تمهيد: يُعد التفكير الناقد من أهم أنماط التفكير في المجال التربوي، إذ يساعد المتعلم على "فحص المعلومات وتحليلها وتقويمها" عوضًا عن مجرد استقبالها، واتخاذ القرارات المبنية على الأدلة، وحل المشكلات بموضوعية ومنطق، وتنمية الاستقلالية في التفكير. وتنمية التفكير الناقد لا تعتمد على المهارات العقلية فقط، بل تتطلب "استراتيجيات وممارسات تعليمية مناسبة" تساعد على تطبيق هذه المهارات في مواقف متنوعة.
ويتناول هذا المقال "أسس ومبادئ التفكير الناقد"، من خلال تعليم مهاراته واستراتيجيات تنميتها، ومعاييره وأبعاده، إضافة إلى مكوناته التقليدية مثل "المنطق والمغالطات والأدلة والإحصاءات والمهارات التطبيقية". كما يتناول مكونات التفكير الناقد المتكامل، وهي "طرح الأسئلة، والاستدلال والتفكير المنطقي، والإيمان بنتائج الاستدلال". ويهدف الفصل إلى تقديم تصور متكامل عن "طبيعة التفكير الناقد، ومبادئه ومكوناته، وطرق تعليمه وتنميته والمهارات العقلية التي يقوم عليها".
أولا: تعليم التفكير الناقد
أ- تنمية التفكير الناقد
يعتقد أعضاء هيئة التدريس أنهم يدرِّسون التفكير الناقد ويمارسونه داخل فصولهم الدراسية، إلا أن الواقع الفعلي قد لا يعكس ذلك بالضرورة. وقد يواجه أعضاء هيئة التدريس الذين لم يتلقوا تدريبًا رسميًا في مجال تعليم التفكير الناقد صعوبة في دمج هذه المهارات بفاعلية ضمن المناهج والمقررات الدراسية. وتزداد هذه الصعوبة في ظل ما تتسم به الأدبيات الحالية حول هذا الموضوع من تجزؤ وغلبة الطابع النظري عليها، فضلًا عن عدم تقديمها تصورًا واضحًا وكافيًا لمفهوم التفكير الناقد، أو لكيفية تطبيقه ودمجه بصورة فعالة في المقررات الدراسية. ومع ذلك، تشير الدراسات المختلفة إلى أهمية دمج التفكير الناقد في المقررات الدراسية من خلال مجموعة متنوعة من الأساليب، بما في ذلك توظيف الواجبات والأنشطة التعليمية، واستخدام التكنولوجيا، وتطبيق استراتيجيات تدريس متخصصة، بما يسهم في تنمية مهارات التفكير الناقد لدى الطلاب وتعزيز قدراتهم بما يدعم نموهم الأكاديمي والمهني. ويُعد دمج التفكير الناقد في عملية التدريس أمرًا بالغ الأهمية؛ لما له من دور في تطوير مهارات التفكير الناقد لدى الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، فضلًا عن تعزيز اتجاهاتهم الإيجابية نحوه. كما يسهم هذا الدمج في تعزيز نقل المعرفة إلى سياقات جديدة، بما يساعد الطلاب على توظيف ما يتعلمونه في مواقف وسياقات مختلفة، ويُعد ذلك عنصرًا أساسيًا لتحقيق النتائج التعليمية المرجوة. (1)
وتتضح أهمية معالجة هذا التحدي في ضوء المكانة المتزايدة التي يحتلها التفكير الناقد في العملية التعليمية؛ إذ تُعد تنمية التفكير الناقد، بوصفه إحدى المهارات الجوهرية للتعلم في القرن الحادي والعشرين، أمرًا يحظى بأهمية متزايدة في الأوساط التعليمية والمهنية. وسواء تمثل الهدف في تعزيز أسس معتقدات الفرد الشخصية، أو زيادة شعوره بالسعادة والرفاه، أو تحسين فرص نجاحه في التعليم، فإن امتلاك مهارات قوية في التفكير الناقد يمكّن الأفراد من تقييم المعلومات بصورة موضوعية، والنظر في وجهات النظر المتعددة، واتخاذ قرارات مستنيرة تستند إلى المنطق والأدلة. وقد أسهم الاهتمام بإعداد الطلاب للنجاح المستقبلي في مساراتهم التعليمية والمهنية في تجديد التركيز على أهمية التفكير الناقد. ومع دخول الطلاب إلى سوق عمل عالمي متزايد التعقيد، أصبح من الأهداف الأساسية للتعليم إعدادهم ليكونوا مفكرين نقديين قادرين على تحليل المعلومات وتقييمها، واتخاذ قرارات فعّالة، والمشاركة بصورة منتجة في اقتصاد المعرفة المتنامي. وفي هذا السياق، تُصنِّف الدراسات الاستقصائية العالمية بصورة منتظمة التفكير الناقد والتفكير التحليلي ضمن المهارات الأكثر طلبًا من قِبل أصحاب العمل، مما يعكس أهميتهما المتزايدة في البيئات المهنية المعاصرة. كما أظهرت الأبحاث أن التدريب على التفكير الناقد يسهم في تحسين استراتيجيات اتخاذ القرار ونتائجه، ولا سيما في المواقف المهنية المعقدة التي تتطلب تحليل المعلومات، وتقييم البدائل، واتخاذ قرارات تستند إلى الأدلة والمنطق. (2)
ولا تقتصر أهمية تنمية التفكير الناقد على تحقيق النجاح الأكاديمي والمهني، بل تمتد لتشمل قدرة الطلاب على التعامل الواعي مع التحديات المعرفية والمجتمعية المتزايدة؛ لذلك يُعد تطوير مهارات التفكير الناقد لدى طلاب الجامعات ضرورة مدنية متزايدة الأهمية، ولا سيما في عصر المعلومات الذي يُوصف بـ«ما بعد الحقيقة»، والذي يتسم بتزايد تأثير المحتوى المتداول عبر الخوارزميات، وانتشار الأخبار الزائفة، وغيرها من أشكال المعلومات المضللة أو غير الدقيقة. وفي ظل هذا السياق، تبرز أهمية امتلاك الطلاب القدرة على فحص المعلومات وتقييم مصداقيتها، والتمييز بين الحقائق والادعاءات، وتكوين أحكام تستند إلى الأدلة والمنطق. ونظرًا لما توفره هذه المهارات من فوائد للأفراد والاقتصاد والمجتمع على نطاق أوسع، فقد أصبحت تنمية التفكير الناقد هدفًا مشتركًا تسعى إلى تحقيقه جهات التوظيف، والمؤسسات التعليمية، وأنظمة التعليم المختلفة، كونه من المتطلبات الأساسية لإعداد أفراد قادرين على التعامل بفعالية مع التحديات المعرفية والمهنية والمجتمعية المعاصرة. (3)
وانطلاقًا من هذه الأهمية المتزايدة، يصبح دور البيئة التعليمية في تنمية التفكير الناقد أمرًا حاسمًا؛ إذ يجب أن تتسم الفصول الدراسية الفعّالة بمجموعة من الممارسات التعليمية التي تسهم في تهيئة بيئة داعمة للتعلم، من أبرزها وضوح التوقعات، وتقديم الدعم في الوقت المناسب، وتوفير التغذية الراجعة الإيجابية، وتوظيف تعليمات محفزة، إلى جانب توفير التدريب الملائم للمعلمين. وفي الفصول الدراسية التي تركز على تنمية التفكير الناقد، تبرز أهمية الإكثار من طرح الأسئلة وتوظيف استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات، لما لهذه الممارسات من دور جوهري في تعزيز مهارات التفكير اللازمة لمتطلبات تعليم القرن الحادي والعشرين. وقد أظهرت الدراسات أن تنمية مهارات التفكير الناقد تسهم في تعزيز الوعي الذاتي لدى الطلاب، وتشجعهم على تبني نهج أكثر انفتاحًا وتأملًا عند التعامل مع المواقف والتحديات في سياقاتهم الشخصية والمهنية. ويواجه طلاب الجامعات بصورة متكررة مواقف تتطلب منهم اتخاذ قرارات مهمة وتطوير حلول لمجموعة متنوعة من المشكلات، بدءًا من اختيار تخصصاتهم الأكاديمية وتحديد مساراتهم المهنية، وصولًا إلى التعامل مع التحديات التي قد تواجههم خلال حياتهم التعليمية والمهنية. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى تنمية مهارات التفكير الناقد لديهم وتمكينهم من توظيفها بفاعلية في تحليل المشكلات وتقييم البدائل واتخاذ القرارات المناسبة. (4)
وفي ضوء ما تتطلبه البيئة الصفية الداعمة للتفكير الناقد من ممارسات تعليمية فاعلة، يمكن تعزيز هذه المهارات لدى طلاب الجامعات من خلال مجموعة من الممارسات والاستراتيجيات التعليمية، من بينها توظيف الأسئلة المحفزة للتفكير، والإدارة الصفية الفعالة، وتصميم الواجبات الكتابية التي تتطلب التحليل والتفسير والتقييم، بالإضافة إلى تشجيع المناقشات الصفية التي تتيح للطلاب التعبير عن آرائهم، ومناقشة وجهات النظر المختلفة، وتبرير مواقفهم استنادًا إلى الأدلة والمنطق. وتوفر هذه الممارسات مجتمعة بيئة تعليمية تساعد الطلاب على ممارسة التفكير الناقد بصورة منتظمة، ونقله من مجرد مفهوم نظري إلى مهارة قابلة للتطبيق في المواقف الأكاديمية والمهنية والحياتية. (5)
وتتعدد الأساليب والأنشطة التعليمية التي يمكن توظيفها لتعزيز مهارات التفكير الناقد لدى الطلاب، وتختلف باختلاف طبيعة المقرر، وأهدافه التعليمية، وخصائص الطلاب واحتياجاتهم. ومن أبرز هذه الأساليب والأنشطة ما يأتي:
أولًا: يمكن تعزيز مهارات التفكير الناقد من خلال توظيف عدة استراتيجيات في الوقت نفسه، مثل الجمع بين أساليب القراءة والكتابة. كما أن إشراك الطلاب في أنشطة كتابية مركزة، تبدأ باستخدام استراتيجيات متنوعة للقراءة، وتتبع أساليب الكتابة الحجاجية والإقناعية، من شأنه أن يسهم في تنمية مهارات التفكير الناقد لديهم.
ثانيًا: تبرز أهمية توفير استراتيجيات وأنشطة تتوافق مع ميول الطلاب وتصوراتهم، إذ تُعد التدريبات العملية، والمناقشات الصفية، وتحليل دراسات الحالة من أكثر الأنشطة التعليمية إسهامًا في تعلمهم. ومن ثم، فإن الاستجابة لتفضيلات الطلاب من خلال توظيف هذه الاستراتيجيات يمكن أن تسهم في تعزيز تعلمهم وتنمية مهارات التفكير الناقد لديهم.
ثالثًا: نظرًا لتعدد استراتيجيات تدريس التفكير الناقد، ينبغي أن تتسم الاستراتيجية المستخدمة بحسن التصميم، بغض النظر عن نوعها. ويجب أن تستند عملية تصميم هذه الاستراتيجيات إلى مجموعة من النماذج والنظريات، فضلًا عن مراجعة أهداف المقرر وتحديد العناصر المرتبطة بالتفكير الناقد التي يسعى المصممون إلى تعزيزها. كما ينبغي أن يُراعى في تصميم هذه الاستراتيجيات سياقات الطلاب وخلفياتهم المعرفية والثقافية، بما يضمن ملاءمتها لاحتياجاتهم وخصائصهم التعليمية. (6)
وإلى جانب الاستراتيجيات التي يمكن توظيفها في البيئة التعليمية، يرتبط تنمية التفكير الناقد أيضًا بمجموعة من الممارسات العقلية التي ينبغي تعزيزها لدى الطلاب، والتي تساعدهم على التعامل مع المعلومات والأفكار بصورة أكثر وعيًا وفحصًا. ومن أبرز هذه الممارسات ما يأتي:
رابعًا: عدم قبول المعلومات بصورة غير نقدية: يتطلب التفكير الناقد عدم التسليم بالافتراضات أو الادعاءات دون التحقق من مصادرها، وفحص مدى موثوقية المعلومات التي تستند إليها.
خامسًا: الحرص على اكتساب معارف جديدة: يعتمد التفكير الناقد بدرجة كبيرة على المعرفة والخبرة؛ فكلما اتسعت قاعدة معارف الفرد، تنوعت الموارد المعرفية التي يمكنه الاستناد إليها عند تحليل المعلومات وتقييمها واتخاذ القرارات المناسبة.
