دراسات وبحوث

حماس سعيد: الاستشراق اللاهوتي والسطو على التاريخ

الملخص: يهدف هذا البحث إلى دراسة العلاقة العضوية بين الاستشراق اللاهوتي أو ما يسمى بعلم الآثار التوراتي باعتبار الأخير تجليًا ماديًا له وتاريخ فلسطين ومنطقة الشرق عامة، وبيان كيف وظّفت القوى الاستعمارية هذا العلم (علم الآثار التوراتي) لخدمة المشروع الصهيوني في فلسطين. فمنذ بدايات القرن التاسع عشر، تحوّلت "أراضي الكتاب المقدس" إلى مختبر لتجارب أيديولوجية هدفها إضفاء شرعية تاريخية ودينية على الكيان الاستيطاني عبر فرض قراءة توراتية على الجغرافيا الفلسطينية، وتهميش التاريخ العربي الإسلامي. والتركيز على دور المؤسسات الغربية والبعثات الأثرية - بدعم حكومي وكنسي - في اختلاق سرديات أثرية توراتية قائمة على التلفيق والتحريف، مثل ربط المواقع الفلسطينية بأسماء توراتية مزعومة. وفي الأخير يستعرض البحث جهود عدد من المفكرين، خاصة فاضل الربيعي، في نقد الرواية التوراتية والجغرافيا الدينية المفترضة، من خلال إعادة قراءة النصوص وربطها بجغرافيا اليمن وجنوب الجزيرة العربية.

المقدمة

منذ صدور كتاب إدوارد سعيد الشهير والمؤسس "الاستشراق"، بدأ العديد من الباحثين في الربط بين الاستشراق اللاهوتي وعلم الآثار التوراتي، باعتبار الأخير تجليًا عمليًا للأول، وامتدادًا معرفيًا وأيديولوجيًا للمشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين ولبنان وسوريا. فمنذ نشأته، لم يكن علم الآثار التوراتي مجرد مسعى علمي للكشف عن الماضي، بل جاء لخدمة أجندات لاهوتية واستعمارية، تداخلت فيها الرغبة في تأكيد سردية دينية مع طموحات سياسية توسعية. ويكفي أن اسمه "التوراتي" مما يدل على انحيازه وعدم موضوعيته. إذ يتخذ من نصوص "العهد القديم" مرجعية أساسية، لا باعتبارها نصوصًا دينية عقائدية، بل وثائق تاريخية تعطي الشرعية لمشروع استيطاني امبريالي. فلقد لعب المستشرقون التوراتيون دورًا مركزيًا في صياغة هذا العلم، حيث حوّلوا فلسطين إلى مختبر أثري تُسقط عليه سرديات توراتية لا تؤيدها الأدلة الأركيولوجية، عبر اسقاط جغرافيا التوراة على الجغرافية الفلسطينية بشكل تعسفي، مع إقصاء متعمد لمراحل طويلة من التاريخ العربي والإسلامي. ومن هنا، يسعى هذا البحث إلى تحليل البنية الاستشراقية اللاهوتية التي شكلت الأساس النظري والمنهجي لعلم الآثار التوراتي، والكشف عن دوره في إنتاج رواية مزيفة حول تاريخ فلسطين القديم تخدم أهداف المشروع الاستيطاني الصهيوني. بالإضافة إلى تناول مساهمات عدد من المفكرين المعاصرين الذين واجهوا هذا التزييف، وعلى رأسهم المفكر العراقي الراحل فاضل الربيعي، الذي أهدي هذا العمل المتواضع إلى روحه، إذ شكّل رحيله قبل أشهر خسارة كبيرة لمجال الاستشراق التاريخي ونقد علم الآثار التوراتي. ورغم أن الربيعي لم يكن أول من خاض هذا الميدان – فقد سبقه مفكرون بارزون ككمال الصليبي – إلا أن ما يميز أطروحاته هو جرأتها وعمقها، على الرغم من أنها لم تخلُ من جوانب قابلة للنقد. ومع ذلك، تبقى جهوده من المحطات الفكرية المهمة في تفكيك الهيمنة المعرفية الغربية وتحرير المخيال العربي من أسر السردية الاستعمارية. وبذلك تكمن أهمية هذا البحث في اعتماده على منهج نقدي مقارن، يضع النصوص التأسيسية في مواجهة نصوص مناقضة لها، ويحلل أثر التزييف المعرفي في إنتاج خطاب تاريخي مضلل، مع السعي إلى تفكيك الارتباط بين العلم والهيمنة التوراتية الصهيونية، واستعادة سردية تاريخية أكثر موضوعية واتساقًا مع الواقع التاريخي والجغرافي للمنطقة.

أولا: علم الآثار التوراتي بوصفه تجليًا ماديًا للاستشراق اللاهوتي

لطالما كان التاريخ القديم للمنطقة، وبخاصة تاريخ فلسطين، نقطة تقاطع بين الأبعاد السياسية والدينية، وهذا التقاطع يتجلى بوضوح في "علم الآثار التوراتي" باعتباره تجسيدا عمليا لعلم الاستشراق اللاهوتي. وتعتبر الحقبة الموالية لسقوط الدولة العثمانية في أوائل القرن العشرين العصر الذهبي لعلم الآثار التوراتي وفقا للعديد من الباحثين وفتح الشرق الأوسط أمام البعثات الغربية والتي لم تكن لم تكن مجرد بعثات ذابت طابع أكاديمي بقدر ما كانت بعثات استشراقية استعمارية، أثّرت بشكل عميق في تشكيل السرديات التاريخية وهوية المنطقة. وقد حلت الحكومتان الانتدابيتان البريطانية والفرنسية محل السلطة العثمانية في سوريا-فلسطين والعراق، وتم إنشاء دوائر آثار محلية.[1] غير أن الأصول البعيدة لهذا العلم تعود للاحتلال الغربي لبعض أجزاء الشرق. فقد شكلت حملة نابليون على مصر بداية علم المصريات. وبرز هذا العلم نتيجة نجاح جان فرانسوا شامبوليون في فك رموز الهيروغليفية في 14 سبتمبر 1822. وأدى ذلك إلى زيادة الاهتمام بعلم الآثار. وبناءً عليه، انتشر الاهتمام بشرق الأدنى القديم، أي "أراضي الكتاب المقدس"، في أنحاء أوروبا. وكانت حكومات أوروبا: الدول الألمانية (لاحقًا ألمانيا)، فرنسا، بريطانيا العظمى، وحتى روسيا، حريصة على دعم أي بعثات استكشافية إلى الشرق الأدنى القديم. ونتيجة لذلك، تلقت مصر، وبلاد ما بين النهرين، وفلسطين بعثات أثرية متعددة. ومع مرور الوقت، ترسخ علم الآثار في الجامعات. وساعد على ذلك ميل العديد من الدول لبناء متاحف وطنية منذ القرن التاسع عشر. ومن بين هذه المتاحف الشهيرة المتحف البريطاني.[2]

لقد نشأ علم الآثار التوراتي في سياق تاريخي وسياسي تزايد فيه الاهتمام باستعادة تاريخ "الكتاب المقدس" خاصة من قبل الكنيسة البروتستانتية. حتى أن مصطلح "علم الآثار" في اللغة الإنجليزية ارتبط في بداياته بالمعرفة المتعلقة بإسرائيل القديمة من المصادر الأدبية، ولا سيما الكتاب المقدس. ومع اتساع نطاق الاهتمام ليشمل مناطق أخرى، ابتُكر مصطلح "علم الآثار التوراتي" لتمييز هذا الفرع الذي يركز على الكتاب المقدس. ويُعد اللاهوتي الأمريكي إدوارد روبنسون، الذي زار فلسطين عام 1838 برفقة تلميذه إيلي سميث، الأب المؤسس لهذا العلم. كان هدفه المعلن "استعادة الواقع التاريخي للنص التوراتي، لجعل الكتاب المقدس أكثر إقناعًا وفهمًا"، وهو ما تجلى في كتابه "البحوث التوراتية في فلسطين وجبل سيناء والعربية البتراء". حيث كان لعلم الآثار الغربي (التوراتي) دور كبير في تناول هذا التاريخ وتشكيله تشكيلاً خاصاً. وتكمن خطورة هذا التشكيل في وجود العديد من أوجه الخلل في الأسس التي بني عليه. ومن أوجه هذا الخلل اتخاذ التوراة نطاقاً لدراسة هذا التاريخ..[3]ولم يقتصر هذا التوجه على الأفراد؛ ففي عام 1865، تأسس "صندوق استكشاف فلسطين" (Palestine Exploration Fund) في بريطانيا تحت رعاية الكنيسة الإنجليكانية، بهدف معلن هو "الاستكشاف الكامل والمنهجي والعلمي للأراضي المقدسة، وذلك بغرض توضيح الكتاب المقدس بشكل رئيسي". ومن بين العوامل التي أدت إلى تأسيسه، أولا: نجاح العلماء الغربيين الأوائل في ربط اكتشافاتهم في فلسطين بالكتاب المقدس، مما أثار اهتمامًا جماهيريًا وولّد دعمًا عاطفيًا وماليًا. ثانيا: نشر داروين لكتابه أصل الأنواع والذي اعتُبر هجومًا على الكتاب المقدس، مما زاد الطلب على تأكيد سلطة الكتاب المقدس والبحث في أصول المسيحية. ثالثا: حرب القرم (1853-1856) والتي، رغم أسبابها السياسية، سلطت الضوء على الصراع حول الوصاية الدينية على الأماكن المقدسة في فلسطين.[4]

بدأ الصندوق نشاطه بإرسال تشارلز وارن للتنقيب في القدس عام 1867، حيث وضع حجر الأساس للأعمال اللاحقة في تاريخ وطبوغرافية المدينة. كما قام الفرنسيون بدورهم في التنقيب، إذ استقبل القنصل الفرنسي في فلسطين كليرمون-غانو  (1846–1923) في نفس الفترة. وكان له إسهام كبير في دراسة فلسطين القديمة. ففي عام 1870، تمكّن من الحصول على حجر ميشع (المعروف أيضًا بالحجر المؤابي) من العرب ونقله إلى متحف اللوفر، كما أسهم كثيرًا في مجال التنقيبات وتوثيق النقوش.

وفي عام 1920، تأسست الجمعية الأمريكية لاستكشاف فلسطين، وكان هناك تعاون بينها وبين البريطانيين منذ البداية، حيث تقرر أن تقوم الجمعية الأمريكية بمسح شرق الأردن بينما تقوم بريطانيا بمسح فلسطين الغربية. ومع ذلك، فشلت الحملتان المرسلتان من قبل الجمعية الأمريكية فشلًا تامًا. واصل صندوق استكشاف فلسطين أعمال التنقيب دون انقطاع، ومن نتائج ذلك نشر نتائج الحفريات في أريحا (1913) والسامرة(1924).[5]

