراتية، والتأويل، والتفكيك، والجماليات، والدراسات الألمانية، والتحليل النفسي، والتاريخ النفسي، ودراسات اللغة والأدب. وهو يعمل اليوم في معهد روبرت موزيل لأبحاث الأدب وأرشيف الأدب في كارينثيا بجامعة كلاغنفورت، حيث يرتبط عمله البحثي خصوصًا بالأدب والنظرية والتعليق والتوثيق الرقمي لأعمال روبرت موزيل، ومن بين مشروعاته مشروع «موزيل أونلاين – التعليق متعدد الخطابات». كما تواصل أعماله البحثية الجمع بين الفلسفة والأدب والظاهراتية والتحليل النفسي.

حين أتذكر ذلك الامتحان الآن، أفهم بصورة أوضح لماذا بدا لي اختيار قصيدة «غروْدِك» لجورج تراكل اختيارًا ممكنًا داخل امتحان في الفلسفة والنصوص الفلسفية. كانت القصيدة نصًا أدبيًا، لكنها تحمل في داخلها أسئلة عن الإنسان والموت والحرب والألم والروح والذاكرة. وكان يمكن من خلالها الانتقال من الصورة الشعرية إلى السؤال الفلسفي، ومن التجربة الإنسانية التي تصفها القصيدة إلى المفهوم الذي يستطيع أن يمنح هذه التجربة صياغة فكرية.

كتبت تراكل «غروْدِك» في سبتمبر 1914، في سياق تجربته العسكرية خلال الحرب العالمية الأولى، وترتبط القصيدة بمعركة غروْدِك في غاليسيا وما تركته من أثر صادم في الشاعر. كان تراكل قد خدم في السلك الطبي العسكري، وهناك واجه مشاهد الجرحى والمحتضرين، وهي تجربة تركت أثرًا بالغًا في عالمه الشعري. وبعد أسابيع قليلة. توفي في كراكوف في 3 نوفمبر 1914. لذلك تبدو «غروْدِك» اليوم واحدة من أكثر النصوص التصاقًا بالتجربة الأخيرة في حياة الشاعر، وهي آخر قصائده، وقد ظهرت بعد وفاته سنة 1915 في مجلة «دير برينر». والنص نفسه يحمل في نهايته التاريخ «سبتمبر 1914»، وكأن القصيدة تحفظ في داخلها اللحظة التاريخية التي خرجت منها.

لكن أهمية «غروْدِك» لا تأتي من كونها قصيدة عن معركة محددة فحسب. إن تراكل يأخذ المكان التاريخي المحدد ويحوّله إلى عالم شعري تتداخل فيه الطبيعة والموت والروح والذاكرة. لا يروي لنا المعركة كما يرويها مؤرخ أو شاهد عسكري، ولا يقدم سلسلة من الأحداث يمكن إعادة ترتيبها زمنيًا. إنه يفعل شيئًا آخر: يحول التجربة إلى صور وأصوات وألوان وحركات، بحيث تصبح الحرب حالة تصيب العالم كله. المكان يبقى حاضرًا في العنوان، لكن ما يحدث داخله يتجاوز المكان.

يبدأ تراكل القصيدة عند المساء: «عند المساء، تصدح الغابات الخريفية / بأسلحة الموت». ثم تظهر «السهول الذهبية» و«البحيرات الزرقاء»، وفوقها الشمس التي «تتدحرج أكثر عتمة». في هذه البداية نجد عالمًا يمكن أن يبدو، للوهلة الأولى، عالمًا طبيعيًا مألوفًا: خريف، غابات، سهول، بحيرات، شمس. غير أن الكلمات التي تصف الجمال تدخل منذ اللحظة نفسها في علاقة مع الموت. فالغابات لا تصمت، وإنما تصدح بأسلحة الموت، والشمس لا تنشر نورًا صافيًا، وإنما تتحرك في صورة معتمة. الطبيعة موجودة، لكن الحرب دخلت إلى صوتها وضوئها.

وهنا تكمن إحدى الخصائص الأساسية في شعر تراكل: الطبيعة ليست خلفية محايدة لما يحدث للإنسان. إنها تتغير مع تغير التجربة الإنسانية. «الذهبي» و«الأزرق» يحتفظان بجمالهما، لكن هذا الجمال أصبح محاطًا بالموت. كأن العالم لم يعد قادرًا على أن يظهر في صورته الطبيعية البسيطة؛ كل منظر يحمل معه أثر الكارثة.