سادسًا: طرح الأسئلة والاستفسارات: ينبغي عدم رفض الآراء والأفكار لمجرد عدم توافقها مع المعتقدات السابقة، كما ينبغي عدم قبولها لمجرد توافقها معها، وإنما يتطلب التفكير الناقد إخضاعها للفحص والتمحيص من خلال طرح الأسئلة والبحث عن الأدلة التي تدعمها أو تعارضها؛ إذ إن الادعاءات غير السليمة غالبًا ما تكشف عن ضعفها عند إخضاعها للفحص والاستفسار. (7)
ب- استراتيجيات تعليم مهارات التفكير الناقد
تتعدد الاستراتيجيات والأساليب التعليمية التي يمكن توظيفها في تعليم مهارات التفكير الناقد وتنميتها لدى الطلاب، وتختلف طبيعة هذه الاستراتيجيات باختلاف أهداف المقرر، وطبيعة المحتوى الدراسي، وخصائص الطلاب واحتياجاتهم التعليمية. ولا تقتصر فاعلية تعليم التفكير الناقد على استخدام استراتيجية واحدة بصورة منفردة، وإنما تتطلب توظيف مجموعة من الاستراتيجيات والممارسات المتكاملة التي تتيح للطلاب فهم مهارات التفكير الناقد، وممارستها بصورة منظمة، وتطبيقها في سياقات معرفية متنوعة. ومن أبرز هذه الاستراتيجيات ما يأتي:
1- تنوع الاستراتيجيات والأساليب التعليمية
يمكن تدريس مهارات التفكير الناقد ضمن مقرر دراسي مستقل يركز بصورة مباشرة على نظرياته ومفاهيمه ومهاراته وتطبيقاته. ويستند المؤيدون لهذا الاتجاه إلى أن التفكير الناقد يمثل مجموعة من المهارات المحددة التي ينبغي تدريسها من خلال برنامج تعليمي مخصص، يهدف إلى تزويد الطلاب بإطار نظري واضح حول طبيعة التفكير الناقد ومفاهيمه الأساسية، وتنمية المهارات اللازمة لممارسته وتطبيقه. ويرى الفيلسوف الأسترالي تيم فان جيلدر (Tim van Gelder) أن تنمية التفكير الناقد لدى الطلاب تبدأ بتعليمهم العناصر الأساسية التي يقوم عليها هذا النوع من التفكير؛ إذ ينبغي أن يكتسب الطلاب فهمًا واضحًا لنظرياته ومصطلحاته ومفاهيمه، إلى جانب إتقان المهارات التي يتطلبها تطبيقه بصورة فعّالة. وفي هذا السياق، بحث ويليامز وورث (Williams and Worth) مدى فاعلية تدريس مهارات التفكير الناقد من خلال مقررات متخصصة مقارنة بدمج هذه المهارات في مقررات عامة لا تركز بصورة مباشرة على تعليمها. وأظهرت نتائجهما أن تدريس التفكير الناقد من خلال مقررات متخصصة قدم بعض المؤشرات الواعدة على تعزيز هذه المهارات لدى الطلاب، في حين أدى دمجها ضمن المقررات العامة إلى تحسينات محدودة نسبيًا في مستوى التفكير الناقد. ويشير ذلك إلى أن التدريس المباشر والمنظم للتفكير الناقد قد يوفر للطلاب أساسًا معرفيًا ومهاريًا أكثر وضوحًا، يمكن البناء عليه لاحقًا لتطبيق هذه المهارات في سياقات ومقررات مختلفة. (8)
ولا يقتصر تعليم التفكير الناقد على تقديم المهارات بصورة مباشرة، بل يتطلب كذلك توفير فرص عملية لممارستها وتوظيفها في مواقف تعليمية متنوعة. ومن أجل ذلك، ينبغي على المعلمين اختيار استراتيجيات تعليمية تساعد الطلاب على فهم هذه المهارات وممارستها وتطبيقها بصورة فاعلة. وفي هذا السياق، بحث لورنس (Lawrence) وآخرون آراء المعلمين والطلاب بهدف تحديد الأنشطة التعليمية التي تتيح فرصًا أكثر فاعلية لممارسة مهارات التفكير الناقد. وتوصلوا إلى أن كلًا من المعلمين والطلاب يرون أن نقد المقالات العلمية، والمشاركة في المناظرات، وكتابة الأوراق البحثية، وتقويم دراسات الحالة، ومناقشة الأسئلة، تمثل أنشطة تعليمية فعّالة تساعد الطلاب على ممارسة مهارات التفكير الناقد وتطويرها. ويمكن توظيف هذه الأنشطة بصورة منهجية من خلال تكليف الطلاب، على سبيل المثال، بنقد مقال علمي وفق مجموعة من المعايير التي توجههم إلى ممارسة مهارات التفكير الناقد؛ وذلك من خلال النظر في وجهات النظر المختلفة التي يعرضها المقال، وطرح الأسئلة حول هذه الآراء وتقييمها، والتحقق من مدى كفاية الأدلة أو البحوث المقدمة لدعم الادعاءات، فضلًا عن فحص مدى وجود تحيز في طريقة عرض الكاتب للمعلومات أو الحجج، مثل الاقتصار على عرض جانب واحد من القضية وإغفال وجهات النظر أو الأدلة المقابلة. ومن ثم، فإن تنوع الأنشطة التعليمية يوفر للطلاب مواقف متعددة تمكنهم من الانتقال من معرفة مهارات التفكير الناقد إلى ممارستها بصورة فعلية. وفي هذا الإطار، تؤدي استراتيجيات طرح الأسئلة دورًا محوريًا في تنمية مهارات التفكير ذات المستويات العليا لدى الطلاب؛ إذ تتيح لهم فرصًا للتأمل الذاتي، ومراجعة أفكارهم وأحكامهم، ومناقشة وجهات النظر المختلفة مع الآخرين. وتُعد هذه الممارسات من المكونات الأساسية للتفكير الناقد؛ لأنها تساعد الطلاب على الانتقال من مجرد استيعاب المعلومات إلى تحليلها وتقويمها ومناقشتها بصورة واعية ومنهجية. (9)
2- الحوار السقراطي وطرح الأسئلة
يُعد «الحوار السقراطي» من أساليب التدريس الشائعة والفاعّلة في تنمية التفكير الناقد، إذ يمكن توظيفه لتوجيه الطلاب نحو طرح أسئلة عميقة ومدروسة، وتحفيزهم على تحليل الأفكار ومناقشتها بصورة منهجية. وفي هذا السياق، بحث يانج (Yang) وزملاؤه أثر توظيف الحوار السقراطي في تعزيز مهارات التفكير الناقد لدى الطلاب من خلال المناقشات غير المتزامنة. وأُجريت الدراسة على مدار فصلين دراسيين متتاليين، امتد كل منهما 16 أسبوعًا، وشملت 16 طالبًا جامعيًا من تخصص الطب البيطري في إحدى جامعات منطقة الغرب الأوسط في الولايات المتحدة الأمريكية. وأظهرت نتائج الدراسة أنه، من خلال التصميم المناسب للمقرر وتوظيف التدخلات والاستراتيجيات التدريسية الملائمة، يمكن تنمية مهارات التفكير الناقد لدى الطلاب والحفاظ عليها من خلال استخدام تقنيات الحوار السقراطي. وقد يُعزى ذلك إلى أن هذا الأسلوب في طرح الأسئلة يوفر للطلاب وقتًا كافيًا للتحليل المتأني، وصياغة الأفكار، ومراجعة وجهات النظر، والتفاوض حول المعاني، والتأمل في أثناء تطور مناقشتهم لقضية أو مشكلة معينة. كما يتيح الحوار السقراطي للمعلمين فرصة لتقديم نموذج عملي للتفكير الناقد، وتعزيز ممارساته لدى الطلاب، ومتابعة المهارات النقدية التي يوظفونها وتقويمها أثناء المناقشات. وبذلك، لا يقتصر دور الحوار السقراطي على تشجيع الطلاب على المشاركة في النقاش، بل يوفر بيئة تعليمية تتيح لهم ممارسة عمليات التفكير الناقد بصورة مستمرة، من خلال طرح الأسئلة، وتحليل الأدلة، وفحص الافتراضات، ومراجعة المواقف في ضوء الأفكار ووجهات النظر المطروحة. (10)
وتتسق أهمية الحوار السقراطي مع ما أكد عليه بيثرز (Pithers) وسودن (Soden) بشأن فاعلية توظيف أسلوب طرح الأسئلة في تعزيز التفكير الناقد. فقد أشارا، استنادًا إلى مراجعتهما للأدبيات، إلى مجموعة من الأساليب التعليمية الأخرى التي يمكن أن تسهم في إحداث تغييرات إيجابية في طريقة تفكير الطلاب، ومن أبرزها تشجيعهم على التأمل الواعي في أفكارهم الأساسية، وتحفيزهم على تحليلها وفحصها بصورة منهجية. ويمكن للمعلم دعم هذه العملية من خلال طرح أسئلة تساعد الطلاب على استكشاف أوجه التشابه والاختلاف، وفحص الافتراضات، والنظر في البدائل الممكنة، وإعادة النظر في الافتراضات السابقة، فضلًا عن توظيف أساليب التصنيف وتحديد البيانات والمعلومات التي تستند إليها الفكرة أو تدعمها.
3- المناقشات الصفية (حوار وتبادل الآراء داخل الفصل)
إلى جانب الحوار السقراطي، تسهم المناقشات الصفية المنظمة في توفير بيئة تعليمية تسمح بتبادل الأفكار ووجهات النظر، ومراجعة المواقف والأحكام في ضوء الأدلة والحجج المطروحة. فديناميكية المناقشة الصفية الفعّالة واستمراريتها تتيح المجال لتدفق الأفكار وتبادل وجهات النظر، بما يساعد على تطور تفكير جميع المشاركين. والمناقشة التي تُدار بصورة منظمة لا تقتصر على تبادل الآراء، بل توفر للطلاب فرصًا لتحليل أفكارهم ومراجعتها، والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، وتبرير مواقفهم استنادًا إلى الأدلة. وفي هذا السياق، اقترح هانسن وساليمي (Hansen and Salemi) خمس خطوات أساسية لتصميم مناقشة صفية ناجحة، وهي:
1- تحديد أهداف المقرر.
2- اختيار المواد التعليمية.
3- إعداد مجموعة من الأسئلة لتوجيه المناقشة نفسها.
4- التخطيط لآليات تنفيذ المناقشة.
5- تحديد مسؤوليات قادة المناقشة وتقويم أدائهم. (11)
ولا تقتصر فاعلية المناقشات الصفية على طبيعة النشاط ذاته، وإنما ترتبط كذلك بدور المعلم في تنظيم الحوار وتوجيهه بما يتفق مع أهداف التعلم. وفي هذا الصدد، يرى تايلور (Taylor) أن المناقشات الصفية تؤدي دورًا مهمًا في تعزيز مهارات التفكير الناقد لدى الطلاب؛ إذ تتيح مناقشة محتوى المقرر داخل الصف للطلاب فرصة للتفاعل مع المحتوى وفهمه بصورة أعمق، وممارسة تكوين أحكامهم وآرائهم بصورة مستقلة في بيئة تعليمية آمنة وداعمة. ولا تقتصر أهمية هذه المناقشات على تبادل الأفكار، بل تمتد إلى إتاحة الفرصة للطلاب لتحليل المعلومات، وفحص وجهات النظر المختلفة، وتبرير أحكامهم ومواقفهم. وأشار تايلور كذلك إلى أن دور المعلم داخل الصف يُعد عنصرًا بالغ الأهمية في توجيه المناقشات نحو تنمية التفكير الناقد؛ إذ يستطيع المعلم إدارة الحوار وتنظيمه بطريقة تحفز الطلاب على المشاركة والتفكير والتحليل. ويتمثل دور المعلم في تنظيم الحوارات الصفية من خلال:
1- تحديد نوع الحوار الذي سيبدأ به الحصة، بما يتناسب مع أهداف التعلم والمحتوى التعليمي.
2- الوعي بطبيعة الحوار الجاري في كل مرحلة من مراحل المناقشة، ومدى اتساقه مع الهدف التعليمي المنشود.
3- طرح الأسئلة المناسبة التي تساعد على بدء نوع الحوار الذي يسعى المعلم إلى تحقيقه، وتوجيه الطلاب نحو التحليل والتفسير والتقويم والمناقشة. (12)
4- أنشطة الكتابة الحجاجية والتحليلية
لا تقتصر الممارسات الداعمة للتفكير الناقد على الحوار الشفهي والمناقشات الصفية، بل تمتد إلى أنشطة الكتابة التي توفر للطلاب فرصة لتنظيم أفكارهم وفحصها وبناء الحجج حولها. فقد استُخدمت أنشطة الكتابة منذ فترة طويلة بوصفها إحدى الاستراتيجيات التعليمية الفاعلة في تعزيز التفكير الناقد. فالكتابة يمكن أن تعمل وسيلةً لممارسة التفكير الناقد، وإن كانت لا تمثل التفكير الناقد في حد ذاته. وتوفر عملية الكتابة إطارًا أساسيًا يساعد الطلاب على توليد الأفكار وتنظيمها وتوضيح تفكيرهم، فضلًا عن استكشاف العلاقات والروابط القائمة بينها. كما تمثل الكتابة أداة فعّالة لتعليم الطلاب أحد العناصر الأساسية للتفكير الناقد، والمتمثل في القدرة على بناء حجج مقنعة تستند إلى المنطق والأدلة، وتقديمها بصورة واضحة ومنظمة.
وتُعد مهام الكتابة من أكثر الأساليب مرونة وفاعلية في دمج أنشطة التفكير الناقد داخل المقرر الدراسي؛ لأن عملية الكتابة تتطلب توظيف مجموعة من العمليات والمهارات المعرفية المعقدة، مثل التحليل، والتفسير، والتقويم، والاستدلال، وبناء الحجج. ومن ثم، ينبغي أن تتجاوز أنشطة الكتابة الهادفة إلى تنمية التفكير الناقد المهام التقليدية القائمة على تناول موضوع أو وصفه، وأن تتجه نحو المهام القائمة على المشكلات، والتي تتطلب من الطلاب تحليل قضية أو موقف، وفحص الأدلة ووجهات النظر المرتبطة به، وبناء موقف أو حجة يمكن تبريرها منطقيًا. وعليه، فإن تصميم مهام كتابية ذات طابع حجاجي أو تحليلي يمكن أن يوفر للطلاب فرصًا حقيقية لممارسة التفكير الناقد بصورة متكاملة، من خلال الانتقال من مجرد عرض المعلومات إلى تحليلها وتقويمها، وتكوين الأحكام، وبناء الحجج والدفاع عنها استنادًا إلى الأدلة والمنطق. (13)
5- مراعاة خصائص الطلاب وحسن تصميم الاستراتيجيات
تكشف الاستراتيجيات السابقة أن فاعلية تعليم التفكير الناقد لا ترتبط بنوع الاستراتيجية المستخدمة وحده، وإنما تتأثر كذلك بطريقة تصميمها ومدى ملاءمتها لخصائص الطلاب والسياق التعليمي. ولذلك ينبغي أن تتسم الاستراتيجية المستخدمة بحسن التصميم، بغض النظر عن نوعها، وأن تستند عملية تصميمها إلى مجموعة من النماذج والنظريات، إلى جانب مراجعة أهداف المقرر وتحديد العناصر المرتبطة بالتفكير الناقد التي يسعى المصممون إلى تعزيزها. كما ينبغي أن يُراعى في تصميم هذه الاستراتيجيات سياقات الطلاب وخلفياتهم المعرفية والثقافية، بما يضمن ملاءمتها لخصائصهم واحتياجاتهم التعليمية.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية توفير استراتيجيات وأنشطة تتوافق مع ميول الطلاب وتصوراتهم؛ إذ تُعد التدريبات العملية، والمناقشات الصفية، وتحليل دراسات الحالة من أكثر الأنشطة التعليمية إسهامًا في تعلمهم. ومن ثم، فإن الاستجابة لتفضيلات الطلاب من خلال توظيف هذه الاستراتيجيات يمكن أن تسهم في تعزيز تعلمهم وتنمية مهارات التفكير الناقد لديهم. كما أن الجمع بين عدة استراتيجيات، مثل توظيف أساليب القراءة والكتابة معًا، يمكن أن يوفر فرصًا أكثر تكاملًا لممارسة مهارات التفكير الناقد، ولا سيما عندما تبدأ الأنشطة الكتابية باستخدام استراتيجيات متنوعة للقراءة وتتبع أساليب الكتابة الحجاجية والإقناعية. وبناءً على ما سبق، يتضح أن تعليم التفكير الناقد يتطلب الجمع بين التعليم المباشر للمهارات، وتوفير الأنشطة التي تتيح ممارستها، ومراعاة خصائص الطلاب واحتياجاتهم، إلى جانب حسن تصميم الاستراتيجيات بما يتوافق مع أهداف المقرر وطبيعة المحتوى. وفي هذا السياق، لا يقتصر الاختلاف بين الاستراتيجيات على أساليب تنفيذها، بل يمتد إلى المداخل التي تقوم عليها عملية تعليم التفكير الناقد ودرجة دمجها في المحتوى الدراسي.
6- مداخل تعليم التفكير الناقد
في سياق تعدد الأساليب والاستراتيجيات المستخدمة في تعليم التفكير الناقد، يميز إنيس (Ennis) بين أربعة مداخل رئيسة لتعليم التفكير الناقد، هي: المدخل العام، ومدخل الدمج، ومدخل الانغماس، والمدخل المختلط، ويمكن توضيحها على النحو الآتي:
أ- المدخل العام:
يقوم هذا المدخل على تعليم مبادئ ومهارات التفكير الناقد بصورة صريحة ومباشرة، وبشكل مستقل عن أي محتوى أو تخصص دراسي محدد.
ب- مدخل الدمج:
يجمع هذا المدخل بين تدريس المحتوى الدراسي والتصريح بمبادئ التفكير الناقد، مع توضيحها وشرحها بصورة مباشرة، بحيث يتعلم الطلاب المحتوى الدراسي ومهارات التفكير الناقد في الوقت نفسه.
ج- مدخل الانغماس:
يركز هذا المدخل على إتاحة الفرصة للطلاب لممارسة التفكير الناقد أثناء دراسة المحتوى الدراسي، دون تقديم مبادئ التفكير الناقد أو شرحها بصورة صريحة ومباشرة.
