واستدعاء النقد الموضوعاتي
قمت مؤخرا بنوع من (المسح القرائي) للمدونات الأدبية الجزائرية قصة وشعرا ورواية، تلك التي تناولت موضوع الحريق أو النار واتخذت منه موضوعا للإشتغال الإبداعي.
فلم أعثر سوى على عدد قليل جدا من المدونات الأدبية الحاملة لموضوع الحريق أو النار كتيمة لها على غرار النصوص التالية:
الحريق للروائي محمد ديب
حرائق البحر للقاص عمار بلحسن
الكتابة بالنار للشاعر عثمان لوصيف
مضغة النار للروائي قربوعة عبد الباقي
نار ونور للروائي عبد المالك مرتاض
هذيان النار لنادية نواصر
بيت النار للقاصة والمترجمة فاطمة ياسمينة بريهوم
دمية النار للروائي مفتي بشير
دخان من صدري للروائي الطاهر وطار
على خط النار للروائي رحو شرقي
زنادق النار للشاعر عبد السلام بشوات
رماد الشرق لواسيني الأعرج
حطب سراييفو للروائي السعيد خطيبي
سقوط سارق النار للشاعر عبد الله بوخالفة
و هذه الأخيرة هي مجموعة منتخبات شعرية قام بجمعها الناقد الثقافي الأستاذ أحمد دلباني وأصدرها ضمن فصول كتابه المهم (فجيعة التروبادور حول الشاعر عبد الله بوخالفة).
فضل أحمد دلباني وضع هذه النصوص (سقوط سارق النار)، ضمن ما يسمى (بالملحقات النصية).
ويعنى بذلك فهرسة الكتاب بالمعنى الذي يقدم في سرديات النقد العتباتي كما تأسس لدى الناقد الفرنسي جيرارجينيت، عندما يعتبر جيرار جينيت ومن معه من النقاد العرب الذين استلهموا خطاب العتبات النقدي ويأتي على رأسهم في الجزائر الناقد الدكتور عبد الحق بلعابد أن بعض النصوص التي يتم وضعها في نهاية الكتاب أي كتاب داخل ما يسمى بالفهرس يمكن اعتبارها تشكل نوعا من (الملحقات النصية).
غير أن حضور هذه (الملحقات النصية) في متن وفهرسة الكتاب كان لا بد منها لأن تشكل البراديغم الذي ينهض على أساسه عنوان الكتاب ومتنه.
رغم أني لا أدري لماذا أعطى أحمد دلباني لهذه النصوص هذا العنوان (سقوط سارق النار منتخبات شعرية) على الرغم من أن القارئ لهذا الكتاب لايعثر أصلا على ماله صلة بسرقة النار ضمن العناوين الداخلية للنصوص المختارة بوصفها بمفهوم جيرار جينيت (النصوص الموازية أو النصوص المصاحبة).
إلا إذا اعتبرنا بأن لحظة رحيل عبد الله بوخالفة بتلك الطريقة الدرامية هي نوع من السقوط المماثل لسقوط سارق النار برمثيوس في الأسطورة اليونانية المعروفة.
ناهيك عن نصوص ابداعية أخرى من خارج الفضاء الإبداعي الجزائري من مثل:
رواية (ثمرة النار) للروائية اللبنانية حنين الصائغ أو رواية (حرائق قرطاج) للروائي التونسي خير الدين جمعة أو كتاب (شهد النار نصوص الجسد) للأديب الفلسطيني المتوكل طه.
وفي واقع الأمر لا أزعم بأني على اطلاع واسع جدا على مختلف مدونات الأدب الجزائري، التي تكون قد تناولت تيمة الحريق أو النار بصيغها المختلفة، غير أن اطلاعي المحدود لم يسعفني سوى بهذه النصوص التي ذكرتها الحاملة لهذه التيمة الحريق أو الحرائق أو النار وهي كلها صيغ تؤدي نفس المعنى.
وأعتقد بأننا في حاجة ماسة إلى نوع من النقد التوثيقي العتباتي القادر على أن يقدم لنا (مسحا خرائطيا) بمفهوم الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز بمجمل النصوص السردية والشعرية التي تكون قد اتخذت من تيمة الحرائق أو النار موضوعا لها.
