عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

طه عبد الرحمان: قراءةٌ تأويليةٌ في سيمياءِ المكان

وبلاغةِ الغياب في قصيدة ذاكرة التراب للأستاذة الشاعرة مجيدة محمدي

حين يصيرُ الغيابُ جذورًا ويُصبحُ الترابُ شاهدًا

مقدّمة: ما يتذكّره التراب؟

في قصيدة «ذاكرة التراب» لمجيدة محمدي، لا يُعامل التراالذيب بوصفه سطحًا نمشي عليه، ولا بوصفه حفرةً يُوارى فيها ما انتهى؛ إنه كائنٌ يعرف، ويحفظ، ويعضّ. ومن هذه الاستعارة الأولى تنفتح القصيدة على سؤالها الأعمق: إذا أمكن اقتلاع الإنسان من بيته، ومحو البيت من الخريطة، فهل يمكن اقتلاع المكان من الذاكرة أيضًا؟

تجيب القصيدة بالصورة لا بالشعار. تتركنا أمام زيتونةٍ تُسرّح شعرها، وستارةٍ تتحرّك بعد رحيل أهلها، وحذاءٍ صغير ينتظر بابًا لا يُفتح. إنها لا تروي الفاجعة من خارجها، بل تُنصت إلى ما خلّفته في الأشياء؛ ثم تتبع ذلك الصوت الخافت حتى تخرج، من بين حجرين، بذرةٌ تكتب ما عجزت الخرائط عن حفظه.

جسد الأرض ولسان الأشياء

تُفتتح القصيدة بضربةٍ بلاغية مباغتة: «لِلترابِ ذاكرةٌ / تُحسنُ العضَّ». كان يمكن للذاكرة أن تحفظ أو تستعيد؛ لكنها هنا تعضّ. والعضُّ فعلُ دفاعٍ وألمٍ معًا: كأن الأرض، وقد مُسّت في وجودها، لم يبقَ لها من الكلام إلا أن تُثبت بأسنانها ما تحاول اليد الأخرى انتزاعه. بهذه العبارة وحدها تنقل الشاعرة الذاكرة من سكون التأمل إلى حدّة المقاومة.

ثم تنمو الزيتونة من التراب نموَّ شاهدٍ لا نموَّ زينة: «تُسرِّحُ شعرها في الريح»، وفي قلبها «مفتاحٌ عتيق». الشعر للإنسان، والقلب للحياة، والمفتاح للبيت؛ وقد اجتمعت الثلاثة في شجرة. ليست الزيتونة هنا منظرًا ريفيًّا هادئًا، بل جسدًا يحمل أثر المسكن الغائب. وحين «يشير» كل غصن إلى جهة، تبدو الشجرة كأنها تحفظ الجهات التي فقدتها الخرائط. لذلك يغدو الطائر الباحث «عن مكانٍ / نفته الخرائط» قرينًا لها: هي تعرف ما يُنكر، وهو يفتش عمّا أُنكر.

تبلغ بلاغة الأشياء ذروةً أخرى في الستارة والحذاء. الستارة تتحرك وحدها، لكن الحركة لا تُثبت عودة المرأة؛ إنها تجعل الغياب شبيهًا بالحضور إلى حدّ الوجع. والحذاء الصغير «ينظر» إلى باب لا يفتحه أحد: صورةٌ لا تقول مصير صاحبه، ولا تحتاج إلى قوله كي تُحدث أثرها. فالعين المستعارة للحذاء تُضاعف إحساسنا بغياب العين التي كان ينبغي أن تنظر، والقدم التي كان ينبغي أن تمضي. هنا لا تُشخّص الشاعرة الأشياء لتجميل العبارة؛ بل تُنطقها لأن أصحابها لا يظهرون في المشهد.

نصفُ الوجه ونصفُ القول

في الخيمة، يضيء المصباح «نصفَ وجهٍ»، بينما «النصفُ الآخرُ / تحتفظُ به أمٌّ». هذه من أكثر صور القصيدة اتساعًا على قصرها. فالمصباح قادرٌ على إظهار ما تقع عليه أشعته، لكنه عاجزٌ عن إظهار ما تحمله الأم في داخلها؛ كأن للنور حدًّا، وللأم ذاكرةً تتجاوز ذلك الحد. وقد يكون النصف الذي تحتفظ به ملامحَ محبوبٍ، أو صورةَ حياةٍ سابقة، أو ذلك الجزء من الإنسان الذي لا تبلغه عين الغريب. تبقي القصيدة هذه الاحتمالات مفتوحة، فتجعل من النقص معنىً لا فراغًا.