د- المدخل المختلط:
يجمع هذا المدخل بين المدخل العام وأحد المدخلين الآخرين، وهما مدخل الدمج أو مدخل الانغماس، بهدف تعزيز تعلم التفكير الناقد من خلال الجمع بين التعليم الصريح للمبادئ وممارستها في سياق المحتوى الدراسي. (14)
وتوضح هذه المداخل أن تعليم التفكير الناقد يمكن أن يتم بدرجات مختلفة من الصراحة والاستقلال عن المحتوى الدراسي، إلا أن اختيار المدخل المناسب لا ينفصل عن تحديد طبيعة المهارات والمكونات التي يراد تنميتها لدى الطلاب. ومن ثم، فإن الانتقال من تحديد المدخل والاستراتيجية إلى تحديد مكونات التفكير الناقد يمثل خطوة أساسية في تصميم عملية التعليم والتعلم.
7- تحديد مكونات التفكير الناقد المستهدفة بالتعليم
في ضوء تعدد مداخل واستراتيجيات تعليم التفكير الناقد، فإن تحديد المكونات التي ينبغي تنميتها لدى الطلاب يُعد أمرًا أساسيًا في تصميم عملية التعليم والتعلم. فالتفكير الناقد لا يقتصر على استخدام مهارات عامة، وإنما يتضمن مجموعة من العمليات والمعايير التي تساعد الفرد على فحص المعلومات والأدلة وتقييمها، والوصول إلى أحكام وقرارات مبررة. ومن أبرز هذه المكونات: التحقق من أمانة المصدر ودرجة موثوقيته، واتخاذ القرارات بشأن ما ينبغي تصديقه، وتوضيح المعايير المستندة إلى الأدلة التي تُبنى عليها تلك القرارات، وإجراء تفسير نشط للملاحظات وتقييمها، فضلًا عن تقديم المبررات والأسباب الداعمة للمعتقدات التي يتبناها الفرد. وتُعد هذه الجوانب وغيرها من المكونات الأساسية التي ينبغي مراعاتها عند تعليم التفكير الناقد وتنميته لدى الطلاب. (15)
ولا تكتمل عملية تحديد المكونات المستهدفة بمجرد حصر المهارات، بل تتطلب أيضًا تحديد المعرفة اللازمة لممارسة تلك المهارات، وترتيب تعلمها، وتحديد كيفية استمرار تدريب الطلاب عليها. ومن هنا تبرز أهمية التصور الذي قدمه دانيال ت. ويلينجهام (Daniel T. Willingham) حول كيفية تعليم التفكير الناقد.
8- خطة ويلينجهام لتعليم التفكير الناقد
طرح دانيال ت. ويلينجهام، أستاذ علم النفس المعرفي في جامعة فرجينيا، تساؤلًا حول كيفية تعليم الطلاب التفكير الناقد، واقترح خطة تتكون من أربع خطوات رئيسة، يمكن توضيحها على النحو الآتي:
أ- تحديد المقصود بالتفكير الناقد في كل مجال معرفي:
ينبغي تحديد مهارات التفكير الناقد الخاصة بكل مجال معرفي وتعليمها للطلاب بصورة صريحة ومباشرة، مع إتاحة فرص كافية للتدريب والممارسة عليها. وتشير الأدلة إلى أن مجرد تعريض الطلاب للأنشطة التي تتطلب استخدام هذه المهارات، دون تقديم تعليم مباشر لها، يكون أقل فاعلية في تنميتها.
ب- تحديد المعرفة الأساسية التي ينبغي أن يمتلكها الطلاب في المجال:
يتطلب ممارسة نوع معين من التفكير امتلاك الطلاب للمعرفة الأساسية المرتبطة بالمجال الذي يمارسون فيه هذا التفكير. ولذلك، ينبغي تحديد المعارف التي يحتاج إليها الطلاب حتى يتمكنوا من ممارسة مهارات التفكير المطلوبة. فعلى سبيل المثال، إذا كان الهدف هو تعليم الطلاب تحليل الوثائق التاريخية، فإنهم يحتاجون إلى امتلاك معرفة خلفية تساعدهم على فهم مصدر الوثيقة وسياقها.
ج- اختيار التسلسل الأنسب لتعلم المهارات:
ينبغي على المعلمين تحديد الترتيب المناسب الذي يتعلم الطلاب من خلاله المهارات والمعارف، إذ تعتمد بعض المهارات والمعارف على بعضها بعضًا في العديد من المجالات، مثل الرياضيات والتاريخ. وينطبق الأمر ذاته على بقية المجالات المعرفية؛ إذ إن فهم المعلومات الجديدة يعتمد بدرجة كبيرة على ما يمتلكه المتعلم من معرفة سابقة.
د- تحديد المهارات التي ينبغي مراجعتها وممارستها عبر السنوات الدراسية:
ينبغي على المعلمين تحديد المهارات التي تحتاج إلى إعادة تدريب وممارسة على مدى سنوات دراسية متعددة. فقد أظهرت الدراسات أنه حتى عندما يتعلم الطلاب محتوى معينًا بصورة جيدة خلال مدة دراسية تقارب نصف عام، فإنهم قد ينسون نحو نصفه بعد مرور ثلاث سنوات. ولا يعني ذلك أن تقديم المحتوى للطلاب مرة واحدة يفتقر إلى القيمة؛ إذ يحتفظ معظم الطلاب بجزء من هذا المحتوى، وقد يكتسب بعضهم اهتمامًا جديدًا بالمجال. ومع ذلك، فإن المهارات التي يُراد أن يحتفظ بها الطلاب ويستخدموها على المدى الطويل تتطلب تخطيطًا مستمرًا لممارستها وتدريبهم عليها، لمدة لا تقل عن ثلاث إلى خمس سنوات. (16)
9- التكامل بين مداخل إنيس وخطة ويلينجهام
يتضح مما سبق أن خطة ويلينجهام لتعليم التفكير الناقد تتفق مع عدد من المبادئ التي تقوم عليها مداخل تعليم التفكير الناقد التي أشار إليها إنيس، ولا سيما فيما يتعلق بأهمية التعليم الصريح والمباشر لمهارات التفكير، وتوفير فرص كافية لممارستها وتطبيقها. كما تؤكد خطة ويلينجهام أهمية ارتباط مهارات التفكير بالمعرفة الخاصة بالمجال، وهو ما يشير إلى أن التفكير الناقد لا يُمارس بمعزل عن المحتوى المعرفي، بل يتطلب امتلاك المتعلم قدرًا مناسبًا من المعرفة السابقة التي تمكنه من توظيف مهارات التفكير بكفاءة. وتتوافق هذه الرؤية بصورة خاصة مع «مدخل الدمج»، الذي يجمع بين تدريس المحتوى الدراسي والتعليم الصريح لمبادئ ومهارات التفكير الناقد، كما تتقاطع مع «المدخل المختلط» الذي يجمع بين التعليم المباشر للتفكير وممارسته في سياق المحتوى الدراسي. كذلك، فإن تأكيد ويلينجهام أهمية التدرج في تعلم المهارات وإعادة ممارستها ومراجعتها عبر السنوات الدراسية يبرز أن تنمية التفكير الناقد عملية تراكمية ومستمرة، ولا تتحقق من خلال تدريب قصير أو نشاط تعليمي منفرد.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن تعليم التفكير الناقد الفعّال يتطلب تكامل مجموعة من المكونات، تتمثل في التعليم الصريح للمهارات، وتوفير المعرفة الأساسية المرتبطة بالمجال، وإتاحة فرص متكررة للممارسة والتطبيق، وتوظيف الأنشطة الحوارية والكتابية والتحليلية، ومراعاة خصائص الطلاب واحتياجاتهم، إلى جانب مراجعة المهارات وتعزيزها على مدى زمني ممتد. ويؤكد ذلك أهمية تصميم برامج واستراتيجيات تعليمية تراعي طبيعة المجال المعرفي واحتياجات الطلاب، وتوفر سياقات متنوعة تمكنهم من توظيف مهارات التفكير الناقد بصورة عملية ومستدامة.
ت-مجالات تنمية مهارات التفكير الناقد
يمكن تنمية مهارات التفكير الناقد من خلال مجموعة من المجالات الرئيسة التي تتضمن عددًا من المكونات والمهارات الفرعية، ومن أبرزها: "بناء المعرفة، وتقويم الأفكار، واتخاذ القرارات"، ويمكن توضيحها على النحو الآتي:
المجال الأول: بناء المعرفة
يرتبط “بناء المعرفة” بالتفاعل التأملي والتقويمي مع المعلومات بهدف تكوين فهم دقيق ومتكامل لها. ويتضمن ذلك تحديد ما يمتلكه الفرد من معرفة وما يحتاج إلى معرفته، والتمييز بين المعلومات التي تبدو معقولة ومفيدة وموثوقة، إلى جانب معرفة أفضل السبل لتنظيم هذه المعلومات وتفسيرها من أجل استخراج المعاني والدلالات منها وبناء فهم شامل.
المكوّن الأول: تحديد الفجوات المعرفية
يشير تحديد الفجوات المعرفية إلى قدرة الفرد على إدراك نوع المعلومات أو الأدلة التي يحتاج إليها للوصول إلى معرفة معينة أو الحكم على صحتها، أو لفهم قضية محددة، أو لمعالجة مشكلة أو إنجاز مهمة معينة. وتتضمن هذه القدرة تحليل المعرفة المتاحة لدى الفرد وتقييمها، وإدراك أنه قد لا يمتلك جميع المعلومات اللازمة لفهم الموقف أو معالجته، فضلًا عن الوعي بإمكانية استناده إلى بعض المفاهيم أو الافتراضات غير الدقيقة. وقد يظهر الوعي بأوجه القصور في الفهم من خلال طرح أسئلة تستهدف الحصول على معلومات إضافية، وتحفيز مزيد من البحث والاستقصاء. كما يتطلب تحديد الفجوات المعرفية استعداد الفرد للنظر في المعلومات المستمدة من مصادر متنوعة، والانفتاح على وجهات النظر المختلفة، حتى وإن لم يتم تبنيها أو دمجها بصورة مباشرة، وذلك بهدف توسيع نطاق الفهم ومعالجة أوجه النقص في المعرفة. ومن ثم، يسهم تحديد الفجوات المعرفية في تمكين الفرد من بناء فهم أكثر شمولًا للموقف أو القضية، واتخاذ قرارات تستند إلى معلومات وأدلة أكثر كفاية وملاءمة.
المكوّن الثاني: التمييز بين المعلومات
بعد الحصول على المعلومات وجمعها وقراءتها، يتطلب التفكير الناقد إخضاع محتواها لعملية تقويم منهجية؛ إذ لا تقتصر هذه العملية على جمع المعلومات، بل تمتد إلى فحص جودتها ومدى صلاحيتها للاستخدام في تحقيق الغرض المطلوب. ويتضمن التمييز بين المعلومات والأدلة تحليل مجموعة من العوامل وتقييمها، من أبرزها حداثة المعلومات، وموثوقيتها، ومدى ارتباطها بالموضوع، ومصدرها، واكتمالها، ودرجة دقتها وصحتها. كما تشمل هذه العملية القدرة على التمييز بين الحقائق والآراء، وتحديد مدى قوة الأدلة المقدمة لدعم ادعاء أو استنتاج معين، وتقدير مدى ملاءمة المعلومات وفائدتها المباشرة للغرض أو المهمة محل البحث. ومن ثم، يسهم تقويم المعلومات والأدلة في تمكين الفرد من بناء أحكام أكثر دقة وموضوعية، واتخاذ قرارات تستند إلى معلومات موثوقة وذات صلة.
المكوّن الثالث: معالجة المعلومات وتفسيرها
يشير هذا المكوّن إلى عملية التأمل في المعلومات وتنظيمها، بما في ذلك البيانات، والأدلة، والعبارات، والأسئلة، والمفاهيم، والآراء، وغيرها من أشكال التمثيل المعرفي، بهدف تكوين معنى واضح وفهم متكامل لها. وتتطلب هذه العملية القدرة على تحليل المعلومات وتصنيفها للكشف عن الأنماط والعلاقات المفاهيمية الكامنة فيها، وإنشاء فئات منطقية قابلة للتفسير، فضلًا عن استخلاص الدلالات والمعاني التي قد لا تكون ظاهرة بصورة مباشرة. وغالبًا ما تؤدي هذه العملية إلى صياغة قواعد أو تفسيرات نظرية مؤقتة تساعد على تفسير الأنماط المكتشفة بأفضل صورة ممكنة، استنادًا إلى التعميمات المستخلصة من المعلومات المتاحة. كما تتضمن القدرة على التعرف على الاستثناءات والأمثلة المضادة، وتحليل دلالاتها وتقدير أهميتها المحتملة، بما يسهم في اختبار التفسيرات المطروحة وتحديد مدى اتساقها مع الأدلة والمعلومات المتوافرة. ومن ثم، فإن تنظيم المعلومات وتحليلها لا يقتصر على تصنيفها فحسب، بل يمتد إلى بناء فهم مترابط للعلاقات بينها، وتطوير تفسيرات قابلة للمراجعة في ضوء الأدلة الجديدة. (17)
المجال الثاني: تقويم الأفكار
يتضمن “تقويم الأفكار” تحليل المفاهيم والقضايا وتمييزها عبر فحص مدى صدقها وقوتها وصحتها وملاءمتها واتساقها. وقد تتخذ هذه الأفكار صورًا متعددة من الاستدلال القائم على المنطق والأدلة، مثل الحجج والتفسيرات، بما في ذلك النظريات والبراهين. كما يمتد تقويم الأفكار إلى أشكال أخرى من التمثيل والتعبير عنها، مثل العمليات والإجراءات، والقواعد واللوائح، والمخططات والتمثيلات البصرية، فضلًا عن الحملات التسويقية والسياسية. وتتطلب هذه المهارة في التفكير الناقد القدرة على فحص الروابط المنطقية بين الأفكار، وتحليل مدى اتساقها وترابطها، إلى جانب فهم الآثار المترتبة على تبني فكرة معينة أو رفضها. كما تتضمن القدرة على تحديد الافتراضات والتحيزات الكامنة خلف الأفكار والحجج، وفحص مدى كفاية الأدلة التي تستند إليها، والحكم على قوة الاستدلال المستخدم وسلامته المنطقية. ومن ثم، يسهم تقويم الأفكار في تمكين الفرد من إصدار أحكام أكثر دقة وموضوعية، وتكوين مواقف تستند إلى أدلة وحجج منطقية قابلة للفحص والتبرير.
المكوّن الأول: تطبيق المنطق
يتضمن تطبيق المنطق القدرة على الاستدلال انطلاقًا من مجموعة من القضايا والقواعد والشروط والعبارات والمقدمات، بهدف الوصول إلى نتيجة صحيحة أو استنتاج صالح منطقيًا. وتستلزم هذه المهارة القدرة على توظيف مجموعة من المفاهيم المنطقية، مثل الاستدلال والسببية والتناقض والاتساق، لفحص العلاقات بين المقدمات والنتائج وتحديد مدى سلامة الاستنتاجات المستخلصة منها. ويمكن توظيف المنطق بصورة تأملية لفحص صدق نتيجة معينة ومدى صحتها واتساقها مع المقدمات المتاحة، كما يمكن استخدامه بصورة استنتاجية للتوقع بمدى صلاحية حجة معينة أو مجموعة من الشروط عند تطبيقها في سياقات أو مواقف مختلفة. كذلك تشمل هذه المهارة القدرة على تحديد المغالطات المنطقية والأخطاء في الاستدلال، والكشف عن مواطن الخلل في مختلف أشكال عرض الحجج والاستنتاجات. ومن ثم، يسهم تطبيق المنطق في تمكين الفرد من بناء استدلالات أكثر اتساقًا، وفحص صحة الحجج، والوصول إلى نتائج تستند إلى علاقات منطقية سليمة.