عمل يستعين فيه الباحث أيضا بما يسمى في العلوم الإجتماعية السوسيولوجيا الإحصائية لتقديم أنطولوجيا نقدية موسعة تستوعب مجمل ماكتب في هذا السياق واضعة إياه ضمن خطة مدروسة لا تكتفي بما كتب عن موضوع الحريق باللغة العربية فقط.
بل ينبغي أن يشمل البحث والتحري أيضا تلك النصوص السردية والشعرية التي اتخذت من
موضوع الحريق أو النار تيمة لها في اللغات الأخرى الفرنسية والأمازيغية والأنجليزية
وحتى في الشعر الشعبي الجزائري أو ما يسمى في الفضاء الثقافي المغاربي الشعر الملحون.
، كما فعل السوسيولوجي المغربي عبد الكبير الخطيبي مع الرواية المغاربية المكتوبة باللغة الفرنسية في صلتها بحضور حرب التحرير الجزائرية فيها في كتابه المعروف (في الكتابة والتجربة).
عندما قدم في (الكتابة والتجربة) مسحا احصائيا لعدد من النصوص الروائية المغاربية المكتوبة باللغة الفرنسية التي يحضر فيها موضوع حرب التحرير الجزائرية حضورا قويا.
على الرغم من أن الخطيبي لا يعالج هذه النصوص / النصوص الروائية المغاربية المكتوبة باللغة الفرنسية من المنظور الموضوعاتي بل يقاربها من المنظور السوسيو نقدي بوصفه سوسيولوجيا في المقام الأول.
غير أنه لا ينبغي التوقف عند هذه التيمات كما تحضر (كعتبات نصية) في مجمل النصوص الحاملة لموضوع الحريق أو النار أو الوثوق بها وثوقا ميكانيكيا.
بل لابد من التمعن فيها وقراءتها دلاليا لإستنباط المعنى السيميولوجي منها.
قبل القول بأنها على صلة بموضوع الحريق في بعده المادي لأن بعض (العتبات النصية).
لا تمنح دلالاتها بوضوح للقارئ الكسول، الذي قد يكتفي بإستنباط المعنى المباشر من العنوان من دون الغوص في أعماق النص بخبرة الناقد التأويلي أو الناقد السيميولوجي الباحث عن صلب المعاني العميقة والدلالات الكامنة وراء عنوان النص والموضوعات الحاضرة فيه بنوع من ما يسميه رومان ياكبسون (العنصر المهيمن).
ولم لا الإستعانة ببعض الخطوات التحليلية التي قدمها الفيلسوف الفرنسي غاستور باشلار عندما كان بصدد تقديم قراءة نفسية للنار للإحاطة بأشكال تجلي النار في النص الأدبي.
وقد تكون بعض النصوص السردية والشعرية الحاملة لموضوع الحريق أو النار لا تنطوي بالضرورة على المعنى المجرد المباشر للنار في دلالته المادية.
ولذلك ينبغي الحذر قدر الإمكان من مأزق القراءة الميكانيكية لدلالة العنوان في صورته المباشرة.
وأقول لكم بصدق بأني تعجبت كيف لم تنل كل هذه النصوص وغيرها، ممن لم أذكرها.
أو هي غائبة عني حقها من التناول النقدي من منظور النقد التيماتي أو النقد الموضوعاتي، الذي من جدول أعماله أنه هو النقد الكفيل بتناول النصوص الحاملة لهذه التيمات والموضوعات تناولا موضوعاتيا.
حتى ولوكان النقد الموضوعاتي يكاد يكون حاضرا في شقه النظري كما في شقه التطبيقي من بعض الزوايا الأخرى في راهن وتحولات المشهد النقدي الجزائري، أتذكر هنا بعض كتابات الناقد الجزائري الدكتور يوسف وغليسي خاصة كتابه المهم (التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري الجزائري).
يضاف إلى ذلك كتابا آخر له حمل عنوان (التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري كلام المنهج فعل الكلام)
قسمه إلى قسمين القسم النظري ثم القسم التطبيقي:
تضمن القسم النظري ثلاثة فصول مهمة وهي على التوالي:
الفصل الأول كلام في المنهج الموضوعاتي وتطبيقاته النقدية
يليه الفصل الثاني:
مقدمة في تاريخ المنهج الموضوعاتي.
