عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

نبيه القاسم: حسن حميد ومُراوَدةُ الأحلام في مجموعته القصصيّة "براري النساء"

ليست قصص مجموعة "براري النساء" لحسن حميد الصادرة عن مكتبة كل شيء – حيفا 2025 لصاحبها الناشر صالح عباسي مجرد إضافة عدديّة للمجموعات القصصية التي صدرت وستصدر عن دور النشر العربية المختلفة، بل هي قصص تُثير القضية الأساس والأهم التي تُواجه مجتمعاتنا العربية في كلّ الأقطار العربية بمُلامسة ناعمة لا تجرح ولا تُثير ولا تُغْضِب. صحيح أنّ الروائي حسن حميد قال في لقائه الصحفي لجريدة "الجريدة" يوم 5.11.2019 إنّه "ينطلق في نصوصه بالموضوع الحيّ (لمعنى)، والجمال العمرانيّ (المبنى) وعلى الإقناع، والمتعة، والوظيفية". وهو في قصص مجموعته هذه كشف المَخْفي الظاهر المَعلوم عن مجتمعاتنا العربية التي يعيش معظم قاطنيها يرُاودون الأحلامَ التي تُسَكّنُ أوجاعَهم ليستطيعوا الاستمرارَ في هذه الحياة البائسة التي يعيشونها. وأيضا في قصصه هذه عرف كيف يختار الموضوعَ الحيَّ الشاغل لمعظم الناس، وأنْ يُقدِّم القصة المُتماسكة القويّة التي تأخذ بالقارئ بأسلوبها ومُفرداتها وعباراتها المُتناغمة الشاعريّة، وحوارات شخصياتها المَشدودة إلى بعضها، والفضاء الحاضن لها، المُبْعِد بالقارئ عن فضائها الواقعي التَّعس حتى آخر كلمة، فتتركه في مَتاهة وتساؤل وحَسْرة وحزن دَفين وفراغ لا يعرف كيف يخرج منه ليعودَ إلى واقعه الحقيقي.

ما يجمع بين هذه الشخصيات: الفقيرة منها التي تشقى في حياتها، وأمضَتْ عمرَها كلَّه في السَّعي وراء تأمين قوت يومها، والشخصيات المَيسورة التي عاشت في وضع ماديّ جيد وشغلت وظائف مختلفة، وما بين الشخصيات المُتَفاوتة في الأعمار وتجارب الحياة أنّها كلّها شخصيات منزوعة الشخصية وفاقدة التّفكير الحرّ، لا تملك الجُرأةَ للتّمرّد على واقعها البائس. فهي لا تشكو حالتَها، ولا تعمل للتّغيير، ولا يُشغلها ما يجري حولها من أحداث كبيرة كانت أم صغيرة. وإذا ما اختَلَتْ بنفسها تجد نفسَها منساقة في أحلامها الجميلة فتعيش الحياة التي تُعوَّضها عن حياة البؤس التي تعيشها في الواقع. فالرجل، يجد ملجأه في المرأة التي تستقبله وتحضنه وتنسيه الهموم والأحزان كلّها. والمرأة تسعد بوجود الرجل قُربها ليخرجَها من وحدتها ويوفِّر لها أمْنَها وحياتَها التي تريد.

وتكون المأساة عندما يكتشف الرجل ومثله المرأة أنّ ما اعتقدا أنّهما حصلا عليه ليس إلّا وَهْما فيكون الانكسار وزيادة الشعور بالخذلان.

هكذا يصوّر حسن حميد الحالةَ المأساوية التي وصل إليها الإنسان في العالم العربي، فحتى الأحلام التي يهرب إليها من واقعه التَّعس تفجعه وتُعيدُه لحياته البائسة.

براري النساء

هو الاسم الذي اختاره الكاتب لمجموعة قصصه، وبه يؤكّد على أهميّة المرأة ومَركزيّتها في الحياة، وبإضافة البراري للنساء يُحمّل المرأة دورا مهمّا في حفظ التّوازن في الحياة واستمراريتها والقبول بها. فالبريّة هي الفضاء الواسع الذي لا حدود له، فيها لا وجود للقيود والمفاهيم والعادات والتّقاليد والمُحرّمات، والمَسموحات، والاعتقادات، والالتزامات. الإنسان الفَرد هو سيّد نفسه، ولا مَن يراقبه ويُحاسبه ويُعاقبه على ما يقوم به. والبريّة هي مَهرب الخارجين على القوانين الاجتماعية والمُطاردين والمجرمين، كما هي الحاضنُ الآمن للزاهدين والراغبين في التّخلّص من كلّ لَوْثات الحياة للتّوحّد والتّعبّد. البريّة تقبل بالجميع وتحضنهم، وتوفّر البيتَ والمأكل والمَشرب وكل ما يُحْتاجُ اليه. وبتصدّر المرأة للبريّة تتحوّل لتكون الجنة التي يهفو إليها كلّ إنسان ضاقت عليه حياتُه.