المكوّن الثاني: تحديد الافتراضات والدوافع
إلى جانب تقويم الجوانب الفنية للحجة المقدمة، أو أي شكل آخر من أشكال تمثيل الأفكار، يتطلب التفكير الناقد القدرة على تحديد العناصر غير المعلنة التي قد تؤثر في عملية الاستنتاج لدى الفرد أو لدى الآخرين وتقييمها. ويتضمن ذلك التعرف على الحالات التي تستند فيها بعض النتائج أو الخلاصات إلى افتراضات ضمنية، والكشف عن طبيعة هذه الافتراضات، وفحص مدى معقوليتها ومقبوليتها وتأثيرها في سلامة الاستدلال. كما تتطلب هذه المهارة تبني موقف نقدي تجاه الآراء والتفسيرات والقضايا المطروحة، من خلال فحصها بصورة موضوعية وعدم التسليم بصحتها دون تمحيص. ويشمل ذلك تحديد التحيزات المحتملة التي قد تؤثر في مسار الاستدلال وتوجيهه، فضلًا عن الكشف عن القيم والمعتقدات التي قد تقف خلف بعض التوجهات أو الأحكام. ومن ثم، فإن الوعي بالافتراضات الضمنية والتحيزات والقيم الكامنة يسهم في تعزيز موضوعية التفكير الناقد، وتمكين الفرد من تقييم الحجج والاستنتاجات بصورة أكثر دقة واتزانًا.
المكوّن الثالث: تبرير الحجج
يتضمن تبرير الحجج قدرة الفرد على صياغة أفكاره بوضوح، وإخضاع ادعاءاته وآرائه للفحص والمساءلة من خلال دعمها بالأدلة المناسبة والاستدلال السليم، مع تجنب التحيزات التي قد تؤثر في عملية التفكير والحكم. كما تتطلب هذه المهارة القدرة على التنبؤ بصورة دقيقة ومنطقية بالنتائج والآثار المترتبة على الأفكار أو المقترحات التي يطرحها الفرد، وتقدير مدى اتساقها مع الأدلة والمقدمات التي تستند إليها. ويستلزم تبرير الحجة كذلك القدرة على تفسير الأدلة وأساليب الاستدلال التي تقود إلى تبني ادعاء أو موقف معين، وبيان الكيفية التي تدعم بها هذه الأدلة صحة الاستنتاج المطروح. كما يشمل ذلك القدرة على التعامل مع الاعتراضات والتحديات الموجهة إلى الحجة والرد عليها بصورة منطقية تستند إلى الأدلة، مع الاعتراف في الوقت ذاته بالقيود أو الحدود المحتملة للحجة، وعدم تقديمها بوصفها صحيحة بصورة مطلقة. ومن ثم، يسهم تبرير الحجج في تعزيز قدرة الفرد على بناء مواقف وأحكام قابلة للتفسير والدفاع عنها، مع الحفاظ على قدر من الموضوعية والانفتاح على مراجعتها في ضوء الأدلة الجديدة. (18)
المجال الثالث: اتخاذ القرارات
يشير "اتخاذ القرارات" إلى قدرة الفرد على دراسة المواقف والبدائل المتاحة، وتحليل النتائج المحتملة لكل بديل، ثم اختيار البديل الذي يُرجح أن يحقق أكبر قدر ممكن من النتائج الإيجابية. كما تتضمن هذه المهارة متابعة الآثار المترتبة على القرارات المتخذة وتقييم نتائجها بصورة دقيقة وموضوعية، بما يسمح بمراجعة القرار أو تعديله عند الحاجة في ضوء النتائج والأدلة المتاحة. وبالرغم من وجود ارتباط وثيق بين اتخاذ القرارات وحل المشكلات، فإنهما يختلفان من حيث طبيعة العمليات المعرفية التي يتطلبها كل منهما. فاتخاذ القرار يستند بصورة أساسية إلى الجوانب التحليلية والتقويمية المرتبطة بفحص البدائل، وموازنة الأدلة، وتقدير النتائج المحتملة، في حين قد يتطلب حل المشكلات، بالإضافة إلى ذلك، عمليات توليدية وإبداعية لإنتاج حلول أو بدائل جديدة. ومن هذا المنطلق، يرتبط اتخاذ القرارات بصورة أكثر مباشرة بإطار التفكير الناقد؛ نظرًا لاعتماده على تحليل المعلومات، وتقييم البدائل، والموازنة بين الأدلة والنتائج المحتملة قبل الوصول إلى القرار الأنسب.
المكوّن الأول: تحديد معايير اتخاذ القرار
يتطلب اتخاذ القرار الفعّال، في المقام الأول، فهم المشكلة أو الموقف الذي يستدعي اتخاذ القرار، بما يتيح للفرد تحديد المعايير التي يمكن الاستناد إليها في الحكم على مزايا البدائل والقرارات المحتملة. ويتضمن ذلك تحليل الوضع الراهن بصورة دقيقة، وتحديد القيود والمتطلبات والعوامل ذات الصلة التي قد تؤثر في القرار. كما يتطلب فهم معايير اتخاذ القرار القدرة على تصور النتائج المحتملة، وتحديد ما يمكن اعتباره نتيجة مثالية أو مرغوبة في ضوء أهداف الموقف واحتياجاته. ومن ثم، فإن وضوح المشكلة ومعايير الحكم والنتائج المستهدفة يمثل أساسًا جوهريًا للمقارنة بين البدائل واختيار القرار الأكثر ملاءمة وفاعلية.
المكوّن الثاني: تقويم الخيارات
بعد تحديد المعايير التي سيُعتمد عليها في الحكم على القرارات المحتملة، سواء وضعها الفرد بنفسه أو حُدّدت مسبقًا، تصبح المقدرة على تحليل نقاط القوة والقيود المرتبطة بكل مسار محتمل وتقييمها عنصرًا رئيسيًا في عملية اتخاذ القرار، كما تمثل جانبًا هامًا من جوانب تطبيق التفكير الناقد. ويتضمن ذلك فحص مدى قدرة كل بديل على تلبية متطلبات المشكلة أو التحدي المطروح، مع مراعاة الظروف والقيود التي يفرضها الموقف. وقد لا يؤدي تقييم جميع البدائل المتاحة بالضرورة إلى ظهور حل مثالي بوضوح، إذ قد تتسم بعض الخيارات بمزايا معينة يقابلها عدد من القيود أو الآثار المحتملة. ولذلك، فإن أحد الجوانب الأساسية في تقييم البدائل يتمثل في تحديد الخيار الذي يُرجح أن يزيد من احتمالية الوصول إلى النتيجة المرغوبة، استنادًا إلى المعايير المحددة، والأدلة المتاحة، والظروف المرتبطة بالموقف. ومن ثم، يسهم تحليل البدائل وتقييمها بصورة منهجية في دعم اتخاذ قرارات أكثر عقلانية وفاعلية، ويعزز قدرة الفرد على التعامل مع المواقف المعقدة في ضوء الأدلة والنتائج المحتملة.
المكوّن الثالث: اختبار التنفيذ ومتابعته
بعد اتخاذ القرار أو الوصول إلى استنتاج معين وتقديم تبرير منطقي وسليم له، لا تنتهي عملية التفكير الناقد، بل ينتقل المفكر الناقد إلى اختبار فعالية قراره من خلال متابعة آثاره ونتائجه الفعلية. ويتطلب ذلك القدرة على تحليل الآثار الإيجابية والسلبية المترتبة على القرار أو الاستنتاج وتقويمها بشكل موضوعي ودقيق، ومقارنة النتائج المحققة بالنتائج المستهدفة أو المتوقعة. كما تشمل هذه العملية تحديد العوامل التي قد تكون أسهمت في ظهور نتائج غير مقصودة أو غير مرغوبة، وتحليلها بشكل موضوعي بعيدًا عن التحيز أو التبرير غير المستند إلى الأدلة. وفي ضوء نتائج هذا التقويم، يعيد المفكر الناقد النظر في القرار أو الاستنتاج، ويحدد مدى استمرارية صلاحيته وفعاليته، ثم يُجري التعديلات اللازمة متى كان ذلك ممكنًا. ومن ثم، يمثل تقويم نتائج القرار ومراجعته بصورة مستمرة جانبًا أساسيًا من التفكير الناقد؛ لأنه يعكس استعداد الفرد لمراجعة أحكامه في ضوء الأدلة والنتائج الجديدة، وتحسين قراراته المستقبلية بناءً على ما يتعلمه من الخبرة والممارسة. (19)
ثانيًا: مبادئ التفكير الناقد
أ- معايير التفكير الناقد
لا يقتصر التفكير الناقد على امتلاك المعلومات أو إبداء الآراء، بل يمثل عملية منظمة تشمل فحص العبارات والأدلة والاستدلالات وتقييمها في ضوء معايير محددة. وفي هذا الإطار، يمكن تحديد مجموعة من الجوانب الأساسية التي تمثل معايير مهمة للتفكير الناقد، ويمكن عرضها على النحو التالي:
1- فهم معنى العبارة أو المقولة
يشير فهم معنى العبارة إلى قدرة الفرد على تحديد الأدلة التي تدعمها أو تناقضها، ومعرفة ما يترتب عليها من عبارات وحقائق، وما يتعارض معها، دون الحاجة إلى استنتاجات أكثر تعقيدًا أو بعيدة منطقيًا عنها. فمثلاً، يتطلب فهم العبارة «الخشب يطفو على الماء» إدراك صلتها بعبارتي «الخشب أخف من الماء» و«كل ما هو أخف من الماء يطفو عليه». ويُعد هذا الفهم أحد الجوانب المنطقية الأساسية في التفكير الناقد؛ لأنه يرتبط بإدراك معاني العبارات والعلاقات المنطقية بينها.
2- الحكم على وجود غموض في مسار الاستدلال أو طريقة التفكير
يُعد هذا الجانب أكثر تعقيدًا من السابق؛ لأنه يتطلب فهم معنيين مختلفين للعبارة ذاتها: المعنى الذي تُثبت به العبارة، والمعنى الذي تُطبَّق به. ثم تُقارن المعنيان لتحديد مدى تطابقهما؛ فإذا لم يتطابقا، يكون الحكم المناسب هو وجود غموض في مسار الاستدلال. ومن أمثلة ذلك أن بعض الأشخاص قد يؤمنون، لأسباب دينية، بأن استخدام العقاقير أمر خاطئ؛ لأنهم يرون أن معالجة الإنسان باستخدام الدواء تمثل انتهاكًا لمبادئهم الدينية. ويُعرَّف الدواء بأنه «أي شيء يُستخدم للوقاية من المرض أو علاجه أو تخفيفه». وبما أن كلورة المياه تهدف إلى الوقاية من المرض، فإنها تُعد دواءً وفقًا لهذا التعريف، ومن ثم يرون أن كلورة المياه تمثل انتهاكًا لمبادئهم الدينية.
يكمن الغموض في هذا المثال في العبارة «كلورة المياه دواء»؛ إذ يتم إثباتها باستخدام معنى معين، وهو أن «كلورة المياه شيء يهدف إلى الوقاية من المرض أو علاجه أو تخفيفه»، بينما تُطبَّق بمعنى مختلف، وهو أن «كلورة المياه تعني علاج الإنسان باستخدام الدواء». ويرتبط هذا الجانب، في المثال السابق، بصورة رئيسية بالبعد المنطقي؛ لأنه يتطلب فهم المعاني ومقارنتها. ومع ذلك، قد لا يكون الغموض دائمًا واضحًا بهذه الطريقة، وقد يحتاج أحد المعنيين أو كلاهما إلى الاستنتاج بطريقة استقرائية. وفي هذه الحالات، تتداخل الأبعاد الثلاثة للتفكير الناقد في عملية التحليل. (20)
3- الحكم على ما إذا كانت بعض العبارات تتعارض مع بعضها
يُعد الحكم على وجود التناقضات أمرًا مهمًا في اتخاذ القرارات المتعلقة بالاستدلالات المزعومة، وكذلك في اتخاذ قرار برفض العبارة التي تتعارض مع عبارة أخرى مقبولة. وبما أن التناقض يرتبط بمعانٍ غير متوافقة، فإن هذا الجانب يندرج بشكل أساسي ضمن البعد المنطقي للتفكير الناقد.
4- الحكم على ما إذا كانت النتيجة تترتب بالضرورة على المقدمات
يُعد هذا الجانب من أكثر الجوانب ارتباطًا بما يُقصد عادةً عند الحديث عن «الاستدلال المنطقي»، إذ يتعلق بالحكم على الاستدلال الاستنباطي. ومن أمثلة الاستدلال الاستنباطي: الاستدلال في الرياضيات، والاستدلال القائم على أسلوب «إذا... فإن... »، والاستدلال القياسي. ويتمثل المعيار الأساسي في أن النتيجة تترتب بالضرورة إذا كان نفيها يتناقض مع إثبات المقدمات. وقد وُضعت قواعد مختلفة لأنواع الاستدلال الاستنباطي المتعددة، إلا أنها جميعًا تهدف إلى ضمان تحقق هذا الشرط. ومن أهم مجموعات هذه القواعد ما يأتي:
1- قواعد التعامل مع المعادلات والمتباينات.
2- قواعد الاستدلال القائم على «إذا... فإن... »، وتشمل
. إنكار الجزء الذي يلي «فإن» يستلزم إنكار الجزء الذي يلي «إذا»، ولكن العكس ليس بالضرورة صحيحًا.
. قبول الجزء الذي يلي «إذا» يستلزم قبول الجزء الذي يلي «فإن»، ولكن العكس ليس بالضرورة صحيحًا.
. الحالات التي تنطبق على عبارة «إذا... فإن... » يمكن استنتاجها من عبارة «إذا... فإن... ».
3- قواعد الاستدلال القائم على القضايا التصنيفية (القياسية)، ويمكن تلخيصها في أن: «كل ما يندرج ضمن فئة عامة يندرج أيضًا ضمن كل فئة تندرج فيها تلك الفئة العامة، ويُستبعد من كل فئة عامة تُستبعد منها تلك الفئة».
ويقتصر هذا الجانب على البعد المنطقي؛ إذ لا توجد فيه ظروف مخففة أو استثناءات، فإما أن تترتب النتيجة بالضرورة أو لا تترتب. ويرجع الاهتمام الكبير بالمنطق الاستنباطي في مقررات المنطق، جزئيًا، إلى إمكانية تنظيم هذه الأحكام وصياغتها في صورة قواعد دقيقة ومنهجية. (21)
-5 الحكم على ما إذا كانت العبارة محددة بما يكفي
قد تكون بعض العبارات غامضة أو غير محددة بدرجة تجعلها غير مجدية في توجيه القرارات ضمن موقف معين. وفي هذه الحالة، ينبغي رفض العبارة أو طلب توضيحها؛ لأن الحكم على صدقها أو كذبها لا يكون ذا أهمية ما دامت غير محددة بما يكفي. فعلى سبيل المثال، فإن عبارتي «اختفى التعليم من المدارس» أو «يوجد في المدارس تعليم أكثر من أي وقت مضى» لا تكونان مفيدتين في اتخاذ قرارات تتعلق بالمناهج الدراسية وتمويل المدارس إلا بعد توضيح المقصود بمصطلحات مثل «التعليم» و«اختفى» و«المدارس». فهذه العبارات ليست محددة بما يكفي لاختبارها أو تطبيقها. ومع ذلك، قد تكون العبارة نفسها ذات معنى واضح في موقف آخر؛ فعلى سبيل المثال، في بلد دمرته الحرب، قد يكون القول إن «التعليم اختفى من المدارس» ذا دلالة واضحة إذا أصبحت المدارس تُستخدم كمستشفيات أو مساكن. ولذلك، فإن الحكم على مدى كفاية تحديد العبارة يعتمد على الغرض من استخدامها والسياق الذي ترد فيه.