ثم الفصل الثالث:
الموضوع والموضوعاتية في الممارسة النقدية العربية
ناهيك عن كتاب الدكتورة مسعودة لعريط (النقد الموضوعاتي).
وهو كتاب قسمته الدكتورة مسعودة لعريط إلى فصلين:
الفصل الأول:
خصصته للجانب النظري فيما الفصل الثاني:
فقد جعلته حكرا على الجانب التطبيقي وقد قرأت على ضوءه بعض قصص الطفولة محللة إياها من منظور النقد الموضوعاتي.
ولا ينبغي التغاضي أيضا عن ما قدمه الباحث الجزائري الدكتور محمد عبد الكريم أوزغلة على الصعيدين النظري والتطبيقي عندما يتعلق الأمر بشواغل النقد الموضوعاتي في المشهد النقدي الجزائري فقد حرص في كتابه الذائع الصيت لدى عشاق الرواية والفانتازيا وهو كتاب (شهادات الأسر ومشاهد الكتابة ميغل سيرفانتيس في الجزائر 1575 / 1580) في الفصل الثالث من هذا الكتاب على تأثيث الفصول المندرجة في سياق النقد الموضوعاتي ببعض القراءات على غرار:
القراءة الموضوعاتية / مدخل نظري
قراءة الموضوع وموضوع القراءة
معالم القراءة الموضوعاتية الجزيئية عند جون بيار ريشار
ثم حاول تقديم قراءة هي في نقد النقد الموضوعاتي أعطاها عنوانا لافتا للنظر هو:
نقد المنهج الموضوعاتي في النقد.
وقراءة أخرى خصصها لما سيسميه بالجهاز المفاهيمي للنقد الموضوعاتي وضع فيها أمام القارئ عددا من المفاهيم والأدوات الإجرائية المساعدة على التحليل الموضوعاتي حصرها في الآتي ذكره:
01) الموضوع الحافز
Thememotif
02) الإطرادية
larecurrence
03)الحسية
sensualite
04) الإنسجام
coherence
وفي نهاية عمله النقدي أفرد محمد عبد الكريم أوزغلة لقصة الأسير قراءة تطبيقية من منظور النقد الموضوعاتي قارئا فيها موضوع الأسر من منظور النقد الموضوعاتي.
مع العلم أن الإستئناس ببعض انتاجية التحليل النفسي في سياق الممارسة النقدية الموضوعاتية ليس جديدا ولا هو أمرا طارئا على الدرس النقدي الموضوعاتي.
فقد ذكر محمد عبد الكريم أوزغلة بأن الإستئناس بالتحليل النفسي في تجارب النقد الموضوعاتي في العالم برز أول مرة في أعمال رينيه ريشار سنة 1974 من خلال دراسته (بروست وعالم الإحساس).
الأمر الذي اقتضى منه أعني صاحب كتاب (شهادات الأسر ومشاهد الكتابة ميغل سيرفانتيس في الجزائر 1575 / 1580) القول بأن " النقد الموضوعاتي إذ يقوم باستثمار مايطرحه التحليل النفسي إنما يضع على رأس مسلماته حضور وعي الكاتب بوصفه المبدأ الأصيل ومركز التنظيم والإنتاج للعمل الأدبي " (01).
وفي ضوء هذا التعالق المنهجي بين النقد الموضوعاتي والتحليل النفسي يحذر محمد عبد الكريم أوزغلة عندما ينبه إلى ضرورة عدم الإنسياق وراء الفوضى الناجمة عن شبكة التداخل بين المنهجين قائلا بأن المقاربة الموضاعاتية هي مقاربة للنص الأدبي في شقه المتعلق بالقبض على الدلالات المضمونية للنص وهي مختلفة عن النقد النفسي وهذا موضوع آخر ليس هنا مجال مناقشته بشكل موسع.
وأعتقد بأن هذه المهمة مهمة قراءة النصوص الأدبية الجزائرية كالتي ذكرناها في ضوء النقد الموضوعاتي لتفكيك دلالات النار أو الحريق عندما تشكل (عنصرا مهيمنا) فيها ليست مهمة فرد واحد مهما أوتي من العبقرية والكفاءة النقدية بالنظر لتباعد النصوص الحاملة لتيمة الحريق أو النار مابين السرد والشعر ومابين القصة والرواية وتشعب دلالاتها وما ينجر عن ذلك من انزياحات عتباتية وسيميولوجية ومورفولوجية وغيرها.