وكما رأينا أن نجاح العلماء الأوائل في ربط اكتشافاتهم بالكتاب المقدس في سياق اتسم ببروز علوم اجتماعية جديدة كالأنثروبولوجيا وغيرها ونشر داروين لكتاب "أصل الأنواع" الذي اعتبر هجومًا على الكتاب المقدس، وكذلك حرب القرم التي سلطت الضوء على الصراع حول الوصاية الدينية على الأماكن المقدسة، كلها عوامل غذت هذا الاهتمام والدعم العاطفي والمالي بعلم الآثار التوراتي وبالأراضي المقدسة في الشرق (فلسطين). غير أن الدافع الحقيقي الكامن وراء هذا العلم، والذي لا يمكن تجاهله، هو استخدامه "للتحقق من صحة الروايات التوراتية وكذلك لتبرير احتلال فلسطين". وكذلك لتبرير احتلال فلسطين. وكما رأينا، فإن ذلك يتم إما عن طريق إسقاط الواقع السياسي الحديث — وقت عمل علماء الآثار التوراتيين في فلسطين — على الماضي السحيق، أو من خلال تمجيد الماضي العِبري[6] يتضح هذا في عبارة فريتز ديليتش الذي تساءل عن سبب "بذل جهود في أراضٍ بعيدة، قاحلة وخطيرة؟" وعن "سبب التنافس بين الدول للحصول على حقوق الحفر والتنقيب في هذه التلال المهجورة؟"، ليجيب بوضوح: "هناك جواب واحد لهذه الأسئلة، وإن لم يكن الجواب الكامل، وهو ما يشير في الغالب إلى الدافع والهدف، ألا وهو التوراة". ولقد كان علماء الآثار التوراتيون، وكما يصف فريتز، "يحفرون وينقبون والتوراة في يدهم. فإذا تم الإعلان عن تنقيب في تل فلسطيني لم يتم التحقق من هويته كموقع توراتي استقبل الجمهور هذا الإعلان ببرود، أما حين يقال أن التنقيب سيتم في موقع ذي علاقة بإبراهيم او داود فسيثير الإعلان موجة حماس عارمة تدفع بالمال والصحافة الى الموقع والعاملين فيه. وكلما كان الإعلان " مرتبطا بالبحث أو التنقيب عن شيء خيالي أو أسطوري مثل البحث عن القبائل العشر أو تابوت العهد أو عنزة يوسف الملونة، كانت حظوته بالدعم اكبر". ويبدو أن هذه الملاحظة ظلت صادقة مع توالي السنوات. يقول ويندل فيليبس رئيس بعثة التنقيب الأمريكية في اليمن في أوائل الخمسينات " .. لاقت بعثة سيناء لجمع التبرعات قبولا حسنا، نظرا لعلاقتها بالكتاب المقدس، والأهمية الفائقة المعلقة على تصوير المستندات الدينية، والتي كانت تهم دافعي التبرعات أكثر من كتابة مليوني صفحة عن الآثار القديمة ".[7] وقد أدت هذه التبعية اللاهوتية إلى تحيزات منهجية وتفسيرية عميقة. فكان علم الآثار التوراتي "يهيمن عليه المنهج والتفسير من قبل النصوص التوراتية". وهذا يحيلنا إلى ملاحظة إدوارد سعيد القائلة بأن أغلبية المستشرقين، حتى منتصف القرن التاسع عشر، كانوا من الباحثين التوراتيين الذين كانت معرفتهم بالشرق، معرفة نصية.[8] فالشرق موضوع الدراسة كان عالما نصيا على نطاق واسع، وتم انتاجه عبر الكتب والمخطوطات، وليس عبر العاديات القديمة مثل التماثيل والفخاريات كما هو حال في إنتاج اليونان في عصر النهضة. وحين كان مستشرق يتنقل في بلد اختص به، كان ينتقل وفي ذهنه أحكام مجردة عن "الحضارة" التي يدرسها لا تقبل الإهتزاز، ومن النادر أن اهتم مستشرقون بأي شيء لا يبرهن على مصداقية ومشروعية هذه "الحقائق البالية"، وتطبيقها من دون نجاح يذكر على سكان البلد غير المفهومين، فالنص التوراتي تحديدا، لعب الدور الأكبر في انتاج ماضي شرقنا العربي، فوضع تاريخه ولغاته وفنونه وآثاره المادية في سياقات غربية لا تنتمي إليه بقدر ما تنتمي إلى صورة متخيلة مستمدة من المرويات التوراتية[9]. فالاستشراق خطاب لا يخلق المعرفة بموضوع فقط، بل ويخلق الموضوع ذاته.

الأخطر من ذلك، أن هذا النهج المنحاز أدى إلى تجاهل الأدلة الأثرية التي تناقض الكتاب المقدس أو لا تدعمه على الأقل بشكل كامل. فالكتاب المقدس، بحد ذاته، لم يعد مصدرًا أساسيًا لتاريخ إسرائيل القديمة، فعلى سبيل المثال، تشير الأدلة الأثرية إلى سقوط أريحا في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، أي قبل قرن من زمن يشوع، مما يتناقض مع السرد التوراتي. ومع ذلك، كان التفسير الأثري غالبًا ما يسعى إلى "تدعيم دقته التاريخية" بدلاً من السماح للأدلة بأن تلعب دورًا فعالًا في مراقبة النص التوراتي. وهذا ما يفسر تجاهل أوجه الاختلاف في الاكتشافات التي لا تتوافق مع السرد التوراتي، كما حدث مع ألبرايت في تنقيباته في مدينة ماري. وبعبارة أخرى، كما كتب "برايت": "لا يسمح للأدلة الأثرية بأن تؤدي دوراً فعالاً في مراقبة التقليد التوراتي، بل تُستخدم كأداة دفاعية لتدعيم دقته التاريخية". أما الحقيقة الثانية الناتجة عن هذا الاعتماد المطلق على الكتاب المقدس، فهي أن المواقع التي تعود إلى الفترات الإسلامية المبكرة لم تلقَ أي اهتمام، لأنها لا تدخل ضمن السياق الذي تهتم به "الآثار التوراتية". ومن غير المبالغة القول إن هذه الأماكن لم تُعتبر موضوعات مناسبة للبحث الأثري الأوروبي. [10]

مثل ألبرايت، تمكن "رايت" (1909-1974) من الجمع بين التدريب في الدراسات التوراتية والخبرة في علم الآثار، لا سيما في تصنيف الخزف تحت إشراف ألبرايت. وكان رايت مقتنعًا بأن دور علم الآثار يتمثل في "كشف الأساس التاريخي للإيمان اليهودي-المسيحي، وإظهار كيف أن الوحي قد جاء عبر التاريخ".[11] ويكتب رايت (Wright)، في كتابه "علم الآثار الكتابي ":علم الآثار الكتابي هو نوع خاص من علم الآثار العام، نوع يمكن ممارسته من الكرسي الهزاز (أي دون الحاجة النزول للميدان، بل يكتفى فيه فقط بقراءة الكتاب المقدس). قد يكون عالم الآثار الكتابي نفسه عالم آثار، وقد لا يكون، ولكنه يدرس الاكتشافات الناتجة عن الحفريات ليستخلص منها كل حقيقة يمكن أن تلقي ضوءًا مباشرًا أو غير مباشر، أو حتى غير واضح، على الكتاب المقدس. [...] ومع ذلك، فإن اهتمامه الأساسي لا يكون بالأساليب أو الفخار أو الأسلحة بذاتها، بل يكمن في فهم وشرح الكتاب المقدس. [...] إن الدراسة المكثفة لعالم الآثار الكتابي هي ثمرة الاهتمام الحيوي بالتاريخ الذي زرعه الكتاب المقدس فينا. لذلك، لا يمكننا افتراض أن معرفة التاريخ الكتابي غير ضرورية للإيمان. يجب أن يسير علم اللاهوت الكتابي وعلم الآثار الكتابي جنبًا إلى جنب إذا أردنا فهم معنى الكتاب المقدس"[12].

ولم يقتصر التحيز على الآثار المكتشفة فقط، بل امتد ليشمل الهوية والتاريخ. فقد أهملت المواقع التي تعود إلى الفترات الإسلامية المبكرة بشكل كبير، لأنها "لا تدخل ضمن السياق الذي تهتم به الآثار التوراتية". كما أن استخدام مصطلح "الإسرائيليين" من قبل علماء الآثار التوراتيين غالبًا ما يعني افتراض "تجانس ووحدة ثقافات وهويات إسرائيلية في مختلف السياقات الاجتماعية والتاريخية"، وهو افتراض يتجاهل التعقيدات العرقية والثقافية التي كشفت عنها الأبحاث الحديثة.

هذا التوجه لم يكن محايدًا علميًا، بل كان جزءًا لا يتجزأ من خطاب الاستشراق الذي ناقشه إدوارد سعيد. فالانقسام بين "نحن (المتحضرون)" و" هم (المتخلفون)" يظهر بوضوح في أعمال شخصيات مثل ألبرايت، الذي اعتبر الثقافة الإسرائيلية "الجذر الأساسي للثقافة الغربية" مقابل الثقافة الكنعانية العربية المتخلفة، ورأى أنه "من الطبيعي أن يستبدل الإسرائيليون السكان الأصليين الأدنى مرتبة في فلسطين"، مبررًا بذلك أعمال الإبادة. كما أن هذا الخطاب لم يصنع صورة تمثيلية للأرض في الذهنية الغربية فحسب، بل "اقتلع من الصورة بالقوة المادية والسطوة على مناهج البحث والمعرفة سكانها وتاريخهم المادي والثقافي في الماضي والحاضر، وحولها إلى أرض خالية تنتمي إلى ماضي الغرب البعيد". ومن ثم، رأى علماء الآثار التوراتيون هذا الوضع وكأنه جزء من خطة إلهية. ومن البديهي أن هؤلاء العلماء كانوا يحملون أيديولوجيات سلبية مسبقة تجاه سكان المنطقة. يكتب سيلبرمان "كان يُنظر إلى "السراسنة" في المنطقة غالبًا على أنهم 'ذئاب الجزيرة العربية' – أعداء طبيعيون للحضارة، غير راغبين وعاجزين فطريًا عن تبني حياة الاستقرار". ووفقًا لذلك، اعتبر العلماء الغربيون أن استعادة الأرض إلى حالتها العظيمة القديمة هي واجبهم.[13] وفي ذات السياق نجد أنه في تفسير ألبرایت لعلم الآثار، هناك تمييز حاد بين الثقافة الإسرائيلية (التي اعتبرها الجذر الأساسي للثقافة الغربية) والثقافة الكنعانية. ويمكن الاستشهاد بالعديد من الأمثلة من كتابه "علم آثار فلسطين" فعلى سبيل المثال، كتب:

"نظرًا لأن الثقافة الإسرائيلية كانت من نواحٍ كثيرة صفحة بيضاء عندما غزا الإسرائيليون فلسطين، فقد نتوقع أن يكونوا قد تأثروا بشدة بثقافة أسلافهم الكنعانيين. ومع ذلك، تُظهر الحفريات وجود قطيعة مفاجئة للغاية بين ثقافة العصر البرونزي المتأخر الكنعاني وثقافة العصر الحديدي المبكر الإسرائيلي في تلال فلسطين." وبهذا يكون ألبرايت مثل العديد من علماء الآثار التوراتيين، لا يعمل فقط ضمن سياق الاستشراق، بل كان أيضًا منخرطًا في المشروع الاستعماري في فلسطين، أو بالأحرى في السياسة. ففي مقاله "لماذا الشرق الأدنى يحتاج إلى اليهود"، أظهر دعمه للصهيونية، التي اعتبرها صاحبة الحق السياسي في فلسطين. فاليهود، حسب رأيه، لهم الحق في الأرض نظرًا لروابطهم التاريخية والعاطفية بها.[14] ومن ثم، يرى ألبرایت أنه "من الطبيعي أن 'يستبدل' الإسرائيليون السكان الأصليين الأدنى مرتبة في فلسطين". ويبدو أن هذا الاستبدال، في نظره، يمكن أن يتحقق من خلال القتل، تمامًا كما فعل اليهود القدماء بقيادة يشوع عندما أبادوا السكان الأصليين، أي الكنعانيين.[15] قد يحسب المرؤ أن القضية تتعلق بأرض فلسطين فقط التي كانت بريطانيا تستعد لإستعمارها، إلا أنها تتعلق في الحقيقة بكل الأرض العربية، ويمكن أن تمتد إلى أي أرض تشير إليها المطامع الإستعمارية. فبناء ما يدعونها " اورشليم " الذي يقوم على أسطورة "الغزو" و"إبادة" السكان الأصليين و "الإستيطان" حاضر أيضاً في استعمار أمريكا الشمالية. إذ يقول بروس ترجر: "أصبحت أمريكا أرض كنعان ثانية، أرضاً يأخذها الله من سكانها الأصليين ليعطيها لشعبه المختار الجديد.[16]

فمنذ النكبة الفلسطينية سنة 1948 والخطاب الإسرائيلي يعمل على تمثيل الفلسطينيين وفقا للخطاب الاستشراقي بوصفهم "مخربين" وبصورة تكاد تكون نسخا عن تمثيل هذا الخطاب لسكان أمريكا واستراليا ونيوزيلندا وكندا الأصليين. فهم حسب خطاب الإستشراق في نسخته الصهيونية لدى أمثال ياكوف شيموني وفاشيتس وبيني مورس: "مجتمع بدائي متخلف، لم تكن لديه نزعة قومية متميزة، أما سبب الانهيار السريع للفلسطينيين في العام 1948 فهو عيوب فطرية متأصلة في مجتمعهم. وهي ثلاث مغالطات لا تقوم على استقراء تاريخي بقدر ما تقوم على تمثيل مستعار من جملة تمثيلات استشراقية دأبت على صناعتها الدوائر الإستعمارية لتبرير حروب الإبادة وسرقة أراضي سكان البلاد الأصليين[17].