ثم يهبط النص من الطبيعة إلى الإنسان: «ويضمّ الليل / المحاربين المحتضرين، والشكوى الوحشية / لأفواههم المحطمة». هنا تتبدل زاوية النظر. لم نعد أمام منظر طبيعي واسع، وإنما أمام الجسد الإنساني. والانتقال مهم جدًا، لأن القصيدة تبدأ بعالم كامل ثم تكشف لنا في داخله الإنسان الذي يدفع ثمن هذا العالم المنهار.

«الأفواه المحطمة» صورة شديدة القسوة، لكنها تحمل أيضًا بعدًا رمزيًا. الفم هو موضع الكلام، والإنسان لا يظهر بوصفه جسدًا فقط، وإنما بوصفه كائنًا يتكلم ويشهد ويعبّر عن نفسه. حين يتحطم الفم، يصبح الجسد حاضرًا في الوقت الذي تغيب فيه قدرته على الكلام. لا يستطيع المحارب المحتضر أن يروي ما حدث له؛ كل ما يبقى هو «الشكوى الوحشية». وكأن الحرب لا تدمّر الجسد فقط، وإنما تقترب أيضًا من تدمير قدرة الإنسان على أن يكون شاهدًا على ما جرى له.

ثم يحدث التحول الثاني: «وفي هدوء يتجمع في مرج الصفصاف / سحاب أحمر، يسكن فيه إله غاضب». بعد صخب الأسلحة والشكوى يأتي الهدوء، لكن الهدوء لا يعني السلام. إن السحاب أحمر، والدم المسفوك يتجمع فيه، وفي داخله يسكن «إله غاضب». الطبيعة هنا تأخذ مظهرًا شبه رؤيوي أو ديني. يظهر الإله، لكن في صورة غامضة ومخيفة. لا يقدم تراكل تفسيرًا لاهوتيًا للحرب، ولا يقول لنا لماذا يوجد هذا الإله أو ممن يغضب. إنه يضع صورة «الإله الغاضب» داخل السحاب الأحمر، ويتركها مفتوحة على التأويل.

ثم تأتي إحدى أكثر العبارات كثافة في القصيدة: «كل الطرق تفضي إلى التعفن الأسود». الطريق في العادة صورة للحركة والاتجاه وإمكان الوصول إلى مكان آخر. أما هنا فإن جميع الطرق، أيًا كان اتجاهها، تنتهي إلى التعفن. يصبح المستقبل نفسه مسدودًا. لا يعود الموت مجرد نهاية لبعض المحاربين، وإنما يتحول إلى أفق يهيمن على العالم كله.

ومن هنا يبدأ التحول من الجسد الفردي إلى المشهد الجماعي. الدم المسفوك، والطرق، والتعفن، كلها تجعل الحرب أكبر من موت أفراد منفصلين. إنها قوة تغير معنى المكان نفسه. المكان الذي يمكن أن يكون طريقًا أو غابة أو مرجًا يصبح مكانًا للدم والتعفن.

ثم ينتقل تراكل إلى صورة مختلفة تمامًا: «تحت الأغصان الذهبية، في الليل والنجوم / يتمايل ظل الأخت عبر البستان الصامت». تظهر الأخت في صورة الظل، لا في صورة الجسد. وبعد المحاربين المحتضرين والأفواه المحطمة والرؤوس النازفة، يأتي حضور إنساني أكثر هدوءًا، لكنه مشبع بالحزن. الأخت تتحرك في فضاء صامت لتحيي أرواح الأبطال.

وهنا يمكن أن نفهم دور الذاكرة في القصيدة. الموتى لا يختفون تمامًا؛ إنهم يتحولون إلى أرواح تحتاج إلى من يحييها أو يتذكرها. الأخت تصبح واسطة بين عالم الأحياء وعالم الموتى، بين الحاضر والماضي. لكنها هي نفسها لا تظهر إلا كظل. وهذا مهم، لأن الذاكرة في «غروْدِك» ليست استعادة مطمئنة للماضي؛ إنها حضور ناقص، شبح يمر في مكان صامت.

ثم تأتي عبارة «أرواح الأبطال، الرؤوس النازفة». الجمع بين «الأرواح» و«الرؤوس النازفة» يكشف توترًا آخر في القصيدة. هناك لغة يمكن أن تمنح الموتى صفة «الأبطال»، لكن الصورة التي تسبقها أو ترافقها هي صورة الرؤوس النازفة. إن البطولة المجردة تصطدم بحقيقة الجسد. وهذه المسافة بين الاسم والصورة هي من أكثر ما يجعل القصيدة قسوة: الكلمة قد تسميهم أبطالًا، لكن العين ترى الدم.