فإذا كان الهدف هو وضع توصيات للمناهج والموازنة في نظام مدرسي قائم منذ فترة طويلة، فقد لا تكون العبارة محددة بما يكفي. أما إذا كان الهدف إعداد تقرير عن وضع التعليم في بلد دمرته الحرب، فقد تكون العبارة محددة بما يكفي. ويمتد هذا الجانب إلى كل من البعد العملي والبعد المنطقي؛ إذ يرتبط البعد العملي بالهدف من استخدام العبارة، بينما يرتبط البعد المنطقي بضرورة فهم معناها. وقد تبدو الأخطاء في هذا الجانب نادرة في المواقف الواقعية، لكنها قد تحدث بسهولة في المواقف المجردة عندما يتم تجاهل سياق الموقف والهدف من طرح الأسئلة والإجابات.
6-الحكم على ما إذا كانت العبارة تمثل بالفعل تطبيقًا لمبدأ معين
تتشابه القرارات المتعلقة بتطبيق المبادئ والافتراضات على عالم الأشياء والأشخاص والأحداث مع القرارات المتعلقة بالاستدلال الاستنباطي، لكن هناك فرقًا جوهريًا بينهما؛ فالمبادئ والافتراضات من هذا النوع لا تُطبق بصورة قطعية، وإنما تكون لها حدود واستثناءات. وأحيانًا تكون هذه الاستثناءات والحدود بعيدة بدرجة لا تستدعي الالتفات إليها، وفي هذه الحالات يمكن التعامل معها بصورة قريبة من الاستدلال الاستنباطي دون خوف كبير من الوقوع في الخطأ. أما عندما تكون الحدود والاستثناءات قريبة وذات صلة بالموقف، فإننا نستخدم، لدى الاقتراب من النموذج الاستنباطي، ألفاظًا مثل «محتمل»، و«مرجح»، و«ما لم تحدث ظروف غير متوقعة» عند صياغة النتيجة.
ومن أمثلة ذلك تطبيق أحد القوانين الاقتصادية المعروفة: «إذا ظل العرض ثابتًا وانخفض الطلب على منتج ما، فإن سعره سينخفض». ومن حدود تطبيق هذا القانون، التي ينبغي أخذها في الاعتبار، أنه يفترض وجود اقتصاد لا يخضع لسيطرة حكومية مباشرة، وقطاع اقتصادي لا يخضع لسيطرة احتكارية. ولنطبق هذا القانون على حالة ينخفض فيها الطلب على أجهزة الميكروسكوب. فإذا طُبق القانون بصورة استنتاجية، فسوف نصل إلى نتيجة حتمية مفادها أن سعر أجهزة الميكروسكوب سينخفض. ولكن ليس من الحكمة الالتزام بهذه النتيجة بصورة مطلقة؛ فقد تُخرق بعض الحدود المعروفة للقانون، مثل أن تتدخل الحكومة للحفاظ على سعر أجهزة الميكروسكوب من خلال شراء الكميات الزائدة، أو أن يتشكل احتكار يؤدي إلى خفض الإنتاج دون خفض الأسعار. وقد تحدث أيضًا ظروف أخرى لم تُذكر صراحة ضمن حدود القانون؛ فقد تتفق الشركات المصنعة لأجهزة الميكروسكوب على القيام بحملة إعلانية قوية تؤدي إلى زيادة الطلب بدرجة كبيرة، مما يسمح لها برفع الأسعار. ولهذا السبب، ينبغي استخدام عبارات مثل «من المحتمل» عند تطبيق العديد من المبادئ. ففي المثال السابق، يمكن أن تكون النتيجة: «من المحتمل أن يحدث انخفاض في السعر». أما إذا تبين وجود تجاوز لحد معروف من حدود القانون أو وجود ظرف استثنائي مؤثر، فلا يكون من المناسب تطبيق المبدأ بهذه الطريقة. وتتمثل النقطة الأساسية في أن تطبيق مثل هذه المبادئ ينبغي ألا يُصاغ، في كثير من الأحيان، بصورة أقوى من ذلك، حتى وإن كانت خطوات الاستدلال تشبه خطوات الاستدلال الاستنباطي.
ويتكون هذا الجانب من بعدين أساسيين: البعد المنطقي؛ لأنه يتطلب تحديد ما يمكن استنتاجه عند تجاهل القيود والظروف الاستثنائية، والبعد العملي؛ لأنه يتطلب تحديد مدى أهمية الوصول إلى نتيجة صحيحة، ودرجة الثقة المطلوبة حتى يمكن وصف النتيجة بأنها «محتملة». (22)
7-الحكم على مدى موثوقية عبارة الملاحظة
عبارة الملاحظة هي وصف محدد لأمر تم رصده. وعلى مر السنوات، طورت الحقول الأكثر اهتمامًا بدقة الرصد مجموعة من القواعد التي تساعد في تقييم مدى موثوقية عبارات الملاحظة. وتمنح هذه القواعد هذا الجانب من التفكير الناقد بعدًا معياريًا. إضافة إلى ذلك، فإن تطبيق هذه القواعد على حالة معينة، مثل تطبيق المبادئ التي نوقشت سابقًا، يمنح هذه القدرة أبعادًا منطقية وعملية أيضًا. وفيما يلي مجموعة من المبادئ المستخلصة من مجالات القانون والتاريخ والعلوم:
أ- تكون عبارات الملاحظة أكثر موثوقية إذا كان الملاحظ:
. غير متأثر بالعواطف، ويقظًا، وغير متحيز.
. يمتلك مهارة في ملاحظة النوع نفسه من الأشياء التي قام بملاحظتها.
. يمتلك حواس سليمة وأجهزة حسية تعمل بصورة جيدة.
. معروفًا بالصدق والموثوقية.
. يستخدم أساليب دقيقة في الملاحظة.
. لا يمتلك تصورًا مسبقًا حول النتيجة التي ستؤول إليها الملاحظة.
ب- تكون عبارات الملاحظة أكثر موثوقية إذا كانت ظروف الملاحظة:
. تتيح للملاحظ وصولًا جيدًا إلى الشيء محل الملاحظة.
. توفر ظروفًا أو وسيلة مناسبة لإجراء الملاحظة.
ج- تكون عبارة الملاحظة أكثر موثوقية بقدر ما تكون:
. قريبة من كونها وصفًا لملاحظة مباشرة.
. مدعومة أو مؤكدة بأدلة أخرى.
. قابلة للتأكد والتحقق منها.
. صادرة عن مصدر غير متحيز ومعروف بالصدق والموثوقية.
د- إذا كانت عبارة الملاحظة تستند إلى سجل أو وثيقة، فإنها تكون أكثر موثوقية إذا كان السجل:
. قد تم تدوينه في وقت إجراء الملاحظة.
. قد تم تدوينه بواسطة الشخص الذي أدلى بالعبارة.
. يعتقد الشخص الذي أدلى بالعبارة أنه صحيح، إما لأنه كان يعتقد بصحته وقت تسجيله، أو لأنه يعتقد أن من قام بتسجيله كان معتادًا على تدوين السجلات بصورة صحيحة.
هـ- تكون عبارات الملاحظة أكثر موثوقية من الاستنتاجات التي يتم التوصل إليها اعتمادًا عليها. (23)
8- الحكم على ما إذا كان الاستنتاج الاستقرائي مبررًا
تنقسم الاستنتاجات الاستقرائية إلى ثلاثة أنواع رئيسية: “التعميمات البسيطة، والفرضيات التفسيرية، والأنظمة النظرية”. وبالرغم من تشابهها في نواحٍ كثيرة، فإنها تختلف بدرجة تستدعي معالجة كل نوع منها بشكل منفصل.
أ- التعميم البسيط المستند إلى الخبرة
يكون التعميم مبررًا بقدر ما تتوافر فيه الشروط الآتية:
. تتوافر مجموعة كبيرة من الحالات الموثوقة التي تؤيده، وكلما زاد تنوع المجتمع محل الدراسة، زادت الحاجة إلى عدد أكبر من الحالات.
. يتوافق مع البنية الأوسع للمعرفة.
. يكون اختيار الحالات غير متحيز.
. تكون العينة العشوائية البحتة غير متحيزة.
. تكون العينة المنتظمة غير متحيزة إذا أظهر الفحص الدقيق عدم وجود دورة أو اتجاه ذي صلة تتبعه طريقة أخذ العينة.
. لا توجد حالات مضادة موثوقة للتعميم.
كما أن تقسيم المجتمع إلى طبقات وفقًا للمتغيرات ذات الصلة، ثم أخذ عينات غير منحازة من كل طبقة، قد يكون أكثر كفاءة من استخدام العينة العشوائية البحتة أو العينة المنتظمة وحدها. وقد يكون أخذ عينة غير منحازة من مجموعات المجتمع، ثم أخذ عينات غير منحازة داخل هذه المجموعات أو حصرها بالكامل، وسيلة فعالة لأخذ العينات عندما يصعب الوصول إلى الوحدات الفردية بصورة مستقلة. فعلى سبيل المثال، يكون التعميم القائل بأن «الأشخاص ذوي الشعر الأحمر يميلون إلى سرعة الغضب» مبررًا بقدر ما تتوافر حالات موثوقة كثيرة لأشخاص ذوي شعر أحمر يتصفون بسرعة الغضب، وبقدر ما نستطيع تفسير سبب ارتباط الشعر الأحمر بسرعة الغضب، وبقدر ما يكون اختيار الحالات المتعلقة بالأشخاص ذوي الشعر الأحمر قد تم بصورة غير منحازة، وبقدر ما لا توجد حالات موثوقة لأشخاص ذوي شعر أحمر يتصفون بالهدوء.
ويظهر البعد المعياري هنا عبر الإلمام بالمعايير السابقة، إذ توجد مؤلفات وبحوث واسعة حول تقييم مدى كفاية العينات، التي قلّما تكون عشوائية تمامًا. أما البعد المنطقي فيتجلى في تمييز الحالات وتطبيق المبادئ المذكورة عليها، بينما يظهر البعد العملي عند تحديد ما إذا كانت الأدلة المتاحة كافية أو غير كافية لتحقيق هدف البحث أو الاستقصاء.
ب- الفرضية المرتبطة بالأدلة المؤيدة لها من خلال قدرتها التفسيرية
تكون الفرضية مبررة بقدر ما:
. تفسر قدرًا كبيرًا ومتنوعًا من البيانات الموثوقة؛ ويُقصد بتفسير البيانات أنه يمكن استنتاجها، أو اشتقاقها بصورة تقريبية، من الفرضية إلى جانب الحقائق أو التعميمات الثابتة.
. تكون الفرضية نفسها مفسَّرة ضمن نظام معرفي مقبول ومرضي.
. لا تتعارض مع أي دليل متاح.
. تتعارض الفرضيات المنافسة لها مع الأدلة المتاحة، ويُعد هذا المبدأ أساسًا للتجارب المنضبطة.
. تكون قابلة للاختبار؛ أي يجب أن يكون من الممكن، أو قد كان من الممكن، اشتقاق تنبؤات منها واختبارها. (24)
9-الحكم على ما إذا كانت المشكلة قد حُددت بصورة صحيحة
تندرج تحت هذا العنوان أنواع مختلفة من الأحكام، من أهمها ما يأتي:
أ- الحكم على تحديد الرغبة أو الحاجة
يحدث ذلك عندما يقول شخص مثلًا: «مشكلتي هي أن أتعلم تقدير الشعر». وفي هذه الحالة، فإن الحكم على أن الشخص قد حدد مشكلته يعني الحكم على أن هذا الأمر يمثل شيئًا يرغب فيه الشخص فعلًا، سواء كان هو نفسه أو شخصًا آخر يقوم بالحكم. ويكون تحديد المشكلة هنا هو تحديد الرغبات، سواء كانت رغبات الشخص نفسه أو رغبات شخص آخر. فإذا كانت الرغبات خاصة بالشخص نفسه ومدركة بوعي، فلا يكون التفكير الناقد مطلوبًا؛ لأن معرفة الشخص لرغباته واحتياجاته التي يشعر بها أمر لا يمكنه عادةً أن يخطئ في معرفته. أما إذا كانت الرغبات تخص شخصًا آخر، فإن تحديد المشكلة يصبح شبيهًا ببناء فرضيات استقرائية، وينطبق الأمر نفسه على الرغبات اللاواعية، سواء كانت رغبات الشخص نفسه أو شخصًا آخر. فعلى سبيل المثال: «مشكلة مارك هي الحصول على الاهتمام». ومن ثم، فإن الحكم على تحديد مشكلة شخص آخر أو تحديد رغبات لاواعية يُعد نوعًا من التفكير الناقد سبق تناوله، وهو الحكم على الفرضيات الاستقرائية.
ب- الحكم على اختيار هدف ذي قيمة
قد تكون صياغة المشكلة مثل: «مشكلتنا في كولفر سيتي هي زيادة احترام القانون والنظام». وبقدر ما تمثل هذه العبارة غاية أو هدفًا، وليس وسيلة لتحقيقه، فإن الحكم على كونها تحديدًا ملائمًا للمشكلة يُعد حكمًا قيميًا. ولهذا السبب، وعلى الرغم من أهمية هذا النوع من الأحكام، فإنه لا يُدرَج ضمن مفهوم التفكير الناقد المقصود هنا.
ج- الحكم على مدى كفاية اختيار الوسيلة
على سبيل المثال، إذا كان الهدف العام هو زيادة احترام القانون والنظام، فقد تكون صياغة المشكلة: «مشكلتنا في كولفر سيتي هي إنشاء مكتب للشباب». ويتضمن الحكم على أن المشكلة قد حُددت هنا أمرين على الأقل:
. تأييد هدف زيادة احترام القانون والنظام، وهذا الجزء من الحكم يُعد حكمًا قيميًا.
. الحكم على أن الوسيلة المختارة ستساعد على تحقيق الهدف، وأنها أكثر احتمالًا لتحقيقه من أي إجراء آخر، في حدود الموارد والأهداف المتاحة.
وخلاصة القول: إن تحديد المشكلة يمكن أن يأخذ صورًا متعددة، وقد يجمع بين أكثر من صورة في الوقت نفسه. ومن الجوانب التي يمكن تناولها ضمن مفهوم التفكير الناقد:
. الحكم على تحديد رغبات الآخرين والرغبات اللاواعية باعتبارها فرضيات استقرائية.
. الحكم على اختيار وسيلة لتحقيق هدف معين، من خلال الحكم على تطبيق المبادئ والحكم على المبادئ نفسها. (25)
10- الحكم على ما إذا كان شيء ما يُعد افتراضًا
يتسم هذا الموضوع بالتعقيد؛ لأن عنوانه يشمل قدرات مختلفة من الناحية المنطقية. ويمكن استيعاب هذه القدرات بصورة أفضل من خلال دراسة الاستخدامات المختلفة لكلمة «افتراض»، وهي: الاستخدام التقليلى، والاستخدام الاستنتاجي، واستخدام الافتراض كمقدمة، واستخدامه باعتباره افتراضًا مسبقًا.