إن التلفيق والتزوير لم يكونا غائبين عن المشهد الأركيولوجي الفلسطيني. فمن محاولات إثبات توراتية لمواقع فلسطينية، إلى تحريف أسماء معاصرة، بل وحتى انتحال أسماء عبرية مستمدة من التوراة من قبل أشخاص غزوا فلسطين في القرن العشرين، كانت الأهداف السياسية والأيديولوجية هي المحرك. الأمثلة عديدة، كتسمية "اسطبلات سليمان" التي تكررت في أكثر من موقع، أو تحويل اسم قرية "أم القبّس" إلى "لاخيش" من خلال تلاعب لغوي لا يمت للعلم بصلة. فالمبدأ المتبع هو إطلاق اسم توراتي على الموقع، ثم التنقيب واستخراج عاديات تنسب إلى الموقع التوراتي المزعوم. وحين تثار شكوك بعض العارفين من العلماء، ينقل اسم الموقع التوراتي إلى مكان آخر بكل بساطة. وقد حدث هذا كما رأينا في تسمية اسطبلات سليمان التي بعد الكشف عن ضلالها في تل المسلم نقلوها لتطلق على المسجد المرواني في القدس، ومثال دوران المواقع لكيخية التوراتية من مكان الى آخر، يلقي ضوءا ذا معنى على هذا التحايل الذي لا يمكن أن ينطبق عليه إلا اسم المهزلة. المحاولة الثانية لإلصاق اسم لاخيش بتل الدوير في العام 1938 تصلح لاستخراج طرائف ممتعة. فهذا التل أطلقوا عليه اسم لاخيش منذ البداية واقبروا فيه في ضوء هذه القناعة، ليس لسبب سوى اتخاذهم من اسم قرية مجاورة له تدعى " ام القبّس " سببا. فقد أسقطوا من اسم القرية ألف التعريف، كما تسقط عادة في اللغات الأوروبية، فأصبح الاسم " أم لكن " وبتصويت "اكس" على الطريقة العبرية تصبح " لا كيش" ولأن هناك تبادلا بين السين والشين والكاف والخاء بين بعض اللغات التي تدعي سامية، تحول اسم " أم القبّس" إلى "لاخيش" بقدرة فذة من قدرات الجهل والتمدد والتعامل. وفي ضوء هذا الاعتقاد المسبق بأن الموقع أصبح هو موقع لاخيش، قرأ خبير اللغة العبرية نقوشا عثر عليها في التل مكتوبة بالأبجدية الكنعانية (اطلقوا عليها اسم العبرية القديمة !) وبعد ترجمتها خرج هذا الخبير بالنبأ المنتظر: هذا هو بالفعل موقع لاخيش التوراتية.[18] أما كيف حدث ذلك، وماذا كان مصير هذا النبأ، فيرويه بيتر جيمس هكذا: " قرر المنقب جي . لي . ستاركي أن الموقع هو موقع "لاخيش" قبل أن يضرب بمعوله، وهكذا قرر أيضا، بعد أن لاحظ آثار تدمير وحريق في الطبقة الثانية من طبقات الموقع، أن هذا التدمير من عمل الجيش البابلي في العام 587 ق. م. هذا حتى قبل اكتشاف النقوش التي أطلق عليها "رسائل لاخيش" ، وأعطيت هذه النقوش على الفخار للخبير هاري تورشنر فقام هذا فورا بمقارنة أسماء الأشخاص، بعد أن "رممها" وأضاف إليها حروفا من تخميناته، بأسماء واردة في التوراة. واستنتج ان النقوش تعود الى عصر يرميا، النبي البارز في يهوذا خلال الغزوات البابلية. وبدأ وتحت ظل هذا الاعتقاد بالتعرف على أحداث فردية من تلك المذكورة في سفر "يرميا". فالإشارة مثلا في النقش الرابع إلى "اكس" و "عرفة" معا في سياق يوحي أنهما تحت احتلال عسكري، استدعى مقارنة مع إشارات يرميا إلى هاتين المدينتين كآخر مدينتين صمدتا أمام الهجوم الأخير. وتسلم الدفعة عالم الآثار التوراتي " وليم . ف البرايت " فأضاف نقله إلى قراءات تورشنر، وتناول النقش السادس المشلوم والذي نصه كما يلي "مولاي .. ألا تكتب.. فعلت هكذا.. مسلم، وأعاد كتابته فأصبح "والآن يا مولاي هل لك أن تكتب لهم فماذا فعلتم هكذا حتى أورشليم؟" محولا كلمات متقطعة قد لا تكون جملة واحدة في الأصل، إلى ترجمة اعتباطية غرضها إيراد اسم أورشليم[19] فهي ظاهرة شائعة واشد خطراً على المجال العلمي، وخاصة حين يقف وراءها ويروجها "علماء" من ذوي النفوذ الأكاديمي، كما حدث مثلا حين أساء رئيس فريق بعثة فيلادلفيا الأمريكية للتنقيب قراءة نقش مسلة الملك المصري رمسيس الثاني المكتشفة في بيسان (1923)، فجعله يتحدث "عن استخدام" الإسرائيليين" في بناء مدينة هذا الملك، بينما كان النص الأصلي يتحدث عن قبائل العامو والشاسو التي قدمت قروض الطاعة للملك. ومثال ذلك إكمال وليم البرايت في العام 1941 لنص على كسرة فخارية من تل الدوير بزج كلمة "سقوط أورشليم" للبرهنة على تاريخية هذا الحدث وفوق الأرض الفلسطينية أيضاً. الأخطر من هذا أن هذه "القراءات" الزائفة يتم تكرارها في الكتب العلمية والمدرسية حتى بعد الكشف عن ضلالها. في السنوات الأخيرة، اضطرت حتى الدوائر الصهيونية إلى الاعتراف بوجود الكثير من العاديات الملفقة في متاحفها ومتاحف العالم حسب ما أوردته صحيفة هاآرتس الصهيونية ذاتها[20].

ويرافق كل هذا النشاط "الآثاري" و"التاريخي" نشاط عسكري استعماري الذي يحتل الأرض ويرسم الخرائط ويمحو أسماءها، ويلصق بها الأسماء اللاهوتية المتخيلة. وقد كشف أكثر من مصدر عن التزييف الذي أدخله عسكريون وعلماء لاهوت وسياسيون صهاينة على أسماء المواقع الجغرافية والمدن والتلال الأثرية الفلسطينية، والكيفية التي تم بها إلصاق الأسماء التوراتية الغريبة بمعالم هذه الأرض العربية. من هذه المصادر كما كتبه بليونى ميرون بنفنستي عن لجنة تشكلت من تسعة باحثين فور الاستيلاء على النقب الفلسطينية في العام 1949 بأمر من بن غوريون لعبرنة أسماء الأماكن ومعالمها، ويشير إلى أن عمل أعضاء هذه اللجنة كان قد بدأ في العام 1920 حين عين اثنان منهم كمستشارين لحكومة الاحتلال البريطاني في كل ما يتعلق بوضع الأسماء العبرية على خريطة فلسطين بدلا من الخرائط العربية التي كانت قيد الاستخدام. وكذلك التحقيق الذي أجراه توماس تومسن خلال عمله في القدس في العام 1986، والذي كشف فيه عن وجود عمل منظم ودؤوب لتجريد كافة أنحاء فلسطين من أسماء المواقع العربية منذ العام 1948 ووصولا إلى السنوات الأخيرة. ولاحظ عالم الآثار الأيرلندي ماك آلستر منذ وقت مبكر كيف أن بعض معالم القدس التاريخية قد تم الاعتداء على ماضيها، فأطلق الصهاينة على قلعة هيرود اليونانية اسم " قلعة داود" وعلى بوابة الخليل اسم" بوابة يافا" الذي أطلقه الفرنجة، وكلا الاسمين خطأ. ومنذ وقت قريب زعمت أوساط صهيونية أن المسجد المرواني الملاصق للمسجد الأقصى ليس سوى ما يدعونه "اسطبلات سليمان" وبدأت وكالات الأنباء تتداول هذه التسمية، متجاهلة أن هذا الاسم ذاته سبق للمنقبين التوراتيين أن أطلقوه على عمائر في تل المتسلم جنوبي جبل الكرمل، ثم عادت عالمة الآثار البريطانية كاثلين كينيون في آخر محاضرات لها قبل وقت قصير، إلى التأكيد على أن الأخبار المتداولة حول وجود اصطبلات سليمان فيما اصطلح المنقبون التوراتيون على أنها مدينة مجدو التوراتية لا تعدو كونها أخباراً مختلفة [21].

يُعتبر الباحث Weill من أوائل من ربطوا بين التسمية التوراتية "مدينة داود/Ir David" الواردة في سفر صموئيل الثاني (5:9)، وبين كهوف القبور الموجودة في منطقة سلوان، والتي سماها "قبور ملوك بيت داود". وقد شكّل هذا الربط أول محاولة حديثة لإطلاق اسم "مدينة داود" على هذه المنطقة، وهو ما تبنّاه لاحقًا علماء الآثار الإسرائيليون، ليشمل منحدر وادي حلوة وصولًا إلى عين سلوان[22]. في المقابل، كانت التسمية الأكثر شيوعًا بين الباحثين في نهاية القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين هي "تلة الظهور" أو "عوفل/Ophel"، والتي ظهرت في خرائط تلك الفترة، واعتمدت في أبحاث علماء الآثار التوراتيين، باستثناء الجزء الجنوبي من سور المسجد الأقصى باتجاه قمة منحدر وادي حلوة، وحتى حي البستان شمالًا. وقد ركّز علماء الآثار التوراتيون على منطقة سلوان وحي البستان، مستندين إلى الاسم الذي أطلقه السكان المحليون منذ قرون على هذه المنطقة، وهو "البستان". وفسّروه تفسيرًا توراتيًا باعتباره "حديقة الملك" المذكورة في الكتاب المقدس (صموئيل الثاني)، محددين موقعها في ذات المنطقة التي تضم اليوم أكثر من 90 منزلًا فلسطينيًا. ويعتقد المدافعون عن وجود "مدينة داود" أن هدم هذه المنازل سيمكّنهم من استعادة المشهد التوراتي المزعوم وتحويل المكان إلى وجهة سياحية تسرد للزائرين رواية عمرها ثلاثة آلاف عام، وهي رواية بدأتاها في القرن التاسع عشر المؤسسة الكولونيالية، ومن ثمّ دائرة الآثار خلال فترة الانتداب البريطاني (1922-1948)، وتواصلها الآن المؤسسات الأثرية الإسرائيلية.[23]

فكل هذه المحاولات التحريفية للتاريخ الفلسطيني والتي رسخها الاستشراق في علم الآِثار هدفها إلغاء أيّة جوامع ومشتركات تجمع الحضارات التي قامت في منطقتنا، والتي تنزع "العربية" عن شعوبها وخلقَ هويات مصطنعة لبعض البلدان العربية، ودفع العربي إلى التنكّر لنفسه ولأسمائه وتفتيت وطنه إلى هويّاتٍ لا أساس لها إلا في كتب الباحثين الغربيين.[24] ولحسن الحظ، بدأت هذه التوجهات تلقى نقدًا متزايدًا، فظهرت مدارس مثل "مدرسة كوبنهاجن" التي شرعت في "انتقاد العلاقة بين علم الآثار والكتاب المقدس". وأظهرت الدراسات الحديثة، كما يشير توماس ل. طومسون، أن "الحديث عن عصر ذهبي لإسرائيل قديم، بعاصمة اسمها أورشليم، ومملكة تسيطر على منطقة شاسعة... إنما هو صور متخيلة لا مكان لها في أوصاف ماضي فلسطين التاريخي الحقيقي". وأكدت المعطيات الأثرية أن "إمبراطورية داوود وسليمان لم توجد أبدًا". ويضيف: "ليس هناك من أدلة على وجود مملكة موحدة، ولا أدلة على عاصمة في أورشليم، أو أي قوة سياسية متماسكة وموحدة هيمنت على غربي فلسطين ناهيك عن امبراطورية. ولا أدلة على وجود هيكل أو معبد في الفترة التي تتحدث عنها الموروثات التوراتية، ولا يعزي أمر فقدان هذه الأدلة إلى وجود فجوة في معرفتنا ومعلوماتنا عن الماضي، أو أنه نتيجة طبيعية لاعتباطية البحث والتنقيب، بل لأنه لا مكان، ولا سياق، ولا عاديات أثرية، ولا محفوظات تشير إلى وجود مثل هذا الواقع التاريخي، فلا أحد يستطيع الحديث عن عاصمة من دون مدينة، ولا عن دولة بلا سكان، والروايات وحدها لا تكفي، تلك الروايات التي لا يشجعنا ما نعرفه عن أمثالها أنها قصدت أساسا أن تكون تاريخا". وفي مؤتمر للمستشرقين عقد في روما في العام 2003، يقدم الباحث نيلز بيتر لي مش، من جامعة كوبنهاجن، بأن "المعطيات الأثرية أثبتت الآن نهائيا ان إمبراطورية داوود وسليمان لم توجد أبدا[25].

ورغم هذا التحول المهم في الأوساط العلمية الغربية، لا يزال مأزق "علم الآثار التوراتي" بعيدًا عن عناية الباحثين العرب ووعيهم، وما زالوا "غارقين في تكرار مقولاته وتسمياته وفرضياته كحقائق مسلّم بها". فالكثير من الباحثين، عربًا وغير عرب، لا يدركون أن تعبير "الحضارة الإسرائيلية" هو "نتاج خيال خصب لا نتاج آثار ملموسة"، و"ليس سوى عبارة شائعة في خطاب الاستشراق التوراتي، لا أساس له على أرض الواقع".