ثم يعود الصوت، لكن هذه المرة في صورة الموسيقى: «وبهدوء تعزف في القصب ناي الخريف الداكن». في البداية كان الصوت صوت الأسلحة، ثم جاء صوت الشكوى، والآن يأتي صوت الناي. وكأن القصيدة انتقلت من ضجيج الحرب إلى موسيقى الحداد. غير أن الموسيقى نفسها «داكنة»، ولذلك لا تتحول إلى عزاء كامل. إنها موسيقى تحمل الموت معها.

وفي النهاية يصرخ النص: «أيها الحزن الأشد كبرياءً! أيتها المذابح البرونزية». كلمة «الحزن» هنا ليست مجرد شعور فردي. إنها تتحول إلى شيء له عظمة ووزن وهيئة، إلى «مذابح برونزية». والمذبح هو مكان القرابين. لذلك تحمل الصورة سؤالًا مريرًا عن معنى التضحية في الحرب: ما الذي يجعل موت الإنسان يبدو وكأنه قربان؟ ومن الذي يملك الحق في تحويل حياة البشر إلى مادة لمشروع أكبر منهم؟

ثم تأتي الجملة الأخيرة: «إن ألمًا هائلًا يغذّي اليوم اللهب الحار للروح، / الأحفاد الذين لم يولدوا بعد». هنا تصبح كلمة «يغذّي» حاسمة. الألم نفسه يتحول إلى وقود، والنار إلى صورة للروح. لكن ما ينتج عن هذا الألم ليس حاضرًا فقط؛ إن القصيدة تنتهي بالأحفاد الذين لم يولدوا بعد. فجأة ينتقل الزمن من الجيل الذي يموت إلى جيل لم يوجد بعد.

وهذه النهاية تجعل «غروْدِك» قصيدة عن المستقبل بقدر ما هي قصيدة عن الموت. فالأحفاد لم يعيشوا الحرب، لكنهم سيولدون في عالم شكّله أولئك الذين عاشوها. إنهم مستقبل لم يصل بعد، لكنه حاضر في القصيدة بوصفه سؤالًا. ماذا سيرث هؤلاء؟ هل سيرثون ذاكرة الموت؟ هل سيحملون أثر الحرب؟ وهل يمكن أن يتحول الألم الذي عاشه جيل إلى وعي لدى الجيل الذي يأتي بعده؟

وبهذا تصبح العبارة الأخيرة واحدة من أهم المفاتيح الفلسفية في النص. القصيدة لا تنتهي عند الموت، وإنما عند الإنسان الذي لم يولد بعد. وهذا الانتقال يمنع قراءة «غروْدِك» بوصفها مجرد رثاء للقتلى. إن الموتى يحضرون، لكن حضورهم يقود إلى سؤال عن الأحياء وعن المستقبل.

وهنا يصبح كانط مدخلًا فلسفيًا ممكنًا للقصيدة. ففي «تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق» الصادر سنة 1785، يصل كانط في القسم الثاني إلى ما يُعرف بصيغة الإنسانية أو صيغة الغاية في ذاتها من الأمر المطلق. يبدأ استدلاله بالسؤال عما إذا كان هناك شيء تكون له قيمة مطلقة، بحيث يمكن أن يكون أساسًا لقانون أخلاقي ملزم. ثم يقول: «الإنسان، وكل كائن عاقل عمومًا، يوجد بوصفه غاية في ذاته، وليس مجرد وسيلة للاستعمال الاعتباطي لإرادة من هذا أو ذاك». وترد هذه الفكرة في AA IV, 428، ثم يصوغ كانط المبدأ بصورة الأمر الأخلاقي في AA IV, 429:

„Handle so, daß du die Menschheit sowohl in deiner Person, als in der Person eines jeden andern jederzeit zugleich als Zweck, niemals bloß als Mittel brauchst. “

ومعناها: «اعمل بحيث تعامل الإنسانية، في شخصك وفي شخص كل إنسان آخر، دائمًا في الوقت نفسه كغاية، ولا تعاملها أبدًا مجرد وسيلة».

