عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

حبيب ظاهر: قراءة في نص مسرحية "وجه واحد لعملتين" لأمير حيدر

كسر عنوان المسرحية معادلة المقولة التقليدية (وجهان لعملة واحدة) وخلق حافزا لاكتشاف المغزى من عبارة (العملتين بوجه واحد) ويتم ذلك عند الانتهاء من قراءة النص كاملا، وهذا امر يندر وجوده في الكثير من النصوص التي غالبا ما يلجأ المؤلفون إلى الكشف عن مغرى عناوين نصوصهم في الصفحات الاولى، أما المؤلف الذي يضمر مغرى ومرامي عنوان نصه فهو -بلا شك- عميق التفكير ويدرك مكامن أسرار الدراما، ومنها أهمية أن لا يقول كل شيء منذ البداية، ويخلق محفزات للمتابعة حتى النهاية.

أوجز المؤلف في التوطئة التي سبقت النص المحاور الفكرية التي سيجري التصدي لها، بصيغة قصيدة شعرية، تمهيدا للدخول في لجة جدلية: الخلود والفناء - الحضور والغياب، عبر صراع وجودي بين كينونة الفنان والعمل الفني.

تقسيم خشبة المسرح بحسب إرشادات المؤلف يمنح الاخراج مساحة للعمل، وبالوقت نفسه يوحي بأن المؤلف يمتلك رؤية فنية/ اخراجية لتجسيد الزمن الحاضر في الجانب الأيمن، وأزمان مختلفة في الجانب الأيسر تبدأ في عام 1619 في فرنسا وتنتهي عام 1911 في إيطاليا، كما يساعد هذا التقسيم السينوغراف في إنشاء وتبديل المنظر بسهولة. يبدو الانتقال من القسم الأيمن إلى الأيسر لأول وهلة وكأنه ذهاب للاستذكار والرجوع إلى الماضي، ولكنه في جوهره - وإن استند إلى صورة تاريخية للوحة الموناليزا وتنقلاتها بين قصرين وغرفة نوم ومخزن - أنشأ واقعا متخيلا لعملية تلقي وتفاعل الزوار مع اللوحة. تنطوي عملية تقسيم الخشبة والانتقالات من قسم إلى آخر على جرأة المؤلف على تجريب في بنية الدراما المسرحية عبر الزمان والمكان بمرونة، مع المحافظة على تماسك وحدة الفعل واستمرارية الحدث الدرامي الكامن في باطن الشخصيات والظاهر في سلوكها وحوارها المكتنز بالأفكار والمشاعر.

سبعة شخصيات تتحاور على مدى أكثر من ستين صفحة، شخصية (الموناليزا) و(دافنشي) لا تغادر الخشبة، هي القاسم المشترك ومحور الصراع بين مشاهد النص، وتتنقل بين الأمكنة والأزمنة بغية التوصل إلى حقيقة وجودهم، والكشف عن واقع متلقي الفن ومآربهم عبر زمن امتد لأربعة قرون.

يتكون هيكل النص من تسعة مشاهد، خمسة لقاءات بين (دافنشي) و(الموناليزا) يضاف اليهم (الحارس) في المشهد الخامس، واربعة مشاهد تجمع الزائرين الأربعة مع دافنشي والموناليزا، وقد عنون المؤلف هذه المشاهد بما يوحي بمضمونها ومحور حواراتها:

1. الزيارة الأولى بعنوان المشهد (الحضور والغياب) في قصر فونتينبلو لملك فرنسا فرانسوا الأول عام 1619.

2. الزيارة الثانية بعنوان (الانتظار) في قصر فرساي الذي يسكنه ملك فرنسا لويس الرابع عشر عام 1715.

3. الزيارة الثالثة بعنوان (السلطة والحرية) في غرفة نوم القائد نابليون بونابرت في فرنسا عام 1800.

4. الزيارة الرابعة بعنوان (الذات والآخر) في أحد المخازن او البيوت في إيطاليا عام 1911.