لا أطرح بصراحة هذا الإشكال بهدف الإثارة النقدية أو استغلال ظرف خاص كالحرائق التي مست بعض المدن الجزائرية لتحقيق بعض المكاسب النقدية الظرفية.
بل إني أطرحه رغبة مني في فتح نقاش نقدي موسع حول مساحات النقد الموضوعاتي وآفاقه المنتظرة، والمهام التي على الناقد التيماتي القيام بها لنقل موضوع الحريق من الحقل الواقعي المادي إلى الحقل النقدي خدمة للنص الإبداعي الجزائري الذي تفاعل منتجوه مع كارثة الحريق في بعدها المادي.
مع الإنفتاح قليلا على بعض اشعاعات (نظرية الحقل) والنتائج المترتبة عنها في النقد العربي.
كما تأسست لدى أحد علماء الإجتماع وهو بيير بورديو لتطعيم النقد التيماتي ببعض افرازاتها الأساسية.
الكفيلة بقراءة دلالات تجلي موضوع النار في النص الإبداعي الجزائري تجليا لافتا للنظر النقدي.
من جهة النظر إلى محمولات حقل النار في الثقافتين العربية والغربية مع تعقد اسقاطاتها الواعية أو اللاواعية في نسيج النص الإبداعي الحامل لموضوع النار أو الحريق.
وأعتقد بأنه لا يمكن القبض على المفاصل الأساسية للدلالة السيميولوجية للنار من دون العودة إلى ذلك الإرث الإبستمولوجي الذي خلفه لنا غاستون باشلار، عندما قدم تحليلا نفسيا غير مسبوق بوصفه (الإطار المرجعي) بمفهوم محمد عابد الجابري لظاهرة تداعي تيمة النار في النصوص الإبداعية الجزائرية والعربية على سبيل الإستئناس ليس إلا.
في ظل ماتواتر لدى عدد من دارسي غاستون باشلار على غرار ما قدمه الناقد المغربي سعيد بوخليط ضمن فصول كتابه المهم (غاستور ياشلار نحو نظرية في الأدب).
الكتاب الذي ضمنه مقالا مهما لآليات التحليل النفسي للنار كما قدمه باشلار بعنوان (التحليل النفسي للنار أو البحث عن حدود جديدة للمنهج الباشلاري).
خاصة وأن النار كما تتجلى في المجهود التحليلي النفساني لغاستور باشلار على مايرى سعيد بوخليط " تحمل مجموعة من الدلالات الفلسفية للموت تتجاوز في نواح كثيرة المستوى البيولوجي لتأخذ أبعاد أنطولوجية أكثر عمقا " (02).
الأبعاد المتجلية بصيغ مختلفة كموضوعات قارة أو متحولة في المتن النصوصي للنصوص الإبداعية الجزائرية لدلالات النار في عتباتها النصية وفي متونها الداخلية كنصوص تنتظر من الناقد الموضوعاتي الكشف عنها وتفكيك دلالاتها الإستعارية.
وهو الجهد الذي لم يبذل بعد وأتمنى أن يحدث ذلك قريبا ضمن عمل جماعي نقدي تتولاه جهة أكاديمية أو مؤسسية، يتم فيه توزيع أدوار الكتابة النقدية من هذا المنظور على عدد من النقاد المتخصصين وغير المتخصصين ضمن حقل النقد الموضوعاتي الكفيل بوضع هذه النصوص (نصوص النار) داخل دائرة التحليل النقدي الموضوعاتي.
والله الموفق.
***
قلولي بن ساعد / كاتب وناقد جزائري
................
هوامش
01) شهادات الأسر ومشاهد الكتابة ميغل سيرفانتيس في الجزائر 1575 / 1580
محمد عبد الكريم أوزغلة ص 114 دار القصبة الجزائر 2012
02) أنظر مقال التحليل النفسي للنار أو البحث عن حدود جديدة للمنهج الباشلاري ضمن كتاب غاستون باشلار نحو نظرية في الأدب سعيد بوخليط ص 119 منشورات الإختلاف / دار الفارابي الجزائر / بيروت 2011