هذه ليست مجرد عبارة جميلة عن احترام الإنسان، وإنما هي جزء من بنية الحجة الأخلاقية عند كانط. فهو يميز بين ما تكون له قيمة مشروطة يمكن أن تدخل في علاقات المنفعة والاستبدال، وبين ما له قيمة مطلقة لأنه غاية في ذاته. ولذلك يميز أيضًا بين الأشياء والأشخاص: الأشياء يمكن أن تكون لها قيمة نسبية، أما الكائنات العاقلة فهي «أشخاص» لأن طبيعتها تجعلها غايات في ذاتها، ولأنها موضوع احترام.

ومن هنا نصل إلى مفهوم الكرامة. ففي الصفحات التالية من «التأسيس»، وخصوصًا AA IV, 434–435، يميز كانط بين ما له «سعر» وما له «كرامة». ما له سعر يمكن أن يكون له بديل أو معادل، أما ما يتجاوز كل سعر فلا يقبل معادلًا، ولهذا تكون له كرامة. وفي AA IV, 435 يربط كانط الكرامة بالطبيعة العاقلة والقدرة على التشريع الأخلاقي الذاتي، ثم يؤكد في AA IV, 436 أن الاستقلالية هي أساس كرامة الطبيعة الإنسانية وكل طبيعة عاقلة.

وتصبح هذه النقطة شديدة الأهمية عندما نعود إلى «غروْدِك». فقصيدة تراكل تجعلنا نرى الإنسان في اللحظة التي يفقد فيها العالم المحيط به القدرة على معاملته بوصفه شخصًا. المحارب المحتضر يظهر في صورة جسد، والفم يتحطم، والرأس ينزف، والطرق تقود إلى التعفن. إن الشخص الذي ينظر إليه كانط باعتباره كائنًا ذا قيمة غير قابلة للاختزال يظهر في القصيدة وقد تحول إلى شيء يمكن أن يُجرح ويُقتل ويُستهلك داخل آلة الحرب.

وهنا تنشأ المفارقة الفلسفية التي أظن أنها كانت تكمن وراء اختياري القديم للقصيدة. كانط يبدأ من فكرة أن الإنسان لا يجوز أن يكون مجرد وسيلة، بينما تراكل يرينا عالمًا يصبح فيه الإنسان قابلًا لأن يتحول إلى وسيلة. كانط يتحدث عن الشخص بوصفه غاية في ذاته، وتراكل يضع أمامنا جسد الشخص بعد أن سُلبت منه حمايته الإنسانية. كانط يتحدث عن الكرامة، وتراكل يجعلنا نرى الجسد في أكثر لحظات انكشافه وإهانته.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن تراكل كان يكتب قصيدته بوصفها شرحًا لنظرية كانط. لا توجد في «غروْدِك» صياغة فلسفية تقول إن الإنسان غاية في ذاته، ولا ينبغي تحميل النص ما لم يقله. العلاقة أكثر إثارة من ذلك: مفهوم كانط يوفر لنا لغة فلسفية دقيقة نستطيع من خلالها أن نسأل عما تفعله القصيدة بالإنسان. الشعر يجعل انتهاك قيمة الإنسان محسوسًا في صورة الفم المحطم والرأس النازف والجسد المحتضر، بينما يمنحنا كانط المفهوم الذي يسمح لنا بأن نصوغ السؤال: ما الذي يحدث للإنسان حين يُعامل كوسيلة؟

وهنا أيضًا يعود معنى «الأفواه المحطمة» بصورة أعمق. إذا كان الشخص عند كانط كائنًا عاقلًا قادرًا على الإرادة والتشريع الأخلاقي الذاتي، فإن الفم المحطم يمثل، على المستوى الشعري، صورة لإنسان حُرم من إحدى أهم إمكانات ظهوره بوصفه ذاتًا. لم يعد قادرًا على أن يتكلم من موقعه الخاص. إن الحرب تظهر هنا كقوة تقترب من تحويل الشخص إلى شيء صامت.

وتكتسب «الرؤوس النازفة» دلالة مشابهة. الرأس ليس مجرد جزء من الجسد؛ إنه مركز الشخص في المخيال الإنساني، وموضع الفكر والوعي والهوية. حين يصبح الرأس «نازفًا»، يصبح الفكر والوعي والشخصية نفسها معرضة للتدمير. وهكذا تتحول الصور الجسدية في القصيدة إلى صور يمكن أن تلامس السؤال الأخلاقي من دون أن تتحول القصيدة نفسها إلى نص أخلاقي نظري.