أ- الاستخدام التقليلى والاستخدام الاستنتاجي
يُستخدم المعنى التقليلى أو الانتقاصي عندما يُقال إن اعتقادًا معينًا يقوم على أدلة ضئيلة أو منعدمة، وبالتالي يكون هذا الاعتقاد محل شك. ومن نماذج ذلك: «أنت تفترض فقط أن فرانك لم يطّلع على التكليف». وغالبًا ما يختلط هذا الاستخدام مع الاستخدامات الأخرى، لكنه قد يبرز أحيانًا بشكل مستقل. وفي هذه الحالة، فإن وصف شيء بأنه «افتراض» يعني الحكم بأنه ربما ينبغي رفض هذا الرأي، أو على الأقل تعليق قبوله، بسبب نقص الأدلة التي تدعمه. أما الاستخدام الاستنتاجي، فتُستخدم كلمة «افتراض» للإشارة إلى نتيجة، مع وجود المعنى الانتقاصي أيضًا؛ لأن النتيجة تُفهم ضمنًا أنها لم تثبت بصورة كاملة.
ب- استخدام الافتراض كمقدمة
يأتي هذا النوع من الافتراضات قبل النتيجة في مسار الاستدلال، سواء كانت النتيجة استقرائية أو استنباطية. ووصف شيء بأنه افتراض يعني أن النتيجة تعتمد عليه، وأن قبول النتيجة يتطلب أيضًا قبول هذا الافتراض. ولذلك، فإن تحديد الافتراضات يُعد خطوة مهمة في تقييم النتائج.
وتتمثل معايير الافتراضات التي تأتي في صورة مقدمات فيما يأتي:
. من بين الافتراضات المحتملة التي يمكن أن تسد الفجوة في الاستدلال، ينبغي اختيار الافتراض الذي يجعل الحجة أو البرهان أو التفسير المكتمل أكثر إقناعًا واكتمالًا، ويُعد هذا المعيار ضروريًا وكافيًا.
. يُفضل عادةً اختيار أبسط افتراض يمكنه سد الفجوة.
. إذا وُجد افتراض أكثر تعقيدًا، لكنه أكثر معقولية من البدائل، فينبغي اختياره. ومع ذلك، فإن معقوليته تتطلب توافقه مع المعرفة القائمة، وألا يكون مجرد حالة خاصة أو استثناء مصطنع.
. مع ثبات الظروف الأخرى، لا يمكن أن تحدث الحالة المتوقعة، أو من غير المرجح أن تحدث، إذا كان الافتراض المدعى به خاطئًا. وينطبق هذا المعيار فقط على الافتراضات التي يُدعى أنها ضرورية من الناحية التجريبية، ولكنه بالنسبة إليها يُعد معيارًا ضروريًا وكافيًا.
. لا يقبل المتخصصون في المجال الموقف أو النتيجة أو الحجة دون الاعتقاد أولًا بصحة الافتراض. وهذا المعيار ليس ضروريًا ولا كافيًا، لكنه يُعد أساسًا جيدًا للحكم على صحة الافتراض. (26)
-11 الحكم على مدى كفاية التعريف
توجد أنواع مختلفة من الأنشطة التي تُسمى «الحكم على مدى كفاية التعريف». ومن أهم التمييزات التي ينبغي إجراؤها التمييز بين الحكم على كفاية المفهوم والحكم على شرح معنى المصطلح.
أ- الحكم على كفاية المفهوم
تكون قيمة المفهوم في الخطاب الذي يُحدد الحقائق بقدر ما يؤدي دورًا مفيدًا في نظام معرفي ذي قيمة. فعلى سبيل المثال، يمكن النظر إلى مفهومين متنافسين لمصطلح «الذكاء»، وهما: القدرة الفطرية على حل المشكلات، والقدرة الدراسية. والحكم على أن «القدرة الفطرية على حل المشكلات» تعريف أكثر كفاءة للذكاء هو في الواقع حكم على قيمة هذا المفهوم، ويتوقف ذلك على مدى مساهمته في بناء نظام نظري ذي قيمة.
ويتضمن الحكم على كفاية المفاهيم في الخطاب الذي يقرر الحقائق الأبعاد الثلاثة للتفكير الناقد، كما هو الحال عند الحكم على الأنظمة المعرفية. أما الحكم على كفاية «التعريف الإقناعي»، فهو نوع خاص من الحكم على المفهوم. والتعريف الإقناعي هو محاولة لطرح فكرة أو مقترح من خلال إسناد معايير مرغوبة إلى مصطلح يثير مشاعر معينة. ومن أمثلة ذلك تعريف «الحرية» بأنها «القدرة على الفعل». فمصطلح «الحرية» يثير مشاعر إيجابية، وإسناد معيار «القدرة على الفعل» إليه بدلًا من «غياب القيود الحكومية» يعني، في جوهره، اقتراح أن القدرة على الفعل أكثر أهمية من غياب القيود الحكومية. ومن ثم، فإن الحكم على كفاية هذا النوع من التعريفات هو في الواقع حكم على قيمة الفكرة أو الاقتراح المتضمن في المفهوم. وبقدر ما تكون هذه الأحكام أحكامًا قيمية، كما في حالة تعريف «الحرية»، فإنها تُستبعد من المفهوم الحالي للتفكير الناقد.
ب- الحكم على شرح معاني المصطلحات
إضافة إلى الاهتمام بكفاية المفاهيم الأساسية، يمكن أن يتضمن الحكم على كفاية التعريف ثلاثة أمور أخرى:
. الحكم على ما إذا كان استبدال مصطلح قصير بعبارة أطول يحقق الكفاءة.
. الحكم على ما إذا كان التعريف ينقل المعنى الشائع أو المعتاد للمصطلح.
. الحكم على ما إذا كانت صياغة التعريف مناسبة.
1- التعريفات الاصطلاحية
التعريف الاصطلاحي هو تعريف يُتفق على استخدامه، مثل: «فلنستخدم مصطلح DDT للإشارة إلى مادة ثنائي كلورو ثنائي فينيل ثلاثي كلورو الإيثان». وقد تكون هذه التعريفات غير سليمة إذا لم توضح أنها تعريفات اصطلاحية متفق عليها وليست وصفًا لمعنى قائم فعلًا، أو إذا كانت غير فعالة بسبب إرهاق القارئ بمصطلحات جديدة، أو إذا كانت صياغتها غير جيدة. ويتضمن الحكم على وضوح كون التعريف اصطلاحيًا وعلى كفاءته تطبيق المبادئ؛ ولذا فإنه يشمل الأبعاد الثلاثة للتفكير الناقد. فالتطبيق يتطلب البعدين المنطقي والعملي، بينما تتطلب معرفة المبادئ البعد المعياري.
2-التعريفات الوصفية
يتعلق الحكم على ما إذا كان التعريف الوصفي ينقل المعنى الشائع للمصطلح بتطبيق التعريف لمعرفة ما إذا كان يستبعد ما ينبغي استبعاده ويشمل ما ينبغي أن يشمله. ويتطلب ذلك معرفة المعنى الشائع للمصطلح، وهو ما يمثل البعد المنطقي، ويمكن إظهاره من خلال أمثلة وحالات لا تنطبق عليها الكلمة، أو من خلال تعريف آخر. كما يتطلب فهم التعريف المقترح، وهو أيضًا من البعد المنطقي، ثم تطبيق التعريف المقترح على الأمثلة والحالات المعروفة، وهو ما يشمل البعدين المنطقي والعملي، أو مقارنته بالتعريف المعروف، وهو ما يتضمن كذلك البعدين المنطقي والعملي. وقد تكون التعريفات الوصفية غير سليمة إذا لم تمثل المعنى الشائع للمصطلح، وفي هذه الحالة يكون من المناسب القول إن التعريف غير صحيح، أو إذا كانت صياغتها غير ملائمة. (27)
-12 الحكم على مدى قبول عبارة صادرة عن شخص يُفترض أنه صاحب سلطة أو خبرة مقبولة
يتطلب هذا الجانب توظيف الأبعاد الثلاثة للتفكير الناقد؛ لأنه يتعلق بتطبيق المبادئ، وبقدر ما يستطيع المقيِّم ذلك، يتطلب تقييم العبارة نفسها بغض النظر عن مصدرها. وتُعد المعايير التي تنطبق هنا واضحة إلى حد كبير، وإن كان ينبغي تطبيقها بحذر وتقدير مناسب. وينبغي، بقدر الإمكان، تطبيق المعايير ذات الصلة الواردة في البنود السابقة. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي النظر في مؤهلات الشخص الذي يُدَّعى أنه سلطة أو خبير. ويكون من المناسب قبول قوله بقدر ما تتوافر فيه الشروط التالية:
. أن تكون له سمعة جيدة.
. أن يكون الموضوع الذي يتحدث عنه ضمن مجال تخصصه.
. أن يكون غير متحيز، أي ألا تكون لديه مصلحة معلومة في الاستفادة من نتائج أقواله، باستثناء احتمال تأثر سمعته بها.
. أن تكون سمعته معرضة للتأثر بسبب تصريحه، وأن يكون مدركًا لذلك عند الإدلاء به.
. أن يكون قد درس الموضوع دراسة كافية.
. أن يكون قد اتبع الإجراءات والأساليب المقبولة في الوصول إلى النتيجة، مع وجود بعض الاستثناءات المشروعة لهذا الشرط.
. أن يكون في كامل قواه العقلية والإدراكية. (28)
ب- أبعاد التفكير الناقد
يتضح من عرض الجوانب والعناصر السابقة أن التفكير الناقد لا يقتصر على مهارة وحيدة أو عملية معرفية منفردة، بل يتضمن مجموعة مترابطة من عمليات الفهم، والتحليل، والتقييم، والاستدلال، وتبرير الأحكام، واتخاذ القرارات. وتتطلب ممارسة هذه العمليات مجموعة من القدرات التي تتكامل فيما بينها، ولا تعمل بصورة مستقلة أو منفصلة عن طبيعة الموقف والغرض من عملية الحكم. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى العناصر السابقة للتفكير الناقد في ضوء ثلاثة أبعاد أساسية تتداخل في ممارسة هذه المهارات، وهي: البعد المنطقي، والبعد المعياري، والبعد البراجماتي (العملي).
1- البعد المنطقي
يتعلق البعد المنطقي، بشكل عام، بالحكم على العلاقات المفترضة بين معاني الكلمات والعبارات. فالشخص الذي يمتلك كفاءة في هذا البعد يكون قادرًا على تحديد ما يترتب على عبارة معينة أو مجموعة من العبارات استنادًا إلى معانيها والعلاقات المنطقية بينها. كما يعرف كيفية استخدام الأدوات المنطقية، مثل: كل (All)، بعض (Some)، لا شيء None) )، ليس (Not)، و (And)، إذا... فإن (If... Then)، أو (Or)، ما لم (Unless) ، وغيرها. ويتضمن هذا البعد كذلك فهم معنى انتماء شيء ما إلى فئة معينة من الأشياء، فضلًا عن إدراك المعاني المرتبطة بالمصطلحات الأساسية في المجال المعرفي الذي تنتمي إليه العبارة موضع الدراسة. ومن ثم، يرتبط البعد المنطقي بقدرة الفرد على فهم العلاقات بين العبارات واستخلاص ما يترتب عليها بطريقة صحيحة ومتسقة.
2- البعد المعياري
يتناول البعد المعياري معرفة المعايير والقواعد التي تُستخدم للحكم على العبارات والأدلة، باستثناء المعايير المنطقية التي تدخل ضمن البعد المنطقي. ويعني ذلك أن المفكر الناقد يحتاج إلى امتلاك معرفة بالمعايير التي تمكنه من تقييم جودة العبارات والأدلة، مثل مدى كفاية الدليل، ودقة الادعاء، وموثوقية المعلومات، ومدى ملاءمتها للحكم أو الاستنتاج المطلوب الوصول إليه. وعليه، يركز هذا البعد على قدرة الفرد على استخدام معايير مناسبة لفحص المعلومات والأدلة وتقويمها، والحكم على مدى صلاحيتها للاعتماد عليها في تكوين المعتقدات أو إصدار الأحكام.
3- البعد البراجماتي (العملي)
يرتبط البعد البراجماتي أو العملي بتأثير الغرض أو الهدف الأساسي الكامن وراء عملية الحكم، كما يتعلق باتخاذ القرار بشأن مدى كفاية العبارة أو الأدلة المقدمة لتحقيق هذا الهدف. ولا يعني إدراج هذا البعد تبني المبدأ المنسوب عادةً إلى الفلسفة البراغماتية، والقائل بأن العبارة تكون صحيحة إذا حققت غرض المتحدث، وإنما يشير إلى الاعتراف بالدور المشروع الذي يؤديه الغرض أو السياق في اتخاذ القرارات المتعلقة بقبول العبارات والأدلة. كما يتضمن هذا البعد ضرورة الموازنة بين العوامل المختلفة قبل إصدار الحكم، مثل القول: «هذا دليل كافٍ لفصل القضية». ومن هذا المنطلق، فإن الحكم على كفاية الدليل لا يعتمد على تطبيق معيار واحد بصورة آلية، بل يتطلب مراعاة طبيعة القضية والغرض من الحكم والسياق الذي يتم فيه.
وعلاوة على ذلك، فإن إدراج البعد البراجماتي يؤكد أنه لا يمكن وضع مجموعة كاملة وشاملة من المعايير التي تكفي وحدها لتحديد التفكير الناقد في جميع المواقف؛ إذ إن معرفة المعاني وتطبيق المعايير لا يكون كافيًا دائمًا، وإنما تتطلب عملية التفكير الناقد قدرًا من "الحكم الذكي والتقدير العقلي" الذي يساعد الفرد على الموازنة بين العوامل المختلفة والوصول إلى الحكم الأكثر ملاءمة في ضوء الموقف والأدلة المتاحة. (29)
ثالثًا: المكونات التقليدية للتفكير الناقد
1- المنطق والمغالطات
تركز النظريات التقليدية للتفكير الناقد على "الحجج الاستنباطية". والحجة هي مجموعة من الأسباب أو المبررات التي تُقدَّم بهدف دعم نتيجة معينة. أما الحجة الاستنباطية فهي الحجة التي يُفترض أن تكون فيها المقدمات أو الأسباب المقدمة حاسمة من الناحية المنطقية، بحيث تضمن صحة النتيجة المترتبة عليها. ومن أمثلة ذلك:
. سقراط إنسان.
. جميع البشر فانون.
. إذن، سقراط فانٍ.
ويُعد الوصول إلى معتقدات جديدة من خلال الحجج الاستنباطية إحدى طرق تكوين المعتقدات استنادًا إلى أسباب وجيهة. وبناءً على ذلك، يركز التفكير الناقد، وفقًا للتصور التقليدي، على مجموعة من المهارات الأساسية، من أبرزها:
. "التمييز بين الحجج":وهي الحالات التي تُقدَّم فيها أسباب لدعم نتيجة معينة، وبين مجرد الادعاءات أو الأسئلة البلاغية أو محاولات التأثير والتلاعب من خلال اعتبارات غير ذات صلة.
. "تحديد نتائج الحجج":أي تحديد ما يريد مقدم الحجة إقناع الآخرين بتصديقه، وتحديد الأسباب أو المقدمات التي يستند إليها في دعم تلك النتيجة.