بناء على ما سبق، يُعد علم الآثار التوراتي مثالًا صارخًا على كيفية استخدام المعرفة وتوجيه البحث العلمي لخدمة أجندات سياسية وأيديولوجية استعمارية. إن فهمنا لهذا التاريخ المعقد يتطلب تجاوز "التصوير المسبق لما يسمى بالهوية اليهودية" الذي كرّسه هذا العلم، ونقد كل أشكال التحايل والتلفيق التي شابت مساره، والعمل على بناء تاريخ لفلسطين القديمة مبني على حقائق علم الآثار والدراسة الجغرافية والاقتصادية والسكانية، بعيدًا عن الافتراضات المسبقة، أو الأفكار المسبقة. فالمهمة ليست فقط اكتشاف المواد الأثرية، بل الأهم هو كيفية تفسيرها بعيدًا عن أي توظيف سياسي لها، لإعادة كتابة تاريخ المنطقة بصورة أكثر دقة وإنصافًا. فلقد منع هذا الهوس التوراتي والخطاب المهيمن على العلماء والباحثين والمؤرخين من صياغة تاريخ لفلسطين القديمة وضلل كل الأبحاث في هذا المجال. وبالتالي يجب على النخب والمؤسسات العربية الرسمية والشعبية التحرر من قيد علم الآثار التوراتي لأنهم بتحررهم من تلك القيود يكسرون الحلقة الفرغة التي يقوم فيها الشرق بتشريق نفسه عن طريق اجترار نفس المقولات الاستشراقية التي تخص تاريخه وهويته. ولكن هل توجد أطروحات مضادة لمخرجات علم الآثار التوراتي؟

ثانيا: أطروحات نقدية للجغرافيا التوراتية ومخرجات علم الآثار التوراتي

ظهرت في السنوات الأخيرة العديد من الأطروحات المشككة في الكثير ممن كان يُعد من المسلّمات في علم الآثار التوراتي وتاريخ فلسطين ومصر القديمة، هو في حقيقته نتاج خيال استشراقي موجه ومتحيّز، أكثر منه معرفة علمية محققة كما رأينا سابقا. فقد كشفت دراسات عدد من الباحثين من أمثال فاضل الربيعي، وأحمد الدبش، وكمال الصليبي، عن مدى التلاعب الذي تعرض له تاريخ منطقتنا، وكيف أن سردية "إسرائيل القديمة" و"أرض الميعاد" المزعومة، لم تكن سوى بناء سردي أيديولوجي خدم مشاريع الاستعمار الغربي والصهيونية الحديثة. فالمرويات التوراتية، والتي طالما اعتُمدت كمصدر تاريخي لتحديد الجغرافيا المقدسة، تبين أنها لا تشير صراحةً لا إلى فلسطين ولا إلى أورشليم باعتبارها القدس، ولا إلى مصر وادي النيل بصفتها مسرحًا لقصة الخروج. بل إن العديد من النقوش والوثائق الأثرية، سواء في اليمن أو في النقوش الآشورية، تسلط الضوء على مواضع تحمل نفس الأسماء المذكورة في التوراة، ولكن في أماكن بعيدة تمامًا عن الجغرافيا الفلسطينية التقليدية وذلك وفقا لأطروحاتهم، ولكن هذه الموجة من "التشكيك" لم تقتصر على الباحثين العرب فقط وإنما شملت كذلك الباحثين وعلماء الآثار الإسرائيليين والغربيين أمثال الأمريكي توماس طومسون. إذ يعتبر مثلا أن لقب "عابيرو" الوارد في رسائل تل العمارنة والذي حاول البعض ربطه بالعبرانيين، فهو يستعمل برأيه لوصف تصرفات قطاع الطرق، ويبدو أنه يشير إلى طبقات اجتماعية أو جماعات متنازعة مع بعض حكام العصر البرونزي الأخير، ولكنه لا يستعمل بأي حال للإشارة إلى أية مجموعة اثنية معينة في فلسطين.[26] وبأن العائدين من السبي البابلي ما هي إلا جماعات جديدة لا علاقة لها بإسرائيل. إذ يصور النبي أشعيا (أشعيا 45:1) قورش بوصفه مسيح يهوه ومعيد الشعب التقليدي إلى الأرض. ويشير طومسون إلى "أننا لا نتعامل مع إعادة منفيين إلى موطنهم أكثر من تعاملنا مع إعادة ديانة قديمة منسية أو إعادة بناء معبد. ومهما كان الشعب الذي نقل أو أعيد إلى فلسطين، فهم بالتأكيد لم يكونوا إسرائيليين، وعلى الرغم ذلك أصبح الفرس يعتبرونهم، وكذلك المرويات التوراتية الناشئة، وأصبحوا هم يعتبرون أنفسهم سكان إسرائيل المفقودة منذ زمن عائدين إلى "أرض إسرائيل" من منفى مرير بعد أن خلصهم سيدهم ومنقذهم قورش من بابل".[27] صحيح أن أطروحة طومسون مختلفة في جغرافيتها على أطروحات الباحثين العرب التي تعيد اسقاط الجغرافيا التوراتية في شبه الجزيرة العربية تحديدا جنوبها الغربي ولكن تبقى أطروحة مهمة فهو حاول أن يتناول موضوع تاريخ إسرائيل وأصولها بصراحة وموضوعية وأشبعه تمحيصاً وتحليلاً بعيدا عن الأيديولوجيا الصهيونية ومخرجات علم الآثار الاستشراقي. وفي سياق ذلك تقوض أطروحاته كون "أرض إسرائيل" الوطن التاريخي للشعب اليهودي، ويثبت أن الحركة الصهيونية هي التي سرقت مصطلح "أرض إسرائيل" وهو ديني في جوهره وحولته إلى مصطلح جيو-سياسي، وبموجبه جعلت تلك "الأرض" وطـن اليهود، وذلك منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وكنتيجة لذلك انزعجت الأوساط اليهودية من اصدار كتابه "التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي" لدرجة أنه فقد وظيفته في جامعة وذلك بسبب الضغوط من اللوبي الصهيوني.

عود على بدء، يرى فاضل الربيعي بأن المخيال الاستشراقي الأوروبي سعى في قراءته للتوراة، نحو بناء سردية جديدة خيالية توضع في خدمتها مكتشفات علم الآثار، وتتوافق مع عصر الفتوحات الاستعمارية، وهي سردية وجد فيها الغرب إمكانية مدهشة للعثور على حاضنة أولى وقديمة للحضارة الأوروبية مدفونة في رمال الشرق، فعثر في الرواية عن بني إسرائيل طفولته البعيدة تلك في الشرق الغامض والملتبس، يوم كان لداود مملكة مترامية الأطراف. ولسوف يمهد هذا الانتساب المفاجئ الطريق أمام أوروبا لكي تعيد إدراج التراث اليهودي- المسيحي والحضارة الغربية في سياق استمرارية تاريخية كانت مفتقدة، فلم تعد أوروبا وريثة لأثينا وحسب، بل هي استطراد لمملكة إسرائيل. وها هو تاريخ بني إسرائيل الملفق يكتشف على نحو قابل لأن يرى الغرب فيه تاريخاً خاصاً به، ضائعاً وتائهاً في شرق منسي، وقد أمكن استرداده بفضل إعادة الرواية [التوراتية] وتزويجها. على أوسع نطاق وبالتلازم مع الاستيلاء على الأرض".[28] هذه المساعي الاستشراقية تقودنا إلى مساعي علماء الآثار لي أعناق النصوص الأثرية المكتشفة من أجل توظيفها وفقا لروايتهم الأيديولوجية، ولعل من أبرز الشواهد على هذا التزييف، ما تضمنته "لوحة مرنبتاح" التي اعتُبرت لعقود أول ذكر تاريخي لـ "إسرائيل". لكن إعادة فحص النصوص الهيروغليفية، كما أشار الباحثون، تكشف أن كلمة "يسيرارو" أو "يزيرارو" لا تشير إلى شعب "إسرائيل"، بل إلى منطقة زراعية في سهل مرج ابن عامر، وأن تعبير "لم يعد له بذر" هو وصف أرض لا شعب، ما يُسقط الزعم بأنها دليل على وجود سياسي أو ديني لما يُسمى بإسرائيل في ذلك الزمن، فالعلامات الهيروغليفية في النقش تشير إلى جماعة أو قبيلة لا إلى كيان سياسي معروف، وهو ما يُضعف فرضية ارتباط الاسم بـ"إسرائيل" التوراتية. بالتالي، فالخلاصة أن اللوحة تُوثق انتصارًا لمرنبتاح على جماعات كنعانية أو فلسطينية، ولا يمكن الاعتماد عليها كدليل قاطع على وجود شعب "إسرائيل" بمعناه الديني أو السياسي في ذلك الوقت[29]. ولقد أكد زاهي حواس أن أغلب علماء الآثار في العصر الحديث قالوا إن كلمة "إسرائيل" غير صحيحة، لكن لو افترضنا صحتها، فلا أحد يعرف متى جاء العبرانيون، ومتى خرجوا؟، كما لا أحد يعرف من هو فرعون الخروج أو أي من هذه القصة، وأضاف "هذا هو ردي على إسرائيل".[30] وفي ذات السياق نجد أن لم يعثر على أي نقش هيروغليفي يذكر ملكا باسم "فرعون" بوصفه لقبا ملكيا كما ورد في التوراة، فالكلمة في أصلها تعني "البيت العظيم" وكانت تشير إلى القصر الملكي وليس لشخص الحاكم. فكلمة فرعون (pharaoh)، مأخوذ من الكلمة المصرية pr‑ʿꜥꜣ، وتعني "البيت العظيم"، وقد كانت في الأصل تشير إلى القصر الملكي أو الديوان الرسمي في مصر القديمة. في عصر المملكة الحديثة وبشكل خاص منذ الأسرة الثامنة عشرة، تقريبًا )1539–1292 ق.م) بدأت تُستخدم الكلمة مجازيًا للإشارة إلى ملك مصر. وبحلول الأسرة الثانية والعشرين ) تقريبًا 943–746 ق.م) أصبحت لقبًا محترمًا، يُستخدم كتعبير عن الاحترام. ومع ذلك، لم يكن هذا اللفظ هو لقب الملك الرسمي في هذه الفترة؛ إذ ورد في الوثائق الرسمية أن للملك خمسة أسماء رئيسية، يسبق كل منها أحد الألقاب التالية: حورس، السيّدتان، حورس الذهبي، ملك مصر العليا والسفلى، وابن رع. وكان الاسم الأخير يُمنَح له عند الولادة، بينما تُمنح الأسماء الأخرى عند التتويج.[31] وحتى زاهي حواس، أحد أشهر الأثريين المصريين، أقر بعدم وجود أي دليل أثري على قصة الخروج أو وجود موسى، ما يُضعف الرواية الدينية ويُعريها من مصداقيتها التاريخية. إضافة إلى اسم مصر لم يذكر في النقوش الهيروغليفية إذ، ذكرت عدة أسماء للدلالة على بلاد النيل كيميت  (Kemet) وهو الاسم الذي عرف به الفراعنة موطنهم في لغتهم والذي يعني "الأرض السوداء " كناية عن أرض وادي النيل تمييزا لها عن الأرض الحمراء الصحراوية المحيطة بها. في المقابل نجد أن اسم مصر ظهر في النقوش الآشورية واليمنية. حتى أن النبي محمد عندما أرسل رسالة للمقوقس ملك بلاد النيل آنذاك خاطبه ب "عظيم القبط" وليس ب "عظيم مصر". فمن الواضح أن بلاد النيل في تلك الفترة كانت معروفة ببلاد القبط وهم المصريون القدامى ولم تكن معروفة باسم بلاد مصر أي أنها ليست هي ذات البلاد التي ذكرتها التوراة. ولقد توسع الباحث المصري أحمد عزت في هذه الأطروحة في كتابه الشهير "مصر لم تعرف لا فرعونا ولا موسى".

أما فيما يتعلق ب "أورشليم"، فقد بينت تحليلات فاضل الربيعي وآخرين أنها لا تعني القدس العربية على الإطلاق، وأن ثمة خلطاً مقصوداً وقع بين "قدش" التي قد تعني جبلًا مقدسًا، و"أورشليم" كمدينة، دون أن تُفهم الفروق الجغرافية والثقافية بينهما. فالنصوص التوراتية، عند تمحيصها، تميز بين مواضع عدة، وتضعها في سياقات لا تنطبق على جغرافية فلسطين الحالية، بل تنسجم أكثر مع جغرافيا اليمن وسراة المعافر وجبال نجران. بل إن أسماء مثل جبل صهيون وبيت بوس وبيت لحم، والتي ارتبطت تقليديًا بالقدس ومحيطها، ترد في وصف الهمداني ضمن مناطق تقع إلى الجنوب من تعز، وتؤكد الروايات القديمة والمواضع الموصوفة في الشعر الجاهلي والأدب العربي نفس التسميات في اليمن، وليس في فلسطين. فالمكان الأول وكما يتضح من وصف التوراة، جبل شامخ تم تقديسه (تطهيره) أو تحريمه فسمي (قدش - قدس). أما الاسم الآخر (أورشليم) فاسم لمدينة من المدن، يتكرر حضورها في نصوص مختلفة من التوراة، من دون أي رابط جغرافي مع الجبل. بكلام آخر؛ فإن التوراة تطلق على مكان بعينه اسم "أورشليم" ولا تقول عنه، أبداً، ولا بأي شكل من الأشكال، أن المقصود منه القدس (أو قدش). وهذا يعني أن شعب بني إسرائيل القديم، وهو من الشعوب والقبائل العربية البائدة، وطبقاً للرواية التوراتية، عرف مدينة باسم أورشليم، كما عرف مكاناً آخر باسم قدش - قدس.