أما «المذابح البرونزية»، فتسمح بإضافة طبقة أخرى إلى القراءة. المذبح مكان تُقدَّم عليه القرابين، والإنسان في الحرب قد يتحول إلى «قربان» في خطاب يبرر التضحية من أجل غاية جماعية. هنا تصبح صيغة كانط عن عدم استعمال الإنسان مجرد وسيلة شديدة الصلة بالمشهد الشعري. فإذا كانت حياة الإنسان ذات قيمة في ذاتها، فإن تحويله إلى أداة لمشروع خارجي يثير التناقض الأخلاقي الذي يكشفه النص.

وفي النهاية، تأتي «الأحفاد الذين لم يولدوا بعد» لتوسّع هذا السؤال من الإنسان الحاضر إلى الإنسان القادم. كانط نفسه ليس المصدر المباشر لفكرة المسؤولية الحديثة تجاه الأجيال المستقبلية بالصيغة التي أصبحت معروفة في فلسفات لاحقة، ولذلك من الأدق أن نترك هذه الفكرة مفتوحة وألا ننسبها إليه مباشرة. لكن يمكن أن نرى في نهاية تراكل امتدادًا للسؤال الكانطي عن قيمة الإنسان: إذا كانت الإنسانية غاية في ذاتها، فإن الإنسان الذي لم يولد بعد يدخل أيضًا في أفق التفكير في قيمة الإنسانية، حتى وإن احتاج هذا الانتقال إلى تطوير فلسفي لاحق.

ومن هنا يصبح النص الأدبي مكانًا لممارسة الفلسفة بمعناها الحقيقي. لم تكن «غروْدِك» بالنسبة إليّ يومها كتابًا في الأخلاق، ولم يكن كانط شاعرًا للحرب. كان هناك نص شعري يضع صورًا شديدة القسوة أمام القارئ، وكان هناك مفهوم فلسفي يساعد على طرح السؤال الذي تنطوي عليه هذه الصور. اخترت القصيدة، ثم قادتني القصيدة إلى الإنسان، وقادني الإنسان إلى قيمة الإنسان، وقادتني هذه القيمة إلى كانط.

وعندما أعود اليوم إلى القصيدة، أرى أن بنيتها نفسها كانت تدفع في هذا الاتجاه. تبدأ من الطبيعة وتنتهي بالإنسان الذي لم يولد بعد. تمر من الصوت إلى الصمت، ومن الضوء إلى العتمة، ومن اللون الذهبي والأزرق إلى السحاب الأحمر والتعفن الأسود، ومن الجسد إلى الظل، ومن المحاربين المحتضرين إلى الأرواح، ومن الأرواح إلى الأجداد القادمين. إنها حركة من العالم المرئي إلى سؤال عن معنى الإنسان داخل هذا العالم.

وربما كان هذا هو الدرس الأعمق لذلك الامتحان القديم. أستاذنا لم يعطنا نصًا فلسفيًا مغلقًا ثم يطلب منا أن نفسره بالطريقة الصحيحة، وإنما أعطانا مساحة لنختار النص الذي يمكن أن نمارس فيه التفكير. ولم يكن اختياري لـ«غروْدِك» مهمًا لأنه الاختيار الصحيح الوحيد، وإنما لأنه أتاح لي أن أكتشف، من خلال الشعر، سؤالًا فلسفيًا عن الإنسان. وبعد خمسة عشر عامًا، تبدو الصفحة التي كتبتها يومها أقل أهمية من السؤال الذي بقي منها: ماذا يعني أن يكون الإنسان غاية في ذاته في عالم يستطيع أن يحوله، في لحظة واحدة، إلى جسد جريح، وفم محطم، ورأس نازف؟

ربما لهذا بقيت «غروْدِك» في الذاكرة. فالقصيدة لم تمنحني جوابًا، وكانط لم يلغِ مأساة القصيدة بمفهوم أخلاقي جاهز. ما حدث هو شيء أبسط وأعمق: القصيدة جعلت السؤال مرئيًا، والفلسفة أعطته لغة، ثم أعاد السؤال الفلسفي القصيدة إلى الإنسان. وفي هذه الحركة بين النص والمفهوم، بين الشعر والفلسفة، يمكن أن نفهم اليوم ما كان ذلك الامتحان يعلمنا إياه من دون أن يقوله صراحة: أن الفلسفة قد تبدأ أحيانًا من قصيدة.

***

بولص آدم

في المثقف اليوم