. "إعادة بناء الحجج الكاملة والمختصرة في صورة معيارية": وذلك من خلال عرض المقدمات في قائمة مرقمة ووضع النتيجة في النهاية، أو تمثيل الحجة باستخدام المخططات التوضيحية.
. "تقييم البنية المنطقية للحجج الاستنباطية": وذلك من خلال الإجابة عن السؤال الآتي: «هل توجد طريقة يمكن أن تكون فيها المقدمات صحيحة، بينما تكون النتيجة خاطئة؟».
. "فهم ادعاءات الحجج": بما في ذلك توضيح المصطلحات التي قد تكون غير واضحة أو تعريفها.
. "تحديد مدى صحة المقدمات أو احتمال صحتها. "
. "تخيّل الاعتراضات واقتراحها والاستجابة لها بصورة منصفة": أي النظر في الأسباب التي يمكن تقديمها للتشكيك في منطق الحجة، أو في مقدماتها، أو في نتيجتها، مع التعامل مع هذه الاعتراضات بصورة عادلة ومنصفة. (30)
لتطوير هذه المهارات، تتضمن مقررات التفكير الناقد التقليدية عادةً دراسة "المنطق القَضوي" أو "منطق القضايا" (Propositional Logic) إلى جانب دراسة الأنماط الشائعة للحجج الصحيحة. كما تهتم هذه المقررات بتعليم كيفية التعرف على "المغالطات المنطقية" (Logical Fallacies ) وهي أنماط خاطئة من الاستدلال قد تبدو ظاهريًا وكأنها حجج صحيحة. ومن أبرز هذه المغالطات:
. تأكيد التالي
وهي مغالطة تحدث عندما يُستدل من تحقق النتيجة على تحقق السبب. ومن أمثلتها:
"لو فازت كات بالجائزة، لحصلت على تقدير A؛ حصلت كات على تقدير A؛ إذن، فازت كات بالجائزة». وتُعد هذه مغالطة؛ لأن حصول كات على تقدير A لا يعني بالضرورة أنها فازت بالجائزة، إذ قد تكون هناك أسباب أخرى أدت إلى حصولها على هذا التقدير.
. مغالطة الشخصنة
وهي مهاجمة الشخص الذي يقدم الحجة بدلًا من مناقشة حجته أو تقييمها، بحيث يُوجَّه النقد إلى شخص صاحب الحجة بدلًا من فحص الأدلة والأسباب التي تستند إليها حجته.
. المصادرة على المطلوب
وهي تقديم أسباب أو مقدمات لنتيجة معينة تكون في الأصل متضمنة في النتيجة نفسها أو تفترض صحتها مسبقًا، بحيث لا تقدم الحجة أساسًا مستقلًا وكافيًا لإثبات النتيجة.
وإلى جانب هذه المغالطات، توجد العديد من الأنماط الأخرى للمغالطات المنطقية التي يتناولها تعليم التفكير الناقد التقليدي، بهدف تمكين المتعلم من التعرف عليها وتجنب الوقوع فيها عند بناء الحجج أو تقييمها. (31)
2- الأدلة والإحصاءات
غالبًا ما نكوِّن معتقداتنا استنادًا إلى ملاحظات لا تقدم، بخلاف الحجج الاستنباطية، أسبابًا قاطعة تضمن صحة الاعتقاد. فعلى سبيل المثال، قد نستنتج أن شقيقنا غاضب منا استنادًا إلى تعبيرات وجهه، أو قد نعتقد أننا مصابون بنزلة برد لأننا نعاني من سيلان الأنف. وفي مثل هذه الحالات، قد تدعم هذه الملاحظات أو الأدلة الاعتقاد الذي تكوَّن لدينا، لكنها لا تضمن بالضرورة صحته. ومن ثم، يعرف المفكرون الناقدون كيفية "تعديل معتقداتهم بصورة مناسبة في ضوء الأدلة المتاحة". ولذلك، يتطلب التفكير الناقد تطوير مجموعة من القدرات، من أبرزها:
1- "تقييم الأدلة" دون التأثر بصورة غير مبررة بالمعتقدات أو الآراء السابقة.
2- "إدراك متى تُعد ادعاءات معينة أدلة مؤيدة أو معارضة" لنتيجة أو استنتاج معين.
3- "تحديد مدى قوة الأدلة أو ضعفها".
4- "تحديد مقدار التغيير الذي ينبغي أن يطرأ على الآراء والمعتقدات" في ضوء الأدلة المتاحة.
ولتطوير هذه القدرات، يمكن أن يكون الاعتماد على "المعرفة بالاحتمالات" مفيدًا؛ فعلى سبيل المثال، يقدم علم الاحتمالات الأساسي طريقة لتحديد متى تُعد ملاحظة معينة دليلًا يدعم اعتقادًا ما، وذلك عندما تكون احتمالية حدوث تلك الملاحظة أكبر إذا كان الاعتقاد صحيحًا، مقارنةً باحتمالية حدوثها إذا كان الاعتقاد غير صحيح. كما يوضح علم الاحتمالات أن "تحديث معتقداتنا عند الحصول على أدلة جديدة" يتطلب مراعاة عاملين أساسيين:
أ- درجة ثقتنا بالاعتقاد قبل الحصول على الدليل الجديد.
ب- قوة الدعم الذي يقدمه الدليل لذلك الاعتقاد.
ولهذه الأسباب، تتضمن الاتجاهات الحديثة في تعليم التفكير الناقد غالبًا تدريبًا على "مفاهيم الاحتمالات". وبما أننا نحصل في كثير من الأحيان على الأدلة في صورة إحصاءات تُعرض عادةً من خلال المخططات والرسوم البيانية، فإن هذه الاتجاهات تؤكد أهمية فهم "المفاهيم الإحصائية الأساسية"، إلى جانب القدرة على "قراءة المخططات والرسوم البيانية وتفسيرها". (32)
3- المهارات التطبيقية
لا يقتصر كون الشخص مفكرًا ناقدًا على امتلاك أدوات تقنية، مثل أدوات المنطق أو الاحتمالات، والاحتفاظ بها في إطار نظري، بل يتطلب أيضًا "القدرة على تطبيق هذه الأدوات بصورة مستمرة في مواقف الحياة الواقعية". وفي المناقشات الحديثة حول مفهوم المفكر الناقد، ازداد التركيز على القدرة على التعامل بذكاء مع البيئات المعلوماتية المحيطة بنا. ويتطلب ذلك تجنب الادعاءات الزائفة أو المضللة أو التلاعبية أو المشتتة، ولا سيما عبر الإنترنت، إلى جانب التأكد من جمع المعلومات من مجموعة واسعة ومتنوعة من المصادر الموثوقة.
كما يتطلب التفكير الناقد "ضبط مستوى الثقة بصورة مناسبة"؛ إذ ينبغي للإنسان أن يظل منفتحًا على الاستماع إلى الأشخاص الذين يختلفون معه، وألا يسمح لتحيزاته الشخصية أو الضمنية بالتأثير في الأشخاص الذين يمنحهم ثقته. ويتطلب تطبيق أدوات التفكير الناقد في مختلف جوانب الحياة أيضًا التغلب على "التحيزات المعرفية"، ومن أبرزها:
1-"عدم قبول الإجابات التي تخطر في الذهن أولًا بصورة تلقائية" دون فحصها أو تحليلها.
2-"مقاومة التحيز التأكيدي"، وهو الميل إلى جمع الأدلة وتفسيرها بطرق تؤكد معتقداتنا وآراءنا السابقة.
3-"تجنب الاستدلال المدفوع بالدوافع"، وهو الميل إلى التفكير بطرق تساعدنا على تصديق ما نرغب في أن يكون صحيحًا، وليس بالضرورة ما هو صحيح بالفعل.
وبوجه عام، فإن التحول إلى مفكر ناقد يتطلب الانتقال من "عقلية دفاعية إلى عقلية تسعى إلى الحقيقة"، إلى جانب تنمية مجموعة من الفضائل الفكرية، مثل "التواضع الفكري والفضول والانفتاح على الأفكار المختلفة". وبدون هذه الصفات، قد ينتهي الأمر باستخدام أدوات التفكير الناقد بطريقة تؤدي إلى ترسيخ معتقدات خاطئة أو غير منطقية بدلًا من تصحيحها. (33)
رابعًا: مكونات التفكير الناقد المتكامل
يتضمن "التفكير الناقد المتكامل" ثلاثة أجزاء رئيسية، تتمثل في: "طرح الأسئلة، والاستدلال والتفكير فيها، والإيمان بنتائج الاستدلال".
1- طرح الأسئلة:
يبدأ "التفكير الناقد بطرح الأسئلة". فإذا كلف المعلم الطالب بحل مسألة كواجب منزلي، فإن السؤال الجيد الذي ينبغي طرحه هو: «كيف يمكنني حل هذه المسألة بأفضل طريقة؟». ومع ذلك، فإن الطلاب غالبًا لا يطرحون هذا السؤال على الإطلاق، بل يباشرون الحل فورًا ويحاولون حل المسألة بأي طريقة تخطر ببالهم. أما التفكير الناقد في حل المشكلة، فيبدأ من خلال طرح أسئلة حول المشكلة وطرق التعامل معها، مثل:
. ما الهدف من وراء هذه المشكلة؟
. ما الطريقة الجيدة للبدء في حلها؟
. هل لديّ جميع المعلومات التي أحتاج إليها للبدء في حل المشكلة؟
. ما الطرق البديلة التي يمكن استخدامها لحل المشكلة المطروحة؟
. هل يمكن حل المشكلة أصلًا؟ وهل هي منطقية؟
وجميع هذه الأسئلة ذات صلة عندما يتم تكليف الطالب بحل مشكلة. ولكن عندما يطرح المعلمون المشكلات، فإنهم يكونون قد أنجزوا بالفعل جزءًا أساسيًا من عملية طرح الأسئلة؛ فطرح المشكلة هو في حد ذاته "طرح سؤال". لذلك، فإن جزءًا أساسيًا من تعلم كيفية التفكير الناقد يتمثل في "تعلم طرح الأسئلة، أي صياغة المشكلات بأنفسنا". وهذا يعني ملاحظة وجود أسئلة تحتاج إلى معالجة، وإدراك وجود مشكلات تحتاج إلى حل. وغالبًا ما يكون هذا هو "أصعب جزء في التفكير الناقد". ولا ينطبق ذلك على المدرسة فقط، بل على الحياة اليومية أيضًا. فكثيرًا ما لا يسأل الناس أنفسهم: «كيف يمكنني أن أتعامل بأفضل طريقة مع والديّ، أو شريكي، أو زملائي في العمل، أو أصدقائي في هذا الموقف؟». وبدلًا من ذلك، يستمرون في التعامل معهم بطرق اعتيادية لم يفكروا فيها أو يفحصوها بصورة نقدية. وإذا كان هدفك هو تحسين جانب معين من جوانب حياتك اليومية، فابدأ بطرح بعض الأسئلة على نفسك، مثل:
. ما الأشياء العملية التي يمكنني القيام بها للحصول على درجات أفضل؟
. ماذا يمكنني أن أفعل للتعرف إلى أشخاص جدد؟
. كيف يمكنني أن أقرأ بطريقة أكثر فاعلية؟
. كيف يمكنني أن أجعل موضوع هذا المقرر ذا معنى في حياتي؟
ولكي تكون هذه الأسئلة فعّالة، يجب عليك أن "تطرحها على نفسك فعلًا وبصدق"؛ فلا يكفي مجرد نطق الكلمات. وفي الواقع، عندما تنظر إلى الأسئلة المطروحة سابقًا، فقد تبدو لك أحيانًا "فارغة أو بلا معنى". ولكن هذا لا يرجع إلى أن الأسئلة نفسها فارغة، بل إن كون السؤال فارغًا أو ذا معنى يعتمد بدرجة كبيرة على "الروح والطريقة التي تطرحه بها". فإذا طرحت السؤال بطريقة سطحية، لمجرد القيام بالإجراء دون اهتمام حقيقي، فإنه في الواقع لا يكون سؤالًا حقيقيًا بالنسبة إليك، وبالتالي لن يكون بدايةً للتفكير الناقد في القضية المطروحة. وفيما يلي بعض الأسئلة التي يذكر المعلمون أن الطلاب لا يطرحونها، مع أنه ينبغي عليهم طرحها أثناء دراستهم للمقررات:
. كيف يرتبط ما أتعلمه في هذا المقرر بتجاربي الشخصية؟
. كيف يمكنني استخدام ما أتعلمه هنا في حياتي الخاصة؟
. هل يمكنني ابتكار أمثلة من عندي؟
. كيف يرتبط موضوع هذا المقرر بالمقررات الدراسية الأخرى التي أدرسها؟
. ما الدليل الذي يستند إليه هذا الأمر؟
. كيف ترتبط موضوعات هذا المقرر ببعضها بعضًا؟
. ما الهدف من هذا المقرر؟
. لماذا . (34)
2- الاستدلال والتفكير المنطقي
على الرغم من أن "طرح الأسئلة" أمر ضروري لبدء التفكير الناقد، فإن مجرد طرح الأسئلة لا يكفي؛ إذ يجب الإجابة عنها، أو على الأقل التعامل معها ومعالجتها. فكثيرًا ما نطرح الأسئلة لمجرد القلق بشأنها، أو لتعذيب أنفسنا، أو حتى لتأجيل اتخاذ إجراء ما، بدلًا من محاولة الإجابة عنها من خلال التفكير فيها وتحليلها بصورة متأنية. فعلى سبيل المثال، يواجه عدد كبير من الطلاب صعوبة في المجالات المرتبطة بالرياضيات. وقد يطرحون أحيانًا السؤال: «لماذا أنا سيئ جدًا في الرياضيات؟». ثم يستخدمون هذا السؤال لإصدار أحكام سلبية على أنفسهم، مثل: «أنا ميؤوس مني في الرياضيات، وسأظل كذلك دائمًا»، أو على المجال نفسه، مثل: «لا أحتاج إلى معرفة الرياضيات لكي أصبح ممرضًا»، أو يجيبون عنه بتعميمات غير مفيدة، مثل: «أنا لست جيدًا فيها بسبب الطريقة التي تعلمت بها».
أما "الاستدلال والتفكير المنطقي في القضية"، فيتطلب التعامل مع السؤال بطريقة مختلفة وبروح مختلفة. إنها روح "الانخراط الفكري"، أي الرغبة الحقيقية في الوصول إلى إجابة واضحة ودقيقة عن سؤال مهم بالنسبة إليك. وقد يبدأ ذلك بإعادة صياغة السؤال بطريقة أكثر حيادًا وفائدة، مثل: «ما الأسباب الرئيسية لمشكلاتي مع الرياضيات، وما بعض الطرق الجيدة التي يمكنني البدء بها للتعامل معها؟». بعد ذلك، يمكنك أن تقرأ قليلًا عن أسباب الصعوبات في تعلم الرياضيات، ثم تطبق هذه المعلومات على حالتك الخاصة. ويمكنك أيضًا التحدث إلى المرشدين حول الأساليب البديلة التي ساعدت الطلاب الآخرين، وأن تأخذ ما يقوله المرشدون على محمل الجد، وأن تلاحظ أي مقاومة أو تحفظ تشعر به تجاه الأساليب الجديدة.
وقد لا يؤدي الاستدلال والتفكير في المشكلة إلى "حل المشكلة" بالضرورة، لكنه يوفر طريقة أفضل بكثير للتعامل معها مقارنة بعدم التفكير فيها والاستدلال بشأنها على الإطلاق. ومن ناحية أخرى، توجد العديد من الطرق "غير النقدية" لمحاولة الإجابة عن الأسئلة، وهي طرق لا تتطلب قدرًا كبيرًا من التفكير والاستدلال، ومن بينها:
. سؤال شخص آخر ثم قبول إجابته ببساطة دون فحصها أو تقييمها نقديًا.