وللتذكير؛ فإن المتطرفين وغلاة اليهود الغربيين، يصرون على وصف التوراة هذا، وهم يقولون إنها فوق جبل (ولذلك ظهرت جماعة أمناء جبل الهيكل التي تقول أن هيكل الرب الذي بناه سليمان هو في القدس العربية أي فوق جبل، هذا برغم أن القدس العربية تقع فوق هضبتين مرتفعتين). والمدهش أكثر، أن النص التوراتي يتحدث عن سقوط أورشليم بعد أن هاجمها الملك داود من جبل يدعى جبل صهيون، وأن داود أطلق اسمه على الجبل - الحصن الذي استولى عليه، فصار اسمه "مدينة داود". وبالطبع لا يوجد في طول فلسطين وعرضها جبل يدعى جبل صهيون. والجغرافيون العرب ومعهم جغرافيو اليونان الذين وصفوا بلاد الشام في حقب وفترات مختلفة من التاريخ، لم يذكروا قط اسم جبل في جنوب سورية يدعى جبل صهيون، كما لم يذكروا أي شيء عن بلاد تدعى "اليهودية" قامت في أي وقت فوق أرض فلسطين. ومن المؤكد أن اسم جبل صهيون في الذاكرات الوطنية العربية، اسم يثير الفضول والريبة والحيرة والسخط في آن واحد، لأنه يرتبط باسم "الحركة"[32]. إئ  أن جبل صهيون الذي يؤدي إلى أورشليم لا وجود له في فلسطين. ومن غير المنطقي تخيل اختفاء جبل من الجغرافيا، أو زوال اسمه أو تحول طريقة نطقها، بينما يزعم التوراتيون أن كل الأسماء الواردة في التوراة صمدت على مر الزمن؛ وأنها لا تزال موجودة في فلسطين منذ ألفي عام، برغم أن الكثير منها مجرد آبار قديمة أو ينابيع وعيون ماء أو قرى يسهل زوالها ونسيان أسمائها؟ ويضرب الربيعي دليلا على وجود جبل صهيون في اليمن وذلك في سياق سرد قصة أصحاب الأخدود الشهيرة التي قام فيها الملك اليهودي اليمني أبي نواس الحميري بالتوجه إلى نجران من أجل قمع المسيحيين هناك فنجد الأعشى في إحدى قصائده الشهيرة التي حذر فيها عبد المسيح بن الديان أسقف نجران العظيم، وشقيقه ومساعده وراعي كنيسته فيقول:

أَيا سَيِّدَي نَجرانَ لا أوصِيَنكُما

بِنَجرانَ فيما نابَها وَاِعتَراكُما

فَإِن تَفعَلا خَيراً وَتَرتَدِيا بِهِ

فَإِنَّكُما أَهلٌ لِذاكَ كِلاكُما

وَإِن تَكفِيا نَجرانَ أَمرَ عَظيمَةٍ

فَقَبلَكُما ما سادَها أَبَواكُما

وَإِن أَجلَبَت صِهيَونُ يَوماً عَلَيكُما

فَإِنَّ رَحى الحَربِ الدَكوكِ رِحاكُما[33]

إن رواة الأخبار القدامى ممن رووا القصة - والتي سجلتها وثائق الكنيسة بدقة - كانوا يعرفون جغرافية الحدث التاريخي، ويعرفون جيداً جبل صهيون الذي هبط منه جنود الملك اليهودي ذي نواس الحميري، ليتجهوا منه مباشرة نحو نجران. وبالطبع فمن غير المنطقي الافتراض أن جبل صهيون كان في هذا الوقت من التاريخ ضمن جغرافية فلسطين، وأنها هي التي هاجمت نجران وأحرقت النصارى، فالتاريخ لا يعرف واقعة من هذا النوع، والأدق والأقرب إلى الحقيقة التاريخية والمنطق، أن اليمن اليهودية هي التي هاجمت نجران. وهذا نزاع قديم سجلته التوراة في مواضع كثيرة. ونجران كما برهنا في مؤلفنا السابق، كانت تدعى (ربة) تماماً كما في التوراة، والعرب القدماء كما تعلم، كانوا يسمون نجران (ربة نجران) ويتحدثون عن كعبتها المسماة كعبة نجران. وحتى اليوم لا تزال[34]. وفيما يتعلق بأورشليم نجد أن التوراة تتحدث عن أن الملك داوود ورجاله قد استولوا على أورشليم اليبوسية وطرد سكانها من الأرض، وأخذ حصن صهيون - صهيون فأصبح اسمه مضارب داود. وهذا النص ينفي نفياً قاطعاً أن تكون أورشليم هي القدس أو هي قدش - قدس، كما أنه يؤكد وجودها قرب جبل صهيون (صهيون والهاء الوسطية حرف صوتي كما في كلام أهل اليمن: يريق الماء - يهرق الماء). وبالطبع فالقدس العربية لا تقع قرب جبل صهيون[35]. ويجزم فاضل الربيعي بأن هذه المعركة لم تقع في فلسطين وبأن جبل صهيون، وهو حصن منيع، يصل بسلسلة جبال السرو بنجران في سرو حمير إلى الشرق من صنعاء. واليمنيون يقولون في المأثور الشعبي حتى اليوم (كل بوسي يهودي وكل يهودي بوسي). وذلك في إشارة إلى بيت بوس اليمنية التي كان سكانها على دين اليهودية، وهي مكان جبلي حصين؛ وصفها الهمداني وصفاً دقيقاً ومسهباً في كتابه صفة جزيرة العرب وتماماً كما في النص التوراتي. إليكم وصف الهمداني لبيت بوس " ثم الجوف وهو منففق من الأرض بين جبلين، فيه أنف وأروين وما أقبل من (مياه) من عد ـ ورد، وهو واد يصب مع سامك وديرة، إلى الحقلين والسهلين وما أقبل من أشراف نفيل السود، فبيت بوس رجل نقم وما بينهما من حقل صنعاء."[36] إذ يصف الهمداني المكان في كتابه (صفة جزيرة العرب): بيت بوس ينسب إلى القيل اليمني ذي بوس (ذي بواس) بن شراحييل. حصن منيع ووادي فيه بعض الفواكه ويقع إلى الغرب الجنوبي من صنعاء بمسافة ساعتين. لدينا في هذا النص ما يؤكد بشكل قاطع، وجود مكان جبلي بالوصف ذاته الوارد في التوراة ويدعى بيت بوس، وهو يرتبط بسلسلة جبلية تؤدي بدورها إلى جبل صهيون الوارد ذكره في شعر الأعشى، حيث يمكن للسائر هناك أن يهبط نحو نجران. والمثير للاهتمام أن بيت بوس هذه وبالوصف الوارد عند الهمداني، هي مدينة آمنة (حصينة) أي أنها "أورشليم" بمعنى المدينة التي تعيش آمنة، متنعمّة بسلام من خطر الأعداء، بفضل وجودها في مكان جبلي وعر وقاس يصعب اقتحامه. ونلاحظ أن كلاً من نص الهمداني ونص التوراة، يؤكد أن بيت بوس حصن منيع. فلقد زعم التوراتيون وهم يفشلون في العثور على بيت بوس هذه، أنها ذاتها "يا بوس" القرية الصغيرة في ضواحي دمشق. وهذا زعم باطل ولا أساس له، لأن القرية لا تؤدي إلى القدس العربية ولا تتصل بسلسلة جبلية تفضي إلى جبل صهيون[37]. وإذا ما قمنا بوضع النصين (نص يشوع ونص الهمداني) في إطار مقاربة جغرافية، تتضمن التسلسل الدقيق للمواضع والأماكن التي تؤدي إلى جبل قدش عند يشوع، وقدس عند الهمداني، فسوف نحصل على التماثل المدهش التالي - ولاختصار فسنكتفي ببعض الأمثلة: فنجد مثلا أن الهمداني في وصفه لقدش ذكر عدة أماكن مشابهة لوصف يشوع لقدش فنجد نجب وهي ذاتها ها – نحب (النحب) عند يشوع ووادي أدم التي يقابلها أَدَم ووادي حضر التي يقابلها حضر وأخيرا جبل قدس الذي يقابله قدش في وصف يشوع.

إن التوراة، بكلمة موجزة قاطعة، لا تقول أبداً، ولا بأي صورة من الصور، إن الأحداث التي ترويها قد جرت أو دارت في فلسطين. كما أنها لا تشير لا من بعيد ولا من قريب لاسم فلسطين أو الفلسطينيين ارتباطاً بالأحداث المروية.

علاوة على أن التوراة لم تذكر اسم فلسطين قط، إذ يُقصد بقدس هنا الجبل المبارك المعروف باسم "جبل قدس" – بفتح القاف والدال كما ينطقه اليمنيون – والواقع في مخلاف المعافر القديم، على بُعد نحو 80 كيلومترًا جنوب مدينة تعز باتجاه عدن. لا يزال هذا الجبل معروفًا حتى اليوم، ويُروى أنه كان في الأزمنة الغابرة موطنًا لشعب عربي قديم من شعوب العرب العاربة، يُعرف في التوراة باسم "فلسطين"، بينما يُعرف في العربية الجنوبية القديمة بـ"الفلس" أو "الفلست"، وهو نطق يمني قديم مشابه لنطقهم لكلمات مثل "قرشت" بدلًا من "قريش" و"فرست" بدلًا من "فرس". وقد يُكتب اسم هذا الشعب أحيانًا باستخدام "همزة وميم" في أوله (كما في "أم فلس")، وهو نمط تعريفي قديم في جنوب الجزيرة العربية كان يُستخدم قبل شيوع أداة التعريف الحديثة "أل"، كما يُقال: "أم رجل" في "الرجل" و"أم بعير" في "البعير". وتخالف هذه الرؤية ما تقدمه القراءة الاستشراقية الغربية التي تصوّر هذا الشعب كغرباء سكنوا في فلسطين التاريخية، بينما تفيد الشواهد اليمنية أن اسم الجبل "قُدس" لا يزال يحتفظ بذاكرة الجماعة القديمة "الفلست"، تمامًا كما ورد في الروايات التوراتية. وقد أشار الهمداني في كتابه صفة جزيرة العرب إلى هذا الجبل وهذه الجماعة القديمة، وذكر أن "الضباب وادٍ في قُدس من المعافر"، وأنه يوجد أيضًا في منطقة المفاليس – وهي جزء من مخلاف المعافر كذلك – وأن هذه المناطق تتصل بسراة الكِلاع، المعروفة بسراة بني سيف، وتشمل الشريط الساحلي الممتد من أرض المعافر حتى جبال عدن وساحل بني مجيد (الذي يُحتمل أن يكون مجدّو التوراتية). في هذا الإقليم نشأت ممالك يمنية قديمة تُعرف بـ"المخاليف"، مثل مخلاف ذبحان، حبأ، جميع، صبر، صحارة، ووادي الضباب، وكان معظم سكانها من قبائل همدان والأشعريين. يشير هذا كله إلى أن الشعب الذي عرف بالتسمية التوراتية "فلسطين" قد يكون في أصله قبيلة يمنية قديمة عاشت في جنوب الجزيرة، عند جبل قُدس، وليس في أرض كنعان كما تزعم الروايات الاستشراقية.[38]

ويُظهر النص التوراتي عند الحديث عن السبي البابلي وعودة القبائل، ذكرًا لأسماء عشائر عربية خالصة، لا وجود لها في فلسطين أو في السجلات البابلية، لكنها موجودة في اليمن، وموثقة عند الهمداني في "صفة جزيرة العرب". وهذا يشير إلى أن الرواية التوراتية، في أصلها، تدور حول قبائل عربية بائدة، من بيئة جنوبية. ونجد أن سفر عزرا( 1:11 و 2:20) ينص على أنه في العام الأول لسقوط بابل - 539 ق.م، قرر الملك الفارسي قورش إعادة السبي من القبائل إلى مدنه وقراه الأصلية. ولأجل هذا الهدف نشر في بابل، نداء الملك الذي تضمن إعلان تحرير القبائل العربية اليهودية (كما يسميها فاضل الربيعي)، وحقها في العودة إلى مواطنها وفي إعادة بناء ما تهدم من مدنها، وخصوصاً أورشليم التي في يهوذه - أي أورشليم بيت بوس في سرو حمير. كما تضمّن قرار الملك الفارسي السماح للعائدين من الأسر، بالحصول على تبرعات من سكان بابل لأجل بناء مدنهم المهدمة. وإلى جانب هذا كله، أعاد قورش ممتلكات الهيكل المنهوب في أورشليم، وسلمها إلى زعماء وأنبياء القبائل العائدة. وفي قائمة نحميا – نحميا الثانية (التي سوف تكتب بعد أكثر من نصف قرن على مرسوم قورش) سنجد أن من بين القبائل العائدة، بني صيح، وبني حسفة، وبني رصين - رضيْن، وبني ناصح، وبني حجاب، وبني عبيد، وبني شلمة - سلمه، وبني شُهرليم (الشعراء) وبني حشم (نحميا: 7: 77 و: 59). فأين يمكن للمرء، إذا ما أراد معرفة الحقيقة عن السبي البابلي، أن يعثر على هذه الجماعات والقبائل؟ إن فلسطين التاريخية لا تعرف قبيلة واحدة من هذه القبائل، لا من خلال بقايا أنسابها ولا من خلال بقايا لغوية تؤكد وجودها. وليس ثمة أي وثيقة تاريخية أو نقش أو سجل من سجلات الإمبراطورية البابلية - الآشورية أو الفارسية، يمكن أن تدعم فرضيات الرواية[39].