التحولات المشهدية زاخرة بالتنوع الزماني والمكاني وحضور شخصيات جديدة، مما يجعل لغة التأليف/الاخراج متدفقة بالإثارة والتشويق وذات إيقاع متصاعد حتى وإن اكتفى المخرج بتجسيد ما جاء في إرشادات المؤلف الصريحة والضمنية المتواجدة بين طيات الحوار.

لغة النص الشاعرية حافلة بالصور والاستعارات تعمل على تحفيز التفكير وتثير الخيال بشكل يجعل قارئ النص ومشاهد العرض متمسكا بالمتابعة، ويحفز الإخراج على تجسيد حركي يدعم صور الحوار، لتتكامل الصورة الكلية للنص/ العرض. بناءً على تكرار مفردات منذ الحوارات الأولى مثل: (الحضور والغياب) و(الخلود والفناء) ص18: الموناليزا: هل تجد غيابها في حضوري؟ - ص18: زائر١: حضورك يملأ فراغ الغياب - ص18: الموناليزا: كل فقدان يمكن أن يخلق مجالا للحضور- ص19: الموناليزا: كل غياب يحمل وعدا بوجود جديد.

منذ بداية اللقاء الأخير (1) في متحف اللوفر يوضح المؤلف العلاقة الندية بين لوحة الموناليزا ومبدعها دافنشي، ذلك أن العمل الفني (وهذا ينطبق على أي عمل يخلفه الإنسان ويغيب عنه) لا يحتاج مبدعه مع تقادم الزمن لانه اصبح كينونة مستقلة واكتفى بذاته.

الزيارات الأربعة

أربعة زيارات قام بها دافنشي للموناليزا وفي كل زيارة يجد عندها زائرا جديدا ينظر إليها ويكشف عن غاية يرمي الى تحقيقها:

الزيارة الأولى (الحضور والغياب) قصر فونتينبلو لملك فرنسا فرانسوا الأول عام 1619. يحضر دافنشي بعد مئة عام لزياة لوحته لأول مرة، تعاتبه وتغار عليه، يرقصان، يعزف، انه لقاء عاشقين، يقطع تدفق مشاعرهم دخول الزائر الأول الذي يرى في الموناليزا حبيبته غادرته (أنني آتي إلى هنا كثيرا أبحث عن ذكراها ص17) ويقول للموناليزا (حضورك يملأ فراغ الغياب ص18)

زيارة دافنشي الثانية للوحة الموناليزا كانت في قصر فرساي عام 1715 بعد مئة عام من الانتظار، حدثت تغييرات كثيرة في العالم والموناليزا باقية كما هي. يأتي الزائر الثاني الذي يقول حالما يرى اللوحة (يا للروعة … الجمال الخالد، أنت ليست مجرد لوحة … أنت سيدة الكمال) انه يرغب بشدة بتملكها بعد طول انتظار، ولكنه يواجه بالرفض لأنها عصية على الخضوع لغريزة تملك شخص واحد، فهي ليست ملكا لأحد، ولا حتى لمبدعها/دافنشي.

يزور دافنشي اللوحة للمرة الثالثة، يجدها محبوسة في غرفة نوم (نابليون) الذي امتلكها عام 1800، وهذا لم يبعدها عن الزائر الثالث (أحد الخدم) يريد سرقتها بقصد تحريرها من سلطة نابليون، يريد أخذها إلى بيته لتجد الأمان، لكنها ترى في ذلك قيد جديد وتقول : (من الاجمل أن اكون محاطة بالجمال والحياة بدلاً من ان اكون محصورة في مكان واحد ص46) وتقول الموناليزا: (أدركت أن الحرية ليست في المكان بل في كيف يُنظر إلي في المتاحف … رمزا للإلهام. ص47).

يعثر دافنشي في الزيارة الرابعة على الموناليزا في مخزن أو بيت داخل صندوق في إيطاليا/ موطنها الأصلي، يخرجها دافنشي من صندوق ويعلقها على حائط، يدخل الزائر الرابع (حارس) وهو في حقيقته ليس مجرد حارس بل هو رسام يعود الى اللوحة بين حين وآخر، لأنه يرى في ابتسامتها شيء لم يره الاخرون، (نصفها حزين والآخر سعيد) ويرغب بتحرير يديها ورسم شخصا آخر بجانبها لانها تعاني الوحدة، النقاش بينهم لا يفضي إلى نتيجة بقدر ما يثير تساؤلات عن أن اللوحة الناقصة بتعمد. وان عبقرية دافنشي جعلتها هكذا لان هذا هو الكمال وهو من عناصر الخلود.