وهكذا في الواقع المَعيش، المرأة هي الأساس في استمرارية الحياة، وهي التي تُضفي عليها رونقَها وجمالها وتألّقَها، وهي باعثة الدفء، والأمان، والسّعادة.

المرأة في قصص براري النّساء

تبدو المرأة في معظم قصص المجموعة مخلوقا مجبولا من كلّ ما في الطبيعة من جمال، فهي "قطعة من البحر أو الرّذاذ الذي ترميه الشّلالات" (ص12) وهي "أشبه بالغيمة وهي تركض، وتمطّ جسدَها وتجمعه ثمّ تطويه وتُمدّدُه" (ص15) و "لا بُدّ لهذه القَدم من أن تنزلق ألف مرّة بهذا الجسد الكارثيّ! فلا قدم، ولا يد، ولا رأس، ولا عَيْن.. تحتمل جمالَ هذا الجسد." (ص17)، رأيتها تسبح وهي تضحك، والموسيقى تلفّها، وتلفّ المَسبح، والنباتات، والأزاهير، والسّجادة، والنوافذ، والكراسي، والأَسِرّة. وحين خرجت من المسبح، كانت كائنا من ماء أو زجاج أو مرايا." (18) و "فتحة صدرها اندلقت إلى الأسفل مثل ماء الشلال. فهي امرأة أشبه بغابة، أو عريشة عنب خرافية، لعلّ القدرة الإلهيّة كانت تودّ أن تخلقها غابة، أو عريشة عنب، وقد تصير نحلة هفهافة." (ص93)، وهي "امرأة من ألوان، وأشواق، وأحلام، ومَسرّات، لا تنتهي! كانت أشبه بقلعة اجتاحتها رغائبُ الرّجال وأحلامهم"(ص 120) و " كانت صبية لها وجه مقمّر.. وحار مثل رغيف الطابون، لا سُمرة له ولا شقرة! وجه له لون ربّانيّ، وجه كلّه.. نداءات" (ص132)، و "دنتْ حَذرة مثل طير الدُّرج، وأنا أرامقها بذهول، إنّها تدنو مثل هودج ريحان رَوّاه النّدى، فحلا له الزهو، وتتقدّم وهي تأخذ شعرَها الطويل بأصابعها الروادف، ويرتج جسدُها كلّه بالأنوثة.. كلّما نقلت خطوها! واتكأت على طرف الباب مثل دالية انحنت، لكأن لا ميل في ميلتها، ولا انحناء في انحناءاتها." (ص133) و " لكأنني نُوِّمتُ أو لكأنها ضوء النهار الذي مشى بي، أو لكأنها هي الخدر اللذيذ، أو النّعاس المُشتهى، أو السّحر الحلال. وأيّ جمال يتهاطل على روحي إذا ما قيَّضت لي الدنيا أن أراها في ارتباكها الأنثويّ حيرة، حذرة.. مثل الطيور." (135)، يا لهذا الجسد المحرقة، يا لهذا الوجه الذي دمّرني، تدنو مثل مدينة.. ولا تدنو! أشعر بأنني داخل جهجهة من ضوء، وعتمة، وأنّ ضبابا رخيّا كالفضّة المُذابة يلفّها. أراها تلفّ بي وتدور لكأنّها هي الريح، وأنا الضّباب، أو كأنّها هي هذا الدّبيب الذي يمشي في جسدي. أشعر بها ترتمي في صدري، تُرَنّخ صدري بالدَّمع، أرفع وجهَها إليَّ.. فيبدو سماء ماطرة، أمرّ بالوجه طوافا، وتمرُّ بي.. برقا ورعدا، فأنا ما عُدتُ أنا، أدور بها وتدور بي، أناديها وتناديني، تطردني وأطردها، أهفو إليها وتهفو إليَّ، تُهَمهم وأُهَمهم، تسأل وأسأل، تخاف وأخاف، تبكي وأبكي، تطير وأطير، تذوب وأذوب، وتهدأ وأهدأ.. فنعود معا إلى وَعْينا." (ص140)

مثل هذه المرأة التي كانت تأتي بنعومتها لتحتلَّ رغباتِ أبطال قصص "براري النساء" تُخرجهم من واقعهم المَعيشيّ البائس، تُدغدغ رغباتهم وتُجمّل أحلامَهم فيعيشون أجمل اللحظات التي تأخذهم، فيتوهَّمون أنّها حقيقيّة حتى يُفاجأ كلُّ واحد بعد أن تُغادرَه أنّه كان في وَهْم كبير جميل سرعان ما يعود بعده للمُعاناة والعذاب والشقاء.