ومن بين القبائل العائدة من الأسر البابلي والتي تم ذكرها في التوراة ومع ضبطها العربي نجد قبائل مثل بنو جبر في اللغة العبرية التي بقيت نفسها في الضبط العربي وبنو بيت لحم تحولت إلى بنو لحم وبنو حريشة إلى بنو حريشة وبنو ناصح إلى ناصحه. إضافة بنو عبيد التي تم ضبطها في العربية إلى عبيد وبنو شلمه إلى سلمه وبنو شعرايم إلى الشغراء وبنو كروب إلى أكراب.[40]

هذا يعني أن العائدين كانوا جماعات بدوية، ظلت تحتفظ بممتلكاتها من الجمال وتوارثها طوال سنوات السبي في بابل. فمثلا قبيلة بيت لحم – لخم ومنتسبوها سكنوا في موضع من وادي صيحان من أرض اليمن. وأقام جزء منهم في العراق وأسسوا مملكة الحيرة الشهيرة. وكذلك قبيلة شعرايم التي يعطيها مترجمو التوراة مكافئا غريباً هو الباب في المفرد شعر - والأبواب في صيغة الجمع (شعرايم). ويبدو أن الحيرة تملكت المترجمين حين وجدوا أنفسهم أمام قائمتي عزرا ونحميا التي يظهر فيها اسم قبيلة من القبائل التي أسرها نبوخذ نصر تدعى شعرايم. واستطراداً في الخيالية، تمت مكافأة الاسم بـ (البوابين). وبذلك أصبح لدينا قبيلة لا وجود لها ويستحيل العثور عليها هي قبيلة البوابين. في الواقع ليس ثمة قبيلة تدعى (البوابين) من بني إسرائيل، بل هناك قبيلة عربية - يمنية بائدة عاشت في موضع الشعراء - شعرايم (اسم المجمع العبري من شعر وهو جبل شهير وصفه الهمداني في مواضع كثيرة). إن كلمة شعراء (اسم المجمع من شعر) تكتب في العبرية في صورة شعرايم. واليمينيون يطلقون على الأشجار الكثيفة في المناطق الجبلية والوعرة والتي لم تمسسها يد الإنسان تعبير شعراء[41]. كذلك قبيلة الأكراب الذين أقاموا (ولاحظ العلاقة الدلالية في اسم كرب بمعنى الملك) في مخلاف عامر الساحلي على مقربة من أخوتهم بني عزرا - عزران وبني سلمه؛ تماماً كما في نصي عزرا ونحميا. وقد وصفهم الراجز اليمني الرداعي في أرجوزته عن الملح على النحو التالي فالأجرمين فحمی الأكراب فالضمانين إلى الشخاب فاحرماً منها إلى الثعلاب مواطناً مكللة الجناب. وهذا الراجز يحدد - على غرار قائمتي نحميا وعزرا - موضع بني محرم قرب الأكراب. وبنو محرم من حكام صور اليمنية، وقد سجلت التوراة اسمهم في صورة محرم ملك صور الذي ساعد سليمان الملك في بناء هيكل الرب حين أرسل له الأخشاب من وادي صور. وبالطبع فمن غير المنطقي تخيل أن سليمان كان قادراً على استيراد الأخشاب من صور اللبنانية، بينما يشتهر وادي صور اليمني بأنه من أعظم الوديان في إنتاج الأخشاب. ولعل قصة الحريق الذي التهم الأشجار في صور اليمن (وورد ذكرها في حديث شريف) يدلل على حقيقة أن صور اليمن اندثرت بفعل حريق بركاني مدمر. إن أحداً لم يلتفت إلى التناقض المريع في القراءة الاستشراقية في هذا الجانب من تأويل الأسماء؛ إذ من غير المنطقي أن يكون محرم ملك صور اللبنانية وفي الآن ذاته هو بطن من بطون القبائل الأسيرة. وإذا كان يحرم ملكاً لبنانياً كما تزعم القراءة الخيالية الغربية، فلماذا وأين ومتى جرى أسره في حملة نبوخذ نصر؟ وهل يعرف التاريخ المكتوب أي شيء عن أسر ملك اللبنانية في هذه الحملة[42]. ونجد فيما بعد أن قبيلة جشم اليمنية سارعت (والتوراة تقول إن جشم قبيلة عربية وتسميها جشم العربية حرفياً) مع أولى الأنباء عن شروع نحميا في عمليات إعادة البناء إلى قيادة معارضة قوية، انطلاقاً من إحساسها بأن هذه العمليات سوف تؤدي إلى الصدام عاجلاً أو آجلاً مع الفرس، وبالتالي تكرار الأحداث المأسوية التي عاشها هؤلاء مع الاحتلال الآشوري. كما وجد العمونيون - سكان نجران - في التصدي للمحاولة ومقاومتها، فرصة لمنع تكرار الاضطهادات التي تعرض لها هؤلاء في عهد داود وأسلافه. أي مقاومة عودة الاضطهاد الديني الذي مارسته اليهودية ضد الوثنية والوثنيين في نجران. ومع ذلك؛ وبالرغم من وجود كل هذه القوى الممتنعة، قرر نحميا المضي قدماً في أعمال البناء والمباشرة فيها. وسرعان ما انضم عدد من الكهنة إلى المشرفين على عمليات إعادة البناء[43]. حيث سردت التوراة أسماء القبائل المشاركة في عملية بناء أسوار أورشليم "تولى كاهن ها - جدول - الجدول ويُدعى هل - شب - الشبا بنفسه، ومعه طائفة من اليهود، بناء سور أورشليم من جهة جبل صنن - صنان (غنم). وصنن - ضان هذه ترجمت إلى الغنم، بحيث أصبحت الجملة على النحو التالي: (وبنوا باب الغنم). ومع أن فلسطين لا تعرف باب الغنم هذا، وليس ثمة موضع في طول القدس وعرضها يدعى غنم؛ فإن الهموس بلغ ذروته مع المحرفات الأكثرية تحت مسجد قبة الصخرة في القدس، بحثاً عن بقايا أسوار وأبواب أورشليم، وخصوصاً باب الغنم المزعوم هذا. ولذلك سعى التوراتيون إلى المطابقة بين اسم جبل أبو غنم البعيد عن مسجد قبة الصخرة، وبين صنان - غنم التوراتية هذه. في الواقع لا يوجد موضع أو باب قديم لأورشليم يدعى باب الغنم؛ بل هناك جبل مقدس وشهير في السراة اليمنية هو جبل غنم بالفعل، وليس أبي غنم. وهذا الجبل لا يزال يحمل الاسم المعرب غنم - من كلمة صنن العبرية - في المكان نفسه. ويبدو أن كلمة صنان أغرت المخيال الأوروبي على الافتراض أن المقصود منه جبل غنم. لكن علماء الآثار لم يعثروا على جبل بهذا الاسم، بينما نجده في السراة الجبلية اليمنية وباسمه المعرب: غنم.[44] وما إن شرع الكاهن في إطلاق إشارات البناء الأولى، حتى سارعت إلى المشاركة قبائل عدة تسجل التوراة أسماءها بدقة متناهية وهي:

قبيلة بنو عمري وعلى رأسهم زكريا زعيمهم وكاهنهم. وهؤلاء ساهموا في بناء جزء من السور في مجدل - وها - ماء. ثم قبيلة بنو شناء - شنؤة التي تولت ترميم الجزء الممتد من جبل شعر - ها - دجيم (الدجوج). وفي هذا الإطار كانا المترجمون الاسم (دجيم) بـ(باب الحوت) مفترضين أن الأمر يتعلق بالكلمة العبرية دج بمعنى حوت، سمك بينما المقصود موضع الدج طبقاً للرسم العبري، كما أن اسم هذه الجماعة في الضبط العربي الصحيح هو شنؤة وليس شناة، وهؤلاء يعرفون في التاريخ اليمني والعربي القديم بأنهم أزد شنؤة - أسد شنؤة. هل يمكن لعاقل أن يهمل هذا الاسم: أزد شنؤة؟ هؤلاء قبيلة شهيرة من قبائل اليمن وهم بنو أسد الذين ورد اسمهم في النقوش والسجلات التاريخية في صورة ملك لأزد: الملك الأزد - أزد شنؤة. سبق لهؤلاء المترجمين أن ترجموا الكلمة نفسها (دجيم) وفي مكان آخر وسياق مختلف ولوظيفة مختلفة في صورة (باب السمك) والآن أصبح لدينا مكان ملفق جديد يدعى باب الحوت. أعمال الترميم مستمرة، دخلت جماعات أخرى منهم بنو الفرس (والفرض - الفارض) وممثلهم بن بركيه - السلم بن برخيا ومهمهم أفراد من التقويميين - من مكان يدعى تقوع - قوع (والتاء حرف لاميّة: مثل تعوم في عروم) وبنو يعته - يعنه[45]. وعندما امتدت أعمال الترميم إلى وادي مَزَر (مور بالضبط وتماماً كما في سفر التكوين) عند مسيل صرام - صورم، دخلت جماعات قبلية أخرى ساهمت في تحسين المداخل. وهؤلاء كانوا على التوالي: من بني فاسمخ الذين تلقوا مساعدة من من يني بني جيعون، ومن أهل الصفقة - ها - مصفقه، ومن بني حارقيهم. والاسم الأخير (حارقيهم) كان مثيراً للحيرة بالنسبة للمترجمين. ولذا قدموا مكافئاً غريباً هو: الشياقة. وهكذا أصبح لدينا، فضلاً عن الأماكن الملفقة مثل بيت السمك وبيت الحوت وبيت الزبد، وجماعات لا وجود لها مثل البوابين (شعرايم) ها هنا جماعة أخرى جرى تلفيقها ولا وجود لها في التاريخ دعيت باسم (الصائغة) بينما الضبط الصحيح للاسم هو الحارق، والهاء في الاسم مشابهة للهاء في بعض الأسماء، مثل: شمر بهرعش في برعش (أحد أهم ملوك نجران). أما الميم فهي أداة التعريف (أو الجمع الحميرية - اليمنية). وإلى جانب هؤلاء شارك رجال من بني حور، ومن بني خروف. - مخارف. كما ساعدهم بنو حتوب الذين رصوا الأسوار حتى وادي تنورم - نورم. وإلى جوار هؤلاء أيضاً، كانت هناك جماعة قبلية أخرى يسميها النص التوراتي بنو الوحش. - الوحش. أما مداخل الوادي فتولتها قبيلة زنوج حيث امتدت الأعمال، عندئذ باتجاه المنطقة الحوف اليمني عند جبل أنف[46].

وبهذا تكون قبيلة بني شنؤة المذكورة في سفر نحميا ليست سوى قبيلة يمنية عريقة من الأزد-الأسد، استنادًا إلى كتابات الهمداني والشعر الجاهلي الذي يصفهم في سرو مذحج باليمن، ويدحض أي صلة لهم بفلسطين التاريخية، مشيرًا إلى أن جبل غنم غرب صعدة في اليمن هو موطنهم الأصلي. يتناول التحليل أيضًا موقعة تابوت العهد، مؤكدًا أن النص العبري الذي يصف استيلاء الفلسطينيين على تابوت الرب من "أوين العزاز" وإدخاله إلى "بيت دجون" لا يمكن ربطه بفلسطين، حيث لا وجود لهذه المواقع هناك، بينما جبل أبان هو جبل مشهور في بلاد طي اليمنية. أي أن المعارك بين بني إسرائيل و"الفلسطيين" لم تقع في فلسطين، بل دارت في فضاء جغرافي يمني يضم جبال سلمى ولبان وأبان، وأن وصف التوراة لجغرافيا المعارك يتطابق تمامًا مع جغرافيا الجزيرة العربية، لا فلسطين. إذ يعتبر فاضل الربيعي أن الزج باسم الفلسطينيين المعاصرين في هذا السياق هو تزييف تاريخي يهدف إلى طردهم من تاريخهم وتشويه سمعتهم. ويعتبر أن كلمة "فلشتم" في النص العبري، تعني "الفلستين" أو "الفلسة"، وهم عبدة الإله "فلس" في اليمن، وليسوا "الفلسطينيين" بالمعنى الحديث، مؤكدًا أن العرب القدماء واليونانيين لم يعرفوا جماعة فلسطينية قرب جبل أبان، بل عرفوا شعبًا عربيًا وثنيًا سكن هذا المكان وعبد الإله "فلس". وتماماً كما في نصوص التوراة وفي الكتابة اليمنية القديمة يمكن أن يكتب الاسم على هذا النحو: فلس، فلست، مثل قرشت في قريش والجمع في العبرية (فلشتيم). إن هذا الرسم يتطابق مع رسم الاسم في التوراة، بما يعني أنها قصدت الجماعة نفسها وليس الفلسطينيين. وذلك ما يفسر لنا السبب الحقيقي لعدم وجود الفلسطينيين في العرب بحد ذاته وليس بالطاء. لقد تمت مطابقة ماكرة، ومماثلة مخترقة بين الاسمين في سياق تزييف التاريخ القديم برمته. وفي نطاق هذه المسألة، سنرى كذلك، أن سكان الموضع نفسه اشتهروا في المرويات العربية القديمة وفي التوراة، بأنهم من آكلي السحت أي الحرام، وكانوا يصطدمون مع الجماعات الموحدة والمتدينة في الجاهلية البعيدة على خلفية قيامهم بسرقة[47].

