عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

ئاريان علي: الصحو المؤلم في بحيرة الشيطان

غادة السمان ومساءلة المحرمات الوجودية

المواجهة الأولى مع مرآة الروح

(ولكن العباقرة فقط، والمناضلين السياسيين، والمثاليين، والمؤمنين، والأذكياء والمرهفين هم الأكثر تعرضاً للصحو الكلي. الجنون. أما الناس العاديون، فهم أقل تعرضاً لهذا الصحو لأنهم لا يرهقون أنفسهم بالتفكير، ويتبنون آلياً المواقف الاجتماعية السائدة، ويقصرون وجودهم على التكيف معها).. غادة السمان من كتاب: السباحة في بحيرة الشيطان

بهذه الكلمات الأصيلة المأخوذة من عمق وجدان كتابها، يضعنا نص السباحة في بحيرة الشيطان منذ اللحظة الأولى أمام مرآة الروح العارية من كل مساحيق التجميل الاجتماعية والأخلاقية المزيفة، ليكون المدخل هنا بمثابة جرس إنذار وجودي يوقظ العقل الإنساني من سباته التقليدي العميق، ويفتتح التوتر الخلاق بين الخوف المقيم والحرية المشتهاة، متخذاً من الصفحة الأولى حلبة صراع يسعى فيها الكائن لإحراز جوهره الأصيل وسط زحام الشعارات المتوارثة.

سيرة التمرد في مواجهة المسلّمات

وتتجسد غادة السمان، المولودة في دمشق عام 1942، كواحدة من أبرز علامات التمرد الواعي في تاريخ الثقافة العربية الحديثة؛ فقد نشأت في بيئة دمشقية عريقة ومفتوحة على آفاق الفكر بفضل والدها العالم والأكاديمي أحمد السمان، مما زرع فيها منذ الصغر مبكراً جرأة التساؤل ومساءلة المسلمات. ولم تكتفِ بالبقاء داخل صالونات الأدب الرغيدة، بل اختارت طريق المنفى الاختياري والتجوال بين بيروت وباريس والعواصم الأوروبية، متخذة من تلك المرافئ مراصد حية لمراقبة تشظيات الهوية العربية وتحولات المجتمع الحادة، لتمتد مسيرتها الأدبية عبر عقود من الاشتباك العارم مع قضايا التحرر الإنساني، والتنوير الثقافي، وتفكيك القمع، متبعة أسلوباً عابراً للأجناس الأدبية يزاوج ببراعة بين السرد الشفيف والنقد الفلسفي الحاد، فلم تكتب قط من برج عاجي، بل من قلب الشارع وعمق التجربة الحياتية المعيشة.

السبر السيكولوجي وسياقات التوثيق في بحيرة الشيطان

ويأتي كتاب السباحة في بحيرة الشيطان الصادر عام 1979 ليمثل المجلد الثالث من مشروعها الشهير «الأعمال غير الكاملة»؛ حيث كانت غادة السمان تقيم حينها في بيروت التي كانت تموج بالمخاضات الفكرية والسياسية المشتعلة قبيل وخلال الحرب الأهلية اللبنانية، فاتخذت منها منارة لاختراق المحرمات الثقافية، ولضمان استقلاليتها الكاملة وكسر احتكار دور النشر التقليدية أنشأت عام 1977 دار نشر خاصة بها أسمتها «منشورات غادة السمان» في بيروت لتباشر طبع ونشر هذا الكتاب وغيره من الأعمال التي حظيت بطبعات متتالية. وبسبب طابعه الصادم وجرأته في اقتحام المناطق المحرمة، تعرضت الكاتبة لحملات نقدية ضارية من التيارات المحافظة والمؤسسات الدينية والثقافية الأبوية والنخب الرقابية التي رأت في نصوصها تهديداً للموروث السائد، واتهمتها بالإغراق في العدمية الغربية لملامستها تخوم «الجنون، والسحر، واللاوعي، والتنويم المغناطيسي، والتقمص» وخروجها عن الخطاب الأيديولوجي المباشر. ويقع هذا النص كاملاً في حقل علم النفس الموازي والتأمل الوجودي عبر باقة مكثفة من المقالات التي تتجاوز السطح اليومي لتغوص في ظاهرة الجنون الواعي، والمخدرات والوعي الباطن، ورقى الشياطين، وهواجس ما وراء الماديات؛ متناولةً تفكيك سيكولوجية الإنسان المتمرد وتبيان أن العباقرة والمفكرين هم الأكثر عرضة لـ «الصحو الكلي المؤلم» الذي يصفه المجتمع خطأً بالجنون، بينما ينجو الإنسان العادي بالقبول بالتدجين والعيش داخل القطيع المتكيف. ولم يكن هذا العمل تجربة فلسفية الأولى أو طارئة على مسيرتها، بل هو الامتداد الطبيعي والذروة الأسلوبية لنهجها الفكري المنتشر في مجموعاتها القصصية الأولى مثل «عيناك قدري» و«لا بحر في بيروت» و«الليل الغريب»، إلا أن «السباحة في بحيرة الشيطان» أعلن قطيعة كاملة مع السرد الصحفي المباشر، مكرساً أسلوبها الفريد الذي يزاوج بين أدب اعترافات الذات، والتحليل النفسي على خطى فرويد ويونغ، والفلسفة الوجودية التمردية التي تجعل القراءة برمتها عملية تطهير نفسي عارمة تعري التناقضات المكبوتة وتحرر الوعي من الشعور الزائف بالإثم.

المخاضات الفلسفية وتقاطعات الثمانينات

ويندمج هذا العمل الأدبي الاستثنائي في جوهره الفكري ضمن المخاضات والتحولات الفلسفية التي شهدها العقد التاسع من القرن العشرين، حيث سادت فترة الثمانينات حالة من الأزمات المركبة وانكسارات الوعي الجمعي التي غذت تصاعد الفلسفة الوجودية المتأخرة ونزعات العبثية، إلى جانب تيارات التفكيكية ونقد آليات السلطة والمؤسسة. ولم تكن السمان تغرد مندفعة في هذا الخندق السردي بمفردها، بل التقت روحياً مع مشروعات فكرية وأدبية عميقة انتهجت نفس السبر الفلسفي لتعرية الواقع الإنساني، كما نجد في مشوار عبد الرحمن منيف الروائي الذي غاص في السيكولوجيا السياسية للإنسان المقهور، وما قدمه إدوارد سعيد في مضمار النقد الثقافي حول الاغتراب والمنفى الوجداني للمثقف، وصولاً إلى أطروحات ميلان كونديرا العالمية حول خفة الوجود وتفكيك الشمولية، ليظل هذا النص إشارة علامة وثيقة شاهدة على قدرة الأدب الحقيقي في اختراق البحيرات الراكدة وإعادة كتابة شرط الحرية الإنسانية.

***

ئاريان علي

في المثقف اليوم