المرأة كما الرجل تشقى وتتعذّب وتنتظره لينقذها

ولم تكن حظوظُ المرأة أفضل من الرجل، ففي قصة "المرأة في الشرفة" نجد المرأة التي اختارت حُريَّتَها واستقلالها وتحقيق رغبتها في العلم، رفضت الشباب الذين تقدّموا لخطبتها، وتركت أسرتَها وبلدتَها ورحلت إلى المدينة، وعملت ممرضة في أحد المستشفيات. وبعد سنوات وتقدّم العمر انتبهت إلى حالتها وأنها وحيدة لا مَنْ يهتم بها ويسأل عنها.. مُهملة من الجميع، و "أنّ ما فات فات، وأنّ النَّدم ما عاد يُفيدُها بشيء، لذلك علّقت حياتَها على نهار دافئ قادم أو على مساء فضيّ بَليل.. قد يأتي" (ص47) ولم يكن أمامها غير الجلوس كلّ ليلة في شرفتها تستعيد ذكرياتها وتنتظر الغد لعلّه يأتي بجديد. حتى كان وتلبّسها وهمٌ أنَّ رجلا يمرّ تحت شرفتها تظنه يقصدها، ولكنه يتجاوزها ويختفي، وأخذت تنتظره كلّ ليلة، وصار أكثر ما يعذّبُها في لياليها أنْ يإخذها النومُ قبل قدومه أو أنْ تُطيل سهرَها من دون أن يجيء. حتى باتت تترك بابَها مفتوحا لعلَه يدخل غرفتها. واشتد عليها الوَلَه حتى أكّدت لنفسها في ليلة انتظرته أنّه قادم، فوظبت البيتَ ونظّفت كلّ زاوية، ورتّبته بشكل جميل، "وقبل أن يطويها النوم واليأس معا، رأته قادما كالضباب.. مُنقادا لخطا رَخيّة يدنو على ريث شديد. ولما اقترب أكثر سيّجته بنظرها واهتاجت الروحُ في داخلها وضجّت قدماها بالحركة، ودونما إبطاء انطلقت إليه لتستقبله قبل أنْ يذوبَ في المَدخل" (ص51). وهكذا انساقت وراء خيالاتها حتى عادت إلى وعيها واكتشفت أنّها كانت تعيش حلما جميلا سرعان ما تلاشى، وعادت إلى واقعها الذي تُعاني منه.

ومثلها النساء الثلاث المُتقدّمات في العمر، اللاتي اخترن حياةَ الحرية والاستقلال، وقد اتّفقن على القيام برحلة، وأنْ لا تتحدّثن عن الرجال مُطلقا، وأن تبتعدن عن ذكرياتهن وتاريخهن معهم "قرّرن نسيان تاريخ الرجال كلّه، من أيام حمورابي إلى زمن محمد علي كلاي، حتى أنَّ إحداهن قالت: بلا رجال بلا بطيخ كل شيء في هذه الرحلة سيكون أنثويّا، سيكون مديحا للمرأة والأنوثة" (ص113).

وكان شاطئ البحر ممتلئا بالنساء والرجال والأطفال وكذلك الغابات، وكانت قُرب البحر عرائشُ مختلفة، فأثارتهن، ورغبن في اكتشاف ما فيها، واتّفقن على ترك أيّ عريشة يجدن فيها رجالا. وكان، وبدأن صباح الغد بتَفقّد العرائش. وحدث أن اختارت كلٌّ منهن عريشة من الخيزران، دخلتها ولم تُغادرها إلّا قبَيْل الغروب، ولمّا التقت الصديقات رأت كلّ واحدة في وجه الثانية هالةَ قمر. فقد وجدت كلّ منهن في العريشة التي دخلتها رجلا أسعدها وعيَّشها ساعات من المُتعة والسعادة والفرح كانت ترغب فيها وتنتظرها.

هكذا يؤكّد لنا الكاتب أنَّ الحياة لا تكتملُ ولا تكون فيها سعادة وفرحٌ وطمأنينة وأمن إلّا بوجود المرأة والرجل، ففيهما معا تتحقّق الجنّةُ وتَنْوجد، وبافتقاد الواحد للثاني يكون الشقاءُ والعذاب.