إذ تربط التوراة بين سرقة تابوت العهد وعادات "الفلسة" في أكل السحت، مما يؤكد على السياق العربي اليمني للأحداث. إذ يستخدم النص العبري كلمة (مشحت - دون تصويت) وهي لقب تحقيري أضفي على الفلسطينين الذين حاربوا بني إسرائيل. لكن المترجمين اختاروا من القاموس العبري - العربي ويا للغرابة، كلمة (المخربين) كمكافئ لها، ولتصبح الجملة على النحو التالي: (واتجهت فرقة من المخربين الفلسطينيين). وهكذا، فقد أصبح لدينا "مخربون فلسطينيون" من عصر شاول. إن هذا النعت المشبع بالمقت الغريزي وبالكراهية العنصرية التي لا تصدق؛ هو في القلب من عمل هادف إلى مماثلة الصور ودمجها، بحيث تتماهى صورة الخرب الفلسطيني المعاصر مع صورة نظيره وجده الأعلى والخرب الفلسطيني في عصر شاول. هذا الخرب هو الذي سرق في الماضي تابوت العهد، وحارب مملكة إسرائيل القديمة. إنه بالنسبة للمخيال اليهودي الأوروبي الغربي ثم الأميركي، مخرب بالفطرة، مزعج وخطير منذ أن تصادم شاول ملك إسرائيل الأول معه [48].

وأخيرًا، يُشكك الربيعي في الربط بين أحداث "سفر المكابيين" وفلسطين، مؤكدًا أن "أورشليم الرومانية" لم تظهر إلا بعد عام 130 قبل الميلاد، وأن أحداث السفر تدور في "بلاد اليهودية" في اليمن، لا فلسطين، وأن السجلات الرومانية لا تذكر أي استيلاء على أورشليم/القدس في فلسطين خلال الحملة المذكورة. ولنبدأ من الاسم التوراتي "مكاب"، "مكابين"، الذي لا وجود له شمال فلسطين كاسم لموضع بعينه مهما فتشنا هناك، بينما يمكننا أن نجده بسهولة في الامتداد الجبلي لمنطقة اليمامة ومرتفعاتها في صورة (كاب). وفي اللهجة اليمنية (مكاب، مثل: مكصص في كمص، ومنوب في نوب، والميمون وبعض قبائل العرب في البادية تضيف الميم في أول الاسم أو الكلمة، وحتى اليوم يستخدم بدو العراق هذه الميم المنقرضة فهم يقولون جئتم في جغت، واقعدم في اقعدوا). والكاب - مكاب يقع ضمن جغرافية اليمن القديم وفي نجده (مرتفعاته) كما وصفها الهمداني. وعلى مقربة منه تماماً هناك موضع (مدان - مدان في النص العبري) التي ولد فيها يهوذه أورشليم الرومانية في "بلاد اليهودية القديمة" ،هوذه هو ابن لأسرة كاهن من كهان نجد اليمامة الممتد باتجاه اليمن، ويدعى متنا (مثنى) بن حنى - حنن من بني يريب - ريب. والياء في الأسماء من الحروف اللاصقة كما قلنا وهي لهجة يمنية قديمة.[49] وتجدر الإشارة إلى أن الإسلام قد واجه في بدايته معارضة قوية من أحد أهم ملوك اليمامة وكان يدعى هوذة (يهوذه) وكان لتوه قد وضع التاج على رأسه حين ظهر الإسلام. والمثير للفضول أن قبيلة بني الريب تقيم على مقربة من الجليل – الجليل في النص العبري؛ بل وقرب حدد – حدد الذي دارت فيه إحدى أهم المعارك ضد الرومان في قلب الجزيرة العربية. وأن بني الريب يقيمون على مقربة تماماً من موضع ء نيطه - ء نيطه. وهذا ما يفسر لنا سبب طلب المساعدة منهم في مواجهة الرومان الزاحفين. ولسوف نرى هذا المغزى عندما يقوم يوناتان بالانتقام من بني يمرء - المرء لقتلهم شقيقه يوحنا، حين أرسله لطلب المساعدة في مواجهة الرومان. هذا فضلاً عن أن كاب – الكاب ليست بعيدة عن بيت ء يل – الإل التي جرت فيها معركة أخرى. وسيكون أمراً مدهشاً عندما نعلم أن سائر هذه الأماكن هي في الفضاء الجغرافي ذاته لموضع حسم - حشم الذي جاء منه اسم النسبة الحسمونيون – الحشمونيون .[50]هاكم وصف الهمداني للموضع الذي ولد فيه يهوذه – هوذه المكابي، وللمواضع الأخرى التي شهدت المعارك الدامية "الريان من مياه الضباب وأيمن من قنوبين وأسفل منه القرية والحصاة حصاة جبلة وعن يسارها بطن السر وهو أسفل وادي الرمة «....» ويظهر النير بينه وبين الجنوب بطن العبري، وإحساء بني حوثه وحلاقيم وفي رأس العبري صوع والمدان) ها هنا المدان – مدان التي ولد فيها الملك يهوذا، تماماً في النص التوراتي وعلى مقربة منها وادي الرمة (الرمات – رمتيم لأن الرمة واد طويل عريض كما يقول الأصمعي) التي أعيدت إلى سيطرة القبائل بعد المفاوضات مع الرومان. وها هنا وادي عفرمة – القرية (ولاحظ دخول الميم بشكل عشوائي فهذا يعطينا فكرة عن التطور التاريخي لأداة التعريف العربية) وغير بعيد عنها وادي العبري – العيز الذي شهد بعض المعارك، فضلاً عن هضبة جبلة التي يقول النص – في تفاصيل لم نذكرها – أن معركة دامية وقعت فيها ضد الرومان.[51]

في وادي عفرمة تقع قرية تحمل الاسم نفسه، ويمكن ملاحظة دخول الميم في أداة التعريف بشكل عشوائي في بعض الأسماء، ما يعطي فكرة عن التطور التاريخي للغة العربية. غير بعيد عن وادي عفرمة، يوجد وادي العبري المعروف باسم العيز، الذي شهد بعض المعارك، وكذلك هضبة جبلة، حيث وقعت معركة دامية ضد الرومان كما يشير النص. الأسماء العبرية في هذه المنطقة أخذت صيغًا عربية متوافقة مع النطق العربي، فالأرض التي كانت تعرف باسم أدم بقيت أدم، والقرب كان تسمية لقرية ء قربتن، بينما بني بين بقيت كما هي. أما يعزير فقد صارت عيزوز، وذي تمه بقيت بنفس الاسم، وظبوت أصبحت ظبوة، والجليل لم يتغير، كما بقيت صور وصيدا تحملان أسمائهما، بينما تحولت عرابات إلى غرابات، وبصيرة إلى بصرة، وباصر إلى باصر، وعليم اختصر إلى علم. كما نجد أسماء أخرى مثل مقيد التي أصبحت مقيدة، وحيلم الذي صار حلمه، ورفون بقي رفون، وبيت بسان صار بيت بشان، وكشور بقي كما هو، وأرض جنب هي التحوير العربي لعبارة عرص – جنبه، وحبرون بقيت حبرون، وجزر صارت مجزر، وبيت زيت وسلامة احتفظتا بأسمائهما. أما تقعوع فقد أصبحت قاعًا، والفوص بقيت كما هي، وأنبطه – ء نيطة اختصر إلى أنبطه، وبني يمرء أخذت أشكالًا متعددة في العربية: بني يمرء أو بنو يمرء أو بنو المرء، وعيل تحول إلى الإل، وتمنية أصبحت منية، وبيت بيص صارت بيض، ومكماس أصبح الكامس، وعفرة بقيت عفرة، ولدة كما هي، ورمتيم صارت الرمة، وحصور بقيت حصور، والزبديون لم يتغير اسمهم، وء دوره أصبح الدور، وسكمه صارت سقمه.[52]

ويستشهد الربيعي في اسقاطه لأحداث سفر المكابين على جغرافية اليمن على كتابات ابن عبري إذ يقول الأخير في كتابه ما يلي: "إن بطليموس أفيغانوس وبعد الانتصار في معركة حمرين حربيتين سارتا نحو بلاد الشام وبلاد اليهودية، لإخضاعها. ويضيف وما يلي: "وملك بعده أنطيخوس أو أفاطور، سنتين، واضطهد اليهود اضطهاداً شديداً. وولي أمر اليهود يهوذا المقبي، وجمع بين الملك والكهنوت، وتوفي نواب أنطيخوس من "أرض يهوذا" وصار اليهود يحاربون ملوك الروم. إذ يشير هذا النص إلى اسم يهوذا المكابي في صورة يهوذا المقبي الذي جمع بين كونه كاهناً أعلى وملكاً، كما يشير إلى قيامه[53]بطرد نواب الإمبراطورية (في اليمامة ونجد اليمن وما يسمى إقليم السمرا ويفاع ومرتفعي وسواها). والأهم من ذلك أن ابن العبري يشير إلى حملتين، سارت إحداهما إلى بلاد اليهودية والأخرى إلى بلاد الشام. وهذا يعني أن ابن العبري يميز تمييزاً جغرافياً دقيقاً وصحيحاً بين بلاد الشام وبلاد اليهودية. بالتالي إقليم (بلاد) السمرا الذي قرئ في صورة السامرة لا يقع في شمال فلسطين وذلك طبقاً للرواية التوراتية؛ بل في شمال اليمن حيث دارت المعارك ضد الولاة الرومان في قلبه، وفي أطرافه عند موضع الغرابات – عرابات في التوراة. وبالطبع؛ فإن السامرة (الضفة الغربية من فلسطين) لا تعرف هذا الاسم، بينما نجد إقليم السمرا العربي – اليمني، وهو يضم الغرابات وديار هوذة نفسه. هاكم ما يقوله الهمداني "ثم تقطع بطن قو؛ ثم السمراء وهو أرض سهب، ثم تأخذ في الدهناء وهي هناك مسيرة يومين. ومن عن يمين ذلك الغرابات ثم تسير في السهباء ثم تقطع جبيلاً قريباً له ثم الروضة ودار عجل وديار هوذة – بن علي السحيمي الحنفي – وهي أول اليمامة. ثم من أسفل ذلك القرى من اليمامة والقنع، وهذه اليمامة حصون متفرقة ونخل ورياض".[54] هذا هو إقليم – بلاد – السمرا في الفضاء الجغرافي ذاته للمعارك التي وصفها السفر، وها هنا اليمامة – واليوم هي الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية – والتي دارت فيها الحروب ضد الرومان – وها هنا ديار الحنفيين (الموحدين الأوائل في الجزيرة العربية) الذين تسمى آخر ملوكهم باسم يهوذه – هوذه، تيمناً باسم الملك العربي اليهودي الذي قاتل الرومان يهوذه المكابي، وكان قد وضع التاج على رأسه حين ظهر الإسلام فأبى أن يسلم. لأجل ذلك كله، يتعين – اليوم – أن نشطب من التاريخ الفلسطيني عصراً بأكمله نسب إلى فلسطين خطأً؛ بل وأن نشطب كل ما له صلة بحروب يهوذه المكابي من تاريخ بني إسرائيل في فلسطين الخيالية، وأن نعيد وضعه بكل أمانة ضمن تاريخ اليمن والجزيرة العربية. ولكل ذلك أيضاً، فالقدس العربية – الإسلامية هي قدسنا، ليست ولم تكن أورشليم التوراة.[55]