ويجيء «الرغيفُ البارد» إلى جانب الحذاء ليُنزِل الألم من سماء المجاز إلى أرض الحاجة اليومية. فالخيمة ليست رمزًا مجرّدًا، بل مكانٌ يُؤكل فيه خبزٌ فقد دفأه، ويُنتظر فيه بابٌ لا يستجيب. من هنا تنشأ قوة النص: إنه يجاور الصورة العالية والتفصيل المتواضع، فلا يسمح للبلاغة أن تحجب الإنسان، ولا للتفصيل أن يفقد أفقه الرمزي.

وتؤدي علامات الحذف والأسطر المقتضبة عملًا مماثلًا. فبعد «بقايا ستارةٍ...»، وبعد «بابٍ...»، وبعد حركةٍ تحت التراب، يتأخر تمام المعنى، كما يتأخر تمام الفقد. ما لا يُقال ليس نقصًا في القصيدة، بل جزءٌ من طريقتها في القول: تترك للقارئ فسحةً يسمع فيها صرير الباب الذي لم يُفتح، وخطوَ المرأة التي لا تُرى.

صراعُ الأسنان والجذور

تعود صورة الفم في المقطع الرابع، لكن على نحوٍ مقلوب. فالتراب في البداية «يُحسن العضّ»، أما الليل فله «أسنانٌ معدنيةٌ» و«يمضغ البيوت / بيتًا بيتًا». تتشابه المفردات وتتنازع الأفعال: عضُّ الأرض تشبّثٌ بالذاكرة، ومضغُ الليل تفتيتٌ للمأوى. بل إن الليل يترك «في الفم / طعمَ الحجر»؛ وكأن الخراب، بعد أن يأكل البيوت، لا يجد فيها ما يُشبع، بل يصطدم بما لا يستطيع هضمه تمامًا. الحجر هنا بقايا بيتٍ، وربما بقايا صلابةٍ تستعصي على المحو.

في مواجهة هذا العنف، لا تقدّم القصيدة قوةً مماثلة له، بل قوةً من جنسٍ آخر. يرسم الطفل «شجرةً / أكبرَ من الجدار». الجدار حدٌّ قائم، أما الشجرة المرسومة فاحتمالٌ يتجاوزه؛ والطفل، وإن لم يستطع هدم الجدار، يستطيع ألّا يجعل منه حدًّا لخياله. تلك ليست براءةً منفصلة عن المأساة، لأن البحر نفسه يمد ذراعيه «لاحتضان الفرح»، ثم تُعيدهما الأمواج فارغتين. إن الخيال هنا يقاوم، لكنه لا يُبطل الخسارة؛ ولذلك تبدو صورته صادقةً لا متفائلةً على عجل.

وتأتي الصدفة المكسورة لتختصر المسافة بين الضخامة والضآلة: «في جوفها / صوتُ مدينةٍ / بائسةٍ». مدينةٌ كاملة تصير صوتًا في جوف شيءٍ هش. هذه المفارقة تصوغ إحدى حقائق القصيدة الجمالية: ما تهدّم في العالم الكبير قد ينجو أثرُه في أصغر الأشياء. الصدفة لا تُعيد المدينة، لكنها تمنع صمتها التام.

من مفتاح العجوز إلى خريطة الشجرة

يتكرر المفتاح مرتين، ولكل ظهورٍ وظيفته. في البدء يسكن قلب الزيتونة، كأن الطبيعة صانت سرّ البيت. ثم يُعلّق على صدر عجوز، كأن الجسد ورث ما صانته الشجرة. وحين يديره «في سكون الفجر»، لا تُفتح أقفالٌ مألوفة، بل «تئنُّ جهةٌ بعيدةٌ» ويتحرك شيءٌ تحت التراب. المفتاح، إذن، لا يعمل في بابٍ حاضر، وإنما في صلةٍ لم تنقطع بين الإنسان والمكان. أما أن تكون الجهة «بعيدة»، فهذا ما يمنع الصورة من السهولة: الشوق لم يختصر المسافة، لكنه أبقاها مسافةً قابلةً للنداء.

ثم يأتي الفجر الأخير متدرّجًا، لا منتصرًا دفعةً واحدة. «خيطٌ ذهبيٌّ» يمر بين حجرين؛ وبذرةٌ قديمة تستيقظ؛ «ورقةٌ واحدةٌ... / ثم ورقتانِ...»؛ وأخيرًا شجرةٌ ذات جذورٍ «تُعيدُ كتابةَ الخريطة». هذا البطء مقصود الأثر: فالرجاء الذي ينمو ورقةً بعد ورقةٍ أصدق من رجاءٍ يمحو، في لحظةٍ واحدة، الرغيف البارد والحذاء المنتظر والبحر خالي الذراعين.

وهنا تستدير القصيدة إلى بدايتها في بناءٍ محكم. الطائر في المقطع الأول يبحث عن مكانٍ نفته الخرائط؛ والجذور في المقطع الأخير تعيد كتابة الخريطة نفسها. ما عجز الجناح عن العثور عليه، تتعهد الجذور بإثباته. وليس المعنى أن الشجرة تنتصر على الورق ببساطة، بل أن للمكان كتابةً أخرى: كتابةً في الذاكرة، وفي الأجساد، وفي البذور التي تصرّ على الحياة.