هموم الناس الأخرى

ومن الشخصيّات التي عرفناها في القصص انكشفنا على الحياة البائسة التَّعسة التي يحياها الإنسان العربي في معظم بلدان عالمنا العربي. فالإنسان العربي من كلّ الطبقات الاجتماعية يفتقد للحرية والعدالة والشعور بالأمان في بيته وبلدته ووطنه، فسيفُ الحاكم الظالم يبقى مُسَلَّطا على عنقه، فلا يملكُ الواحدُ حريةَ الكلام وحرية الكتابة وحرية الشكوى، وحتى تُحرَّم عليه الآمالُ والرّغبات والأمنيات، وليس له من مَهرب غيرُ الأحلام التي تُخرجه من واقعه البائس ولو للحظات تُعَيِّشُه في سعادة يتمناها وتُساعده على مواصلة درب الشقاء في سنواته الباقية له.

الهرب ليس الحلّ المطلوب

حتى مَنْ يُخطّطُ للهَرب إلى مكان قد يوفّر له الحياة الأفضل لن يحظى بما أراد، فابنُ الريف يُفكِّر بالرحيل إلى المدينة، ففيها، كما يعتقد، فرصُ النّجاح أكبر، فيصطدم بواقع شرس قاس، كما حدث للطلاب الذين قصدوا المدينة للدراسة فسحقتهم وضيّعتهم، والفتاة التي رحلت للمدينة فوجدت نفسها آخر سنوات عمرها وحيدة مُهمَلَة تنتظر مُنْقذا لن يأتيها، فتعيش على أحلامها التي تزيدها شقاء.

وقد يفكر الواحد بترك الأهل والبلدة والوطن والرّحيل إلى بلاد بعيدة غريبة، فقد ينجح ويَغتني ويستقر في حياة هانئة آمنة، لكنه يظل يعيش مع شعور الغريب البعيد عن كل مَن أحبّ، وفي قلق دائم على غَدِ أبنائه وأحفاده في الغربة، ومصير أهله ووطنه في البعيد. فلا يجد الرّاحة ولا السّعادة، مُمَزّقا بين عالمَين مُتباعدَين كما رأينا ما حدث لبطل قصة "الغربة".

إنسان فقَدَ الإحساسَ بالظلم

المؤلم المُثير الذي تكشفه لنا قصص "براري النساء" أنّ الإنسان العربي في الوطن العربي، من كلّ طبقات الشعب في هذا الزمن الرديء فقَد الإحساسَ بعالَمه الذي يعيش فيه، وبالعالم الواسع الذي يُحيطه، فهو مُنغلقٌ على ذاته، لا يُفكّر إلّا باحتياجاته الماديّة والرَّغبويّة العابرة، فهموم الناس والوطن والعالم أصبحت غريبة عنه، حتى قضاياه هو ومجتمعه الصغير، لا يُعيرُها اهتمامَه، فهو مستسلم لواقعه وكأنه قَدَرُه، لا يفكِّر بتحسينه وتغييره أو حتى الشكوى منه، وتغيبُ عنه صرخة أبي ذرّ الغَفاري: - عجبتُ لمَن لا يجدُ القوتَ في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفَه.

 فيندفع للتمرّد على أوضاعه ويعمل على تغييرها.

وهنا توجد الطامة الكبرى، أنْ لا وجود في هذا العالم العربي اليوم لمَنْ يرفع صوته ويصرخ: كفى.. ولن نقبل بالسّكوت بعد اليوم.

جماليّات القصص

لغة قصص "براري النساء" جميلة مُنسابة بإيقاعها الجميل، تصل في بعض تعابيرها إلى حدود الشعر المُتغلغل في الأعماق. والحبُّ هو اللحن الطاغي على معظم الشخصيات، حبٌّ يأخذ بالواحد إلى عالم مِنَ النَّقاء والطّهارة والجمال والفَرح، ولكنه سرعان ما يختفي ويترك صاحبَه في بؤس وتعاسة وعذاب. والأحداث غير المتوقّعة، تتواصل ما بين واقع مَعيش ملموس وآخر مُتَخيّل سحري، لا ما يفصل بينهما. وشخصيّات بائسة قلقة تُحبُّ ولا تعرف الكُرْهَ. تتعايش وتتواصل وتتباعد وتحزن وتفرح وترضى وتأتي وتروح بهدوء. وبدايات تشدُّنا لمُتابعة الحكايات فتُعَيِّشنا أجملَ اللحظات، وتدفعنا لذَرْف الدموع أحيانا كثيرة، وللغضب والرّغبة في الهَرب. وتكون النهايات التي تتركنا في مَتاهات تُضيّعنا، فلا نعرف كيف ستكون هذه النهايات.  نهايات كلّها غير محسومة في خواتمها. تتركنا لنُقرّرَ كيف ستكون مآلات الناس الذي عايشناهم لدقائق أو ساعات اختلينا بهم.

***

د. نبيه القاسم

في المثقف اليوم