وهكذا تكون الفرضية التي تزعم أن بني إسرائيل أقاموا مملكة موحدة تحت حكم داود وسليمان، مجرد فرضية لا يدعمها أي دليل أثري حتى اللحظة، كما أشار إلى ذلك عالم الآثار الإسرائيلي هرتزوغ، الذي أكد أن سنوات الحفر المكثف في فلسطين لم تسفر عن أي مكتشفات تدعم وجود تلك المملكة، بل كشفت عن مجتمعات محلية متباينة لا ترقى لمستوى كيان سياسي موحد. غير أن ما يثير التساؤل هو أن النظرية البديلة التي تضع جغرافية التوراة في جنوب الجزيرة، رغم قوتها في مواجهة الأسطورة الاستشراقية، إلا أنها، بحسب بعض المنتقدين، اعتمدت في بداياتها على فرضيات غير موثقة أثريًا، ومحاولات تأويل أسماء المواقع دون توفر براهين زمنية حاسمة. والأهم من كل ذلك، هو أن النظريات التقليدية بُنيت على توافقات لفظية وأسماء مشابهة لا أكثر، ومضت في طريقها لتؤسس ما صار لاحقًا أساسًا للتاريخ الرسمي لفلسطين القديمة. فحين زار روبنسون وسميث الأراضي المقدسة، شرعا في تعيين المواقع التوراتية على الأرض بالاستناد إلى أصوات الكلمات العربية المتقاربة، دون تحقق أثري أو سند تاريخي، وهي المنهجية ذاتها التي عابوها لاحقًا على فاضل الربيعي وأحمد الدبش، مع اختلاف الغايات والأهداف. ولذلك قام أحمد الدبش بالتراجع عن العديد من أطروحاته التي تتعلق بجغرافية التوراة واسقاطها على اليمن فيقول " لقد اعتمدنا على بعض الإشارات الغامضة في النقوش المسندية المتأخرة، والتي لم تكن متزامنة مع أحداث الكتاب المقدس، لمحاولة تأكيد فرضية "خيالية"، لا شك في أن علامات التسرع والارتباك ظاهرة في نصوص كتبي المبكرة، لأني ألّفتها وقتها متأثراً بـ "خطأ تحديد جغرافية الحدث التوراتي"، فكيف لي كباحث في التاريخ القديم، أعتمد "الكتاب المقدس"، كوثيقة تاريخية، وأقر أن المشكلة تكمن، وبكل بساطة، في خطأ تحديد جغرافية الأحداث؟ كيف لي كباحث في التاريخ القديم، رفض إسقاط روايات "الكتاب المقدس" على فلسطين لانعدام الدليل الأثري، وفي ذات الوقت أخترع جغرافية بديلة دون دليل أثري؟! كانت المعضلة الرئيسية التي واجهتنا، ولم نستطع التغلب عليها، عندما نجد موقعاً ما يتشابه اسمه مع موقع في "الكتاب المقدس"، ولكنّ المكتشفات الأثرية تشير إلى أن الموقع حديث نسبياً، وما يزيد الأمر صعوبة أننا لم نبذل عناء للكشف عما ورد عن هذا الموقع في السجلات التاريخية والأدلة الأثرية بدقة، عبر طرح سؤال علمي، وهو، هل هناك أدلة أركيولوجية تشير إلى أن الموقع متزامن مع الموقع المذكور في "الكتاب المقدس" أم لا؟ هل تم اكتشاف بناء قديم يعود إلى نفس الفترة الزمنية؟ وهل عُثر على نقوش تذكر هذا الموقع بنفس الاسم المذكور في "الكتاب المقدس"، ويتزامن مع الحدث "التوراتي"؟ علاوةً على ذلك، استعنّا بالنقوش المسندية لإثبات أن اليمن احتضن تجربة بني إسرائيل، ولكنها جميعها نقوش متأخرة غير متزامنة مع الحدث "التوراتي"، ولا تُعتبر دليلاً على أن اليمن احتضن تجربة بني إسرائيل.  كانت اهتماماتنا محددة بشدة، فقد كرّسنا أنفسنا لرسم جغرافية "الكتاب المقدس" في اليمن، وبخاصة بعد أن افترضنا مسبقاً صحة "الكتاب المقدس"، وخطأ جغرافية الحدث. لكن في السنوات الأخيرة؛ بدأت هذه الفرضية ــ من وجهة نظري ــ تتداعى تدريجياً؛ فالسمة الرئيسية، في الخطاب "التوراتي"، هي الصمت المُطبق للسِّجِل الآثاري، ما يوحي بأننا نتعامل مع ماضٍ مُختَرَع لم يُعثر له على أثر حتى الآن.[56] أما فيما يتعلق بتسمية مصر فنجد أن بعض المنتقدين لأطروحات أحمد الدبش والربيعي يستشهدون بالمؤرخ العراقي جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب" الذي كان دقيقاً في انتقاء مفرداته عندما تحدث عن النقش الذي ذكر "معن مصرن" فقال: أثارت "معن مصرن"، "معين مصران"، جدلاً شديداً بين العلماء، ولا سيما علماء التوراة، فذهب بعضهم إلى أن "مصر" "مصرايم “Mizraim الواردة في التوراة ليست مصر المعروفة التي يرونها نهر النيل، بل أريد بها "معن مصرن"، وهو موضع تمثله "معان" في الأردن في الزمن الحاضر"، وقال أيضاً: فقيل "معين مصرن" لقربها من مصر، ولتمييزها عن "معن" أي "معين" اليمن". ولم يذكر جواد علي أبداً أن "معن مصرن" يُقصد بها مملكة معين. علاوة على أننا نجد العديد من المستشرقين الأوائل حتى اليهود منهم اقترحوا أن تكون جغرافية التوراة في اليمن مثل المستشرق وينكلر الذي قال بأن مصر التوراتية هي إقليم في شبه الجزيرة العربية. إذن، فنظرية جغرافية التوراة في اليمن وجزيرة العرب، لها جذورها العريقة في التراث الاستشراقي ومن المستشرقين اليهود أنفسهم، وليس أنها "نظرية ثورية" خارجة عن نطاق ما قدمه الاستشراق، وهذا بإقرار أحمد الدبش مثلا أحد أهم المنظرين لهذه الأطروحة، وهذا بحد ذاته ما يتناقض مع المنطلق والهدف الرئيسي من هذه النظرية التي تسعى إلى تحرير التاريخ العربي من سيطرة الفكر الاستشراقي. إذ نوه الدبش في العديد من كتبه إلى أن هذه النظرية ليست جديدة، وأن هناك من المستشرقين من تبناها من قبل، ووصفهم بالمستشرقين "الثقات"- وهو توصيف يحذرنا من الخلط بين نوعين من المستشرقين: ثقات وغير ثقات[57]. فالمشكلة الأعظم مع جميع هذه النظريات التوفيقية تثير التساؤل الهام حول التاريخ الحديث لإسرائيل القديمة: العلاقة الانفعالية بين الأدب التوراتي والبحث التاريخي. فالبنى التاريخية تقوم على الأبحاث وليس على المنهجيات النظرية، ويجب أن تستند إلى البيئات الثابتة كي تصبح مقبولة تاريخياً. فالتاريخ يتعلق بالطبيعة وليس بما وراء الطبيعة. فإذا كان إضفاء التاريخانية على مجمل المرويات التوراتية أو على أي جزء محدد منها ممكناً، وجب علينا ألا نستجيب لإغراء تبني منظور مستخلص من ذلك الشكل الشامل نظرياً ولا من أي جزء منه لا تثبت تاريخيته بذاتها.[58]

الخاتمة:

ختاما، يمكن القول بأن التاريخ الفلسطيني والمنطقة بشكل عام قد خضع لروايات استشراقية لاهوتية. كان الهدف منها شرعنة المشروع الاستيطاني في الأراضي العربية وخلق قطيعة بين التاريخ الفلسطيني ومحيطه العربي. وتطويع المكتشفات الأثرية لأغراض دينية صهيونية. كان من مخرجاتها خلق تاريخ فلسطيني ملفق بالاستناد على الكتاب المقدس لا باعتباره كتاب دينيا بقدر ما هو وثيقة تاريخية وجب اثباتها على أرض الواقع. ورغم التحولات النقدية الجادة في الغرب، لا تزال المجتمعات العربية غارقة في اجترار هذه المرويات دون مساءلتها. لذلك، فإن هناك ضرورة ملحّة اليوم لتفكيك الارتباط القائم بين المعرفة التوراتية والخطاب الأكاديمي حول الشرق، والانفتاح على قراءات نقدية بديلة تعيد الاعتبار للتاريخ العربي وتحرّره من أسر السردية الاستشراقية. وحدها القراءة المتجذرة في الواقع الجغرافي والاجتماعي العربي، بعيدًا عن التوراة ومصطلحاتها، قادرة على إنتاج سردية علمية موضوعية تعيد كتابة تاريخ المنطقة بإنصاف ووعي. دون الاعتماد على نفس الوسائل والمناهج التي اعتمدها المستشرقون بداية وإنما دراسة التاريخ بشكل موضوعي ليس فقط تاريخ بلاد الشام وإنما دراسة تاريخ شبه الجزيرة العربية خاصة أن صحاريها لازالت تخفي العديد من الآثار التي من شأنها ربما تغيير نظرتنا للتاريخ القديم بعيدا عن المرويات الشفوية وكتب التراث.

***

حماس سعيد عبدلي

..........................

[1] فهد مطلق العتيبي، "تاريخ فلسطين القديم بين علم الآثار الأوروبي والتوراة: دراسة نقدية"، مجلة السياحة والآثار، جامعة الملك سعود، العدد 24، الجزء 1، 2012، ص 22.

[2] فهد مطلق العتيبي، ص 10.

[4] فهد مطلق العتيبي، ص21.

[5] المرجع السابق.

[6] فهد مطلق العتيبي، ص 22.

[7] محمد الأسعد، "مستشرقون في علم الآثار: كيف قرأوا الألواح وكتبوا التاريخ"، (الطبعة الأولى)، دار مسعى والدار العربية للعلوم ناشرون، 2010، ص 53.

[8] محمد الأسعد، ص 3.

[9] المرجع السابق.

[10] فهد مطلق العتيبي، ص 16.

[11] فهد مطلق العتيبي، ص 22.

[12] فهد مطلق العتيبي، ص15 .

[13] فهد مطلق العتيبي، ص 17.

[14] فهد مطلق العتيبي، ص 19.

[15] المرجع السابق.

[16] محمد الأسعد، ص 107.

[17] محمد الأسعد، ص 116.

[18] محمد الأسعد، ص 52.

[19] المرجع السابق.

[20] محمد الأسعد، ص 133.

[21] محمد الأسعد، ص 135.

[22] عبد ربه، عمر. (2019). "علم الآثار ودوره في تكريس المشهد التوراتي في القدس: مدينة داود نموذجاً. "مجلة جامعة بيت لحم، ص38.

[23] المرجع السابق، ص 46.

[24] https://www.alaraby.co.uk/culture/محمد-الأسعد-في-نزع-الاستشراق-عن-علم-الآثار.

[26] طومسون، توماس ل. (1995) التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي. بيروت، بيسان للنشر والتوزيع. ص 146.

[27] المرجع السابق، ص 289.

[28] فاضل الربيعي، فلسطين المتخيلة: أرض التوراة في اليمن القديم، المجلد الأول، 2017، ص 27.

[29] https://www.aljazeera.net/blogs/2017/6/7/مسألة-إسرائيل-في-لوحة-مرنبتاح.

[30] https://www.alarabiya.net/arab-and-world/egypt/2024/05/31/زاهي-حواس-اسرائيل-تقف-خلف-رواية-تكذيبي-للكتب-السماوية-وهذا-ردي-.

[31] https://www.britannica.com/topic/pharaoh.

[33] فاضل الربيعي، ص 23.

[34] فاضل الربيعي، ص 24.

[35] فاضل الربيعي، ص 20.

[36] فاضل الربيعي، ص 21.

[37] فاضل الربيعي، ص 25.

[38] فاضل الربيعي، ص 42.

[39]فاضل الربيعي، ص 47.

[40] المرجع السابق.

[41] فاضل الربيعي، ص 56.

[42] فاضل الربيعي، ص 58 59.

[43]فاضل الربيعي، ص 68.

[44] فاضل الربيعي، ص 78.

[45] فاضل الربيعي، ص 80.

[46] فاضل الربيعي، 82.

[47] فاضل الربيعي، ص 91.

[48] فاضل الربيعي، ص 102.

[49]فاضل الربيعي، ص 118.

[50]فاضل الربيعي، ص 119.

[51] فاضل الربيعي، ص 124.

[52] فاضل الربيعي، ص 131.

[53] فاضل الربيعي، ص 152.

[54]فاضل الربيعي، ص 153.

[55]فاضل الربيعي، ص 154.

[56] https://www.al-akhbar.com/Opinion/313210/مع-سبق-الإصرار-اليمن-لم-يحتضن-تجربة-بني-إسرائي.

[57] https://www.academia.edu/35044499/جغرافية_التوراة_وحاخاماتها_العرب_الجذور_الاستشراقية_اليهودية_للنظرية  ص 26.

[58]  المرجع السابق، ص 94.

 

في المثقف اليوم