خاتمة: ذاكرةٌ لا تكتفي بالبكاء

ليست «ذاكرة التراب» مرثيةً خالصة، وإن عرفت الحزن، ولا نشيدَ انتصارٍ سهلًا، وإن انتهت بالشجرة. إنها قصيدةٌ تُبقي التوتر حيًّا بين المفتاح والباب، وبين الجدار والرسمة، وبين الخريطة والجذر. ولعل جمالها الأعمق أنها لا تجعل الذاكرة بديلًا مريحًا عمّا فُقد؛ بل تجعلها عهدًا ثقيلًا بحفظه.

في البدء كان التراب يعضّ كي لا يُمحى أثره، وفي الختام تشقّه البذرة كي يخرج منه غدٌ ممكن. وبين الفعلين تتجلى حكمة القصيدة وبلاغتها: الأرضُ التي تتذكّر لا تستعيد الماضي وحده؛ إنها تُنبت، من جرحه، حقَّ المستقبل في أن يكون.

***

طه دخل الله عبد الرحمن - الجليل

29/09/2026

......................

ذاكرة التراب...

لِلتُّرَابِ ذَاكِرَةٌ

تُحْسِنُ العَضَّ،

زَيْتُونَةٌ

تُسَرِّحُ شَعْرَهَا فِي الرِّيحِ،

وَفِي قَلْبِهَا

مِفْتَاحٌ عَتِيقٌ،

كُلُّ غُصْنٍ

يُشِيرُ إِلَى جِهَةٍ مَا،

سَمَاءٌ مُشَقَّقَةٌ،

وَطَائِرٌ يُفَتِّشُ فِي الهَوَاءِ

عَنْ مَكَانٍ

نَفَتْهُ الخَرَائِطُ.

-2-

عَلَى الحَافَّةِ

بَقَايَا سِتَارَةٍ...

تَتَحَرَّكُ وَحْدَهَا،

كَأَنَّ امْرَأَةً مَا

مَا زَالَتْ تَعْبُرُ الغِيَابَ

بِثَوْبِهَا القَدِيمِ.

-3-

فِي الخَيْمَةِ

مِصْبَاحٌ صَغِيرٌ

يُضِيءُ نِصْفَ وَجْهٍ.

النِّصْفُ الآخَرُ

تَحْتَفِظُ بِهِ أُمٌّ.

وَعَلَى الأَرْضِ

رَغِيفٌ بَارِدٌ،

وَحِذَاءٌ صَغِيرٌ

يَنْظُرُ إِلَى بَابٍ...

لَا أَحَدَ يَفْتَحُهُ.

-4-

لَيْلٌ

لَهُ أَسْنَانٌ مَعْدِنِيَّةٌ.

يَمْضَغُ البُيُوتَ

بَيْتًا بَيْتًا،

ثُمَّ يَتْرُكُ فِي الفَمِ

طَعْمَ الحَجَرِ.

-5-

طِفْلٌ

يَرْسُمُ شَجَرَةً

أَكْبَرَ مِنَ الجِدَارِ.

وَالبَحْرُ هُنَاكَ

يَمُدُّ ذِرَاعَيْهِ

لِاحْتِضَانِ الفَرَحِ،

فَتُعِيدُهُمَا الأَمْوَاجُ

فَارِغَتَيْنِ.

-6-

وَعَلَى الرَّمْلِ

صَدَفَةٌ مَكْسُورَةٌ،

فِي جَوْفِهَا

صَوْتُ مَدِينَةٍ

بَائِسَةٍ...

-7-

مِفْتَاحٌ

عَلَى صَدْرِ عَجُوزٍ.

كُلَّمَا نَامَتِ البِلَادُ،

أَدَارَهُ فِي سُكُونِ الفَجْرِ...

فَتَئِنُّ جِهَةٌ بَعِيدَةٌ،

وَيَتَحَرَّكُ شَيْءٌ

تَحْتَ التُّرَابِ...

-8-

فِي الفَجْرِ

يَمُرُّ خَيْطٌ ذَهَبِيٌّ

بَيْنَ حَجَرَيْنِ،

فَيُوقِظُ بَذْرَةً قَدِيمَةً...

تَشُقُّ البَذْرَةُ التُّرَابَ.

وَرَقَةٌ وَاحِدَةٌ...

ثُمَّ وَرَقَتَانِ...

شَجَرَةٌ يَانِعَةٌ،

جُذُورٌ قَوِيَّةٌ

تُعِيدُ كِتَابَةَ الخَرِيطَةِ.

***

مجيدة محمدي

19/09/2026

 

في المثقف اليوم