محاكاة معاصرة:

اللقاء الأخير 4 يتناول الرسم على جهاز الايباد والفن الرقمي الذي لا يحتاج إلى جدار ليعلق عليه ولا اية مادة سوى الضوء الملون، ومديات البقاء بالمقارنة مع اللوحة المرسومة بالفرشاة والألوان وهنا يتساءل دافنشي: (هل خلودك كان بسبب وجودك في إطار أم لأن فكرتك تجاوزت حدود الزمن؟ ص49) وهنا يكسر المؤلف إطار التاريخ ويمد الزمن إلى الآن والآتي. ذلك "إن ما ترسمه الروح من منابعها الباطنية الخاصة في الأعمال الفنية إنما تسبغ عليها الدوام في وجودها الخارجي ايضا، ومن جهة أخرى فإن الشيء الحي الفردي في الطبيعة هو شيء وقتي متلاش متغير في المظهر الخارجي، بينما العمل الفني يستمر حتى إذا لم يكن مجرد دوام مما يشكل انبثاقه الاصيل متفوقا على الواقع الطبيعي" (فريدريك هيجل: علم الجمال وفلسفة الفن، تر: مجاهد عبد المنعم مكتبة دار الكلمة، ط١، القاهرة،2010، ص66)

منطلقات الصراع والتحولات الدرامية

1. يبدأ الصراع بين الذات (دافنشي) الذي صنع خلود العمل الفني (الموناليزا) وبين العمل الفني (الآخر) الخارج عن السيطرة، ولا يمكن التحكم بما سيؤول إليه، بمعنى أن الموناليزا خرجت من ذاته وتحررت منه، وأصبحت (الآخر) الذي امتلك معنى الخلود المستقل بذاته

2. يتصاعد الصراع بين ذات دافنشي الذي منح الخلود للآخر (الموناليزا) وأراد أن يخلد من خلالها، ولكنه تفاجأ بأنه لا يتمكن من التحكم بمعنى ذلك الخلود، لأن الآخر (الموناليزا ما عادت تحت سيطرته، وآلت أمورها الى جمهورها، فالجمهور هو من خلد الموناليزا، أما دافنشي فقد أوجد فيها عوامل الخلود.

3. التحول الدرامي وذروة الأزمة: اللقاء الاخير/الخامس يلعب دافنشي والموناليزا لعبة تبادل الأدوار، تخرج هي من إطار اللوحة ويدخل هو ضمن حدود الإطار، ينتابهم شعور غريب، يفاجئهم حارس المتحف الذي يعرف اللوحة ودافنشي جيدا، يأمرهم بالعودة إلى أدوارهم الأصلية، هنا تبدأ الأزمة والتحول الدرامي، عندما يتغير شكل الموناليزا.

الموناليزا:لقد بدأت أتحرر من ربقة الخلود، انه حمل ثقيل ووهم كبير.

دافنشي: وبدأت أتحمل وزر ذلك وأنا غير قادر عليه.

4- يبدأ حسم الصراع (الحل) عندما يحاول الحارس إرجاعهم بسحب دافنشي خارج إطار اللوحة، لا يتمكن من ذلك، يسحب الموناليزا واذا بها (تتفكك بين يديّ .. وتتقطع أوصالها كأنها دمية ص63) يخرج دافنشي من الإطار الذي يتحول الى مرآة وكل من يقترب من الإطار يرى نفسه فيه، الحارس ذي الوجه العابس والموناليزا التي بدأت تهرم … يختم المؤلف مسرحيته بالحوار التالي: الموناليزا: … أنا كنت واهمة أن الخلود سيحميني من الفناء الذي لابد وأنه جارٍ حتى الخلود لا يستطيع أن يتحدى النهاية… انها لعبة نلعبها ونعرف أننا خاسرون.

دافنشي: انتهت اللعبة.

بمعنى انتهت لعبة جدل الحياة/الموت - الحضور/الغياب - الخلود/ الفناء.

يمكن استنباط فكرة أولية للنص من الحوار التالي : (الخالق يُفنى ويبقى المخلوق ص21) أن عمل الإنسان الإبداعي، أو العمل الذي يكون قبلة للناس للعمل بموجبه او مشاهدته او سماعه او قراءته او الافادة منه يبقى هذا العمل حاضرا، رغم غياب/موت مبدعه/ خالقه/ صانعه. وبالنتيجة أعمال الناس تبقى بعد ذهاب الناس.

تقول الموناليزا لمبدعها: (لقد تحكمت بي واطلقت العنان لابداعك لكنني تحررت منذ اللحظة التي فارقت فيها يدك، انت تملك السلطة فقط على الفعل … لكني أملك القوة على الوجود .. ص35)

مفهوم الفن يقوم على وضع الفكرة في إطار حسي/ فني، وهذا ما يجعل فكرة الفنان تخلد العمل الفني (المحسوس) لأن الفكرة هي الاساس الذي ينبثق عنه الفن، وما يجذب المتلقي إلى الفنون عامة هو العناصر الجمالية الكامنة فيها، فالفنون تقترن بالجمال، وقد عرف (فريدريك هيغل 1770-1831 ) "الجميل بأنه التظاهر الحسي للفكرة" (هيغل: المدخل إلى علم الجمال – فكرة الجمال، تر: جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، ط3، 1998، ص189) فاللوحة المرسومة من قبل الفنان إن هي إلا تجلٍ لأفكاره بصورة جمالية. وعليه يقول المؤلف (الامير حيدر) على لسان شخصياته: (الأعمال الفنية تعيش أكثر من البشر ص30) لأن العمل الفني في جوهره (فكرة) يصعب فناءها، مع الأخذ بالاعتبار تغير تسلسل أطراف العمل الفني الثلاثة، ففي البداية يكون (الفنان - الفكرة - العمل الفني) وعندما يكون النظر إلى من وجهة التلقي فالتسلسل هو (العمل الفني - الفكرة - الفنان) وقد عرض المؤلف أربع وجهات نظر لاربعة زائرين/ متلقين للوحة (الموناليزا) في أربعة ازمنة وامكنة مختلفة.

فكرة نهائية

لكل شيء - حتى الأشياء التي نراها خالدة- لها نهاية.

بعد النهاية المأساوية يتضح مغزى عنوان المسرحية (وجه واحد لعملتين) ذلك أن (الموناليزا) عملة، و(دافنشي) عملة ثانية، لكنهما يحملان الوجه نفسه لأن أحدهما انعكاس للآخر، احدهما تسلط على الاخر، حضور أحدهما يعني حضور الآخر، وغياب اللوحة (الموناليزا) هو غياب (دافنشي) وان الجدلية القائمة للأبد -إلى ما شاء الله- تكمن في السؤال التالي: هل أن حضور الموناليزا تخليد لدافنشي؟ ام ان دافنشي خلّد الموناليزا وغَيَّبَ نفسه؟ ام أنهما مقترنين للابد حضورا وغيابا؟ مآلات الأمور متروكة للمتلقي: العمل الفني يخلد الفنان ام الفنان خالد بعمله الفني، أم أن لكل شيء نهاية وما الخلود إلا فكرة اخترعها الانسان وهو يعلم أن لا وجود للخلود بالفعل.

نظرا للغموض الجمالي والعمق الفكري -ربما- تتطلب قراءة هذا النص واستجلاء مضمونه عدم الانقطاع عن قراءته ثم العودة إليه بعد زمن طويل نسبيا، وقد تبرز الحاجة إلى قراءة ثانية.

اختم المقال بالتمني على المسرحيين أن يقرأوا للمؤلفين الشباب.. انهم يمتلكون رؤى رائعة.

***

د. حبيب ظاهر

.......................

* المسرحية من منشورات الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق

في المثقف اليوم