. الإجابة وفقًا للطريقة التي نشأت وتربيت عليها، دون فحص ما إذا كانت طريقة صحية للتربية أم لا.
. الإجابة دون البحث عن معلومات، حتى عندما تكون المعلومات المطلوبة متاحة بسهولة.
. الإجابة بما يتوافق مع شخصيتك، دون فحص مدى مساعدة شخصيتك لك أو إعاقتها لك في هذا النوع من المواقف.
. الإجابة بأول شيء يخطر ببالك.
ومن السهل أن يُساء فهم الأسئلة المتعلقة بالاستدلال. فقد يُفسر البند الثاني على أنه يعني أن التفكير الناقد يتعارض مع الطريقة التي نشأت وتربيت عليها، ولكن هذا ليس المقصود. فالتفكير الناقد لا يعارض الطريقة التي تربيت عليها بحد ذاتها، وإنما يعارض "التصرف وفقًا لما تربيت عليه دون فحصه أو تقييمه". فعلى سبيل المثال، إذا نشأ شخص في أسرة يتم فيها تعليم العنف والإساءة، أو يُنظر فيها إلى الطاعة العمياء للسلطة على أنها أمر مسلَّم به، فلا ينبغي له ببساطة أن يتبع تلك القيم دون فحصها والتفكير فيها.
إن أكبر صعوبتين في عملية الاستدلال ليستا بالضرورة ما قد نتوقعه. فالمشكلة ليست أن الناس غير جيدين في الاستدلال أو أنهم يرتكبون الأخطاء؛ فالناس يجيدون الاستدلال في بعض المجالات، ولا يجيدونه بالقدر نفسه في مجالات أخرى، والجميع يرتكب الأخطاء، والجميع قادر على التحسن.
"الصعوبة الأولى" هي أنه عندما يواجه الناس مشكلة، فإنهم غالبًا لا يفكرون أصلًا في استخدام الاستدلال لحلها. فهذه ليست الاستجابة البشرية المعتادة تجاه المشكلة. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن المجتمعات لا تشجع على استخدام الاستدلال بوصفه أسلوبًا للتعامل مع الأسئلة والقضايا المهمة. أما "الصعوبة الثانية" فهي أن الناس غالبًا لا يعرفون الفرق بين التفكير والاستدلال في قضية ما وبين الطرق الأخرى للاستجابة. ونتيجة لذلك، يستجيب الناس بطريقة تبدو وكأنها استدلال، لكنها في الحقيقة ليست كذلك.
فعلى سبيل المثال، لا تُعد المناقشة تلقائيًا مثالًا على التفكير الناقد. ففي كثير من المناقشات، يعبّر كل مشارك عن رأيه أو ما يؤمن به، وتنتهي المسألة عند هذا الحد. أما في "المناقشة القائمة على الاستدلال"، فإن الاستماع لا يقل أهمية عن التحدث. ويحاول المشاركون فهم الأسباب الكامنة وراء معتقدات الآخرين، كما يحاولون تحديد نقاط القوة والضعف في الآراء المطروحة. ولذلك فإن طبيعة النقاش وروحه تكون مختلفة تمامًا. إذن، فإن "التفكير في الأمور والاستدلال بشأنها" يعني في الحقيقة "الاستدلال عليها بطريقة جيدة".
فماذا يعني، إذن، أن نستدل على شيء بطريقة جيدة؟الاستدلال في حد ذاته هو "استخلاص النتائج استنادًا إلى أسباب أو مبررات". ولذلك فإن الاستدلال الجيد يعني استخلاص النتائج بناءً على أسباب ومبررات، مع إعطاء "الوزن المناسب لجميع العوامل ذات الصلة". وتشمل العوامل ذات الصلة:
. "الآثار المترتبة" على استخلاص تلك النتائج.
. "الافتراضات" التي يستند إليها الاستدلال.
. "دقة الأسباب والمبررات" المستخدمة.
. "البدائل المتاحة".
. وعددًا من العناصر والمعايير الأخرى.
وعلى الرغم من أن تعريف الاستدلال الجيد بطريقة عامة ومفتوحة ليس أمرًا صعبًا، فإن التحدي يتمثل في توضيحه بطريقة "يمكن استخدامها عمليًا"، بحيث تؤسس قاعدة تساعد قدرة الفرد على الاستدلال الجيد على التحسن والتعمق طوال حياته. (35)
3- الإيمان بنتائج الاستدلال
يؤدي "التفكير الناقد، بمعناه الكامل، إلى تكوين اعتقاد، بل وقد يؤدي أيضًا إلى اتخاذ إجراء". فمثلًا، إذا خفض أحد المعلمين درجتي في المقرر لأنني تغيبت عن عدد كبير جدًا من المحاضرات، فقد أشعر بأنني عوملت بطريقة غير عادلة. لذلك أطرح السؤال: «هل كان معلمي عادلًا في منحي هذه الدرجة؟». بعد ذلك، أستخدم الاستدلال للوصول إلى إجابة، فأجمع المعلومات؛ فربما أسأل المعلم عن الأمر، وأراجع ما ورد في توصيف المقرر بشأن الغياب، وربما أتحقق مما إذا كان الطلاب الآخرون قد عوملوا بالطريقة نفسها. كما أضع في اعتباري وجهة نظر المعلم تجاه القضية والهدف من خفض درجتي بسبب الغياب. وبعد التفكير في الأمر وتحليله بصورة جيدة، أتوصل إلى استنتاج مفاده أن "المعلم كان عادلًا فيما فعله".
وتبدو الخطوة التالية واضحة إلى درجة أنها لا تحتاج إلى شرح: "أؤمن بنتائج استدلالي، وأؤمن بأن تصرفات المعلم كانت بالفعل عادلة". ومع ذلك، فإن اتخاذ هذه الخطوة الأخيرة ليس سهلًا دائمًا. فحتى بعد التفكير في القضية وتحليلها، قد تظل لديّ مشاعر بأنني تعرضت للظلم، وقد أستمر في الشك في أنني عوملت بطريقة غير عادلة.
وما يحدث في هذا المثال يشير إلى أنني لم أفكر في القضية تفكيرًا نقديًا، أو على الأقل لم أفكر فيها بصورة مكتملة بما يكفي. وربما توجد أسئلة أخرى ينبغي أن أطرحها، مثل:
. "هل يمكن أن تكون مشاعري بأنني عوملت بشكل غير عادل ناتجة عن ظروف أخرى في حياتي؟"
. "ما مفهوم العدالة الذي أستخدمه في تفكيري؟"
وربما توجد تفسيرات بديلة ينبغي أخذها في الاعتبار، أو ربما أضع بعض الافتراضات غير المعلنة التي تؤثر في مشاعري. أو ربما ينبغي لي ببساطة أن أؤمن بنتائج تفكيري: "كان المعلم عادلًا، وكان تقديري الأولي لعدم الإنصاف خاطئًا تمامًا". ويجب أن أتذكر أن مشاعر التعرض للظلم، حتى عندما تكون غير مبررة، غالبًا ما تحتاج إلى وقت حتى تزول.
ويُعد "الإيمان بنتائج التفكير" اختبارًا أو مقياسًا تقريبيًا لمدى اكتمال التفكير الناقد. فإذا قمت بالاستدلال بشأن أمر ما وتوصلت إلى نتيجة، ولكنك وجدت أنك لا تؤمن بها حقًا، فهذا يشير إلى أن عملية الاستدلال ربما لم تكتمل. فمن المحتمل أن تكون هناك عوامل مهمة مفقودة، وهي عوامل تجعلك تقاوم استيعاب نتائج تفكيرك وتقبلها داخليًا. أما ربط التفكير الناقد "باتخاذ إجراء عملي" فهو أمر أكثر إثارة للجدل. فمثلًا، إذا استمررت في التدخين أو في تناول كميات كبيرة من الدهون المشبعة، على الرغم من أنني أجريت قدرًا كبيرًا من التفكير والاستدلال حول أهمية التخلي عنها، فهل يُعد ذلك قصورًا في تفكيري الناقد؟ وإذا كنت قادرًا على ذكر جميع الأسباب المقنعة، لكنني مع ذلك لا أتصرف بناءً على ما توصلت إليه من استدلال، فإلى أي مدى يمكن اعتبار تفكيري الناقد جيدًا؟ يختلف الخبراء حول الإجابة عن هذا السؤال. والرأي المطروح هنا هو أن هناك "قصورًا ما في التفكير الناقد". فقد يكمن هذا القصور في الطريقة التي أفكر بها بشأن جسدي، أو حياتي، أو العلاقة بين الإحصاءات المجردة واحتمالات بقائي على قيد الحياة.
وقد يكون لدي اعتقاد راسخ في خلفية تفكيري بأن تلك الإحصاءات لا تنطبق عليّ، أو أنه على الرغم من أهمية الإقلاع عن التدخين بالنسبة إليّ، فإنه ليس من المهم أن أفعل ذلك الآن. وأحيانًا قد يتولد انطباع بأن بعض الأشخاص لا يؤمنون بأنهم سيموتون يومًا ما. وهناك علاقة دقيقة بين "الإنكار وغياب التفكير الناقد"، وهي علاقة لم تتم دراستها واستكشافها بشكل كامل حتى الآن. ومن الصعب تحديد أمثلة على عدم إيماننا بنتائج استدلالنا الخاص، وذلك لأن الأمر قد يبدو متناقضًا؛ فمن الصعب أصلًا أن نصبح واعين بما نؤمن به فعلًا وما لا نؤمن به. وهناك "أربعة مؤشرات" تدل على أننا لا نؤمن بنتائج استدلالنا، وإن كان المؤشر الأخير فقط سهل الملاحظة في أنفسنا إلى حد معقول:
1- أفكر في أمر ما وأستدل عليه، ولكن تنشأ داخلي مشاعر قوية ضد النتيجة التي توصلت إليها.
2- أجد نفسي أؤمن بأشياء متناقضة مع بعضها البعض.
3- أؤمن بشيء إيمانًا قويًا جدًا، لكنني أجد نفسي غير قادر على تقديم أي أسباب جيدة تدعم هذا الاعتقاد. بل إنني لا أعتقد أصلًا أنني بحاجة إلى أسباب، ويبدو لي التفكير في الرأي المعاكس أمرًا سخيفًا.
4- أفكر في أمر ما وأستدل عليه، لكن أفعالي لا تتبع ما توصلت إليه من استدلال.
وفيما يلي أمثلة على المؤشرات الثلاثة الأولى، مع ملاحظة أنها قد لا تكون مقنعة للجميع، خاصة إذا كان الشخص يشارك أصحابها المعتقدات نفسها.
المؤشر الأول: المشاعر القوية ضد النتيجة
. يفكر "مايكل (Michael)" في قضية عقوبة الإعدام باعتبارها وسيلة للردع. فيجمع المعلومات ويتوصل إلى نتيجة مفادها أن عقوبة الإعدام لا تردع جرائم القتل أو غيرها من الجرائم العنيفة بدرجة كبيرة. لكنه بعد انتهاء بحثه يشعر بالغضب، ويقول: «ربما يكون ذلك صحيحًا، لكنني ما زلت أؤيد عقوبة الإعدام؛ لأنه لا بد من القيام بشيء لإيقاف المجرمين».
. وفي أثناء دراسة "ماريا (Maria)" لمقرر عن دراسات النوع الاجتماعي، تفكر في الحجة التي مفادها أنه لا يوجد سبب غير متحيز جنسيًا يجعل المرأة تتبنى اسم عائلة زوجها عند الزواج. وكما حدث مع مايكل، تكتشف ماريا أنه كلما تعمقت في متابعة الحجة والاستدلال عليها، ازداد غضبها.
المؤشر الثاني: الاعتقاد بأشياء متناقضة
. يعتقد "بيت (Pete)"أن جميع الثقافات وجميع الممارسات الثقافية متساوية في القيمة. وهو يرى أن الناس لا يملكون الحق في القول إن ممارسات ثقافة معينة خاطئة. لكنه في الوقت نفسه يعتقد أن فرض أفكارنا على الآخرين يُعد جزءًا من الثقافة الغربية، وأنه من الخطأ أن نفعل ذلك.
. يعتقد معظمنا أنه ينبغي معاملة الجميع على قدم المساواة، لكن ذلك لا يمنعنا من التفكير في أننا "نستحق معاملة أو امتيازات خاصة".
المؤشر الثالث: الاعتقاد دون أسباب منطقية كافية
. يرى بعض الأشخاص أن أكل الكلاب أو القطط أو طيور النورس أمر مقزز، بينما يرون أن أكل الأبقار أو الدجاج أمر مقبول تمامًا. وهم يعتقدون ذلك على الرغم من أن كل استدلالاتهم تُظهر أن الحالات متشابهة. ولذلك يجدون أنفسهم يحاولون اختلاق أسباب يعرفون أنها غير مقنعة، مثل: «الكلاب والقطط حيوانات أليفة! ولهذا السبب لا يجوز أكلها».
وبناءً على ذلك، عندما نفكر في أمر ما تفكيرًا نقديًا ونتوصل إلى النتيجة التي تبدو لنا "الأكثر معقولية"، فمن المفترض أن يترتب على ذلك أمران: "أن نؤمن بالنتيجة التي توصلنا إليها، وأن نبدأ في التصرف بما يتوافق مع هذا الاعتقاد. (36)
تعقيب
التفكير الناقد "بناء معرفي ومهاري متكامل" يجمع بين مجموعة من العمليات العقلية والمعايير والمهارات التي تعين الفرد على فحص المعلومات وتحليلها وتقييمها، ثم إصدار الأحكام واتخاذ القرارات اعتمادًا على الأدلة والمنطق. وتنميته تربويًا تتطلب تدريب المتعلم على "طرح الأسئلة، والمناقشة، والتحليل، والاستدلال، وتقييم الأدلة والحجج"، وليس مجرد تزويده بالمعلومات. ما تمثل "معايير التفكير الناقد" أساسًا للحكم على جودة التفكير والتمييز بين الاستدلال القويم وغير القويم، وبين الأحكام المبنية على الأدلة وتلك القائمة على التحيزات والافتراضات. وقد تطور مفهوم التفكير الناقد من التركيز التقليدي على المنطق والمغالطات والأدلة إلى تصور متكامل يشمل "طرح الأسئلة، والاستدلال المنطقي، والأدلة والمعايير، وقبول النتائج المدعومة بها".
ونؤكد أن هذه المكونات متصلة؛ فالسؤال الجيد يشعل عملية التفكير، والاستدلال ينظم المعطيات، والأدلة والمعايير تساهم في تقويم النتائج، بينما يعكس تقبل مخرجات الاستدلال الموضوعية والجاهزية لمراجعة الأفكار. لذلك فإن تنمية التفكير الناقد تتطلب "رؤية متكاملة تجمع المعرفة بأصوله، والوعي بمعاييره، وإتقان مهاراته، وتطبيقها في مواقف تعليمية حقيقية". واستنادًا إلى ذلك، يعرض المقال إطارًا نظريًا لفهم طبيعة التفكير الناقد وأبعاده ومهاراته ومكوناته، ويمهد لاستخدام هذه الأسس في بناء الإطار التطبيقي للبحث بما يتلاءم مع طبيعة المتعلمين وأهداف البحث.
***
دكتور إبراهيم طلبه سلكها
....................
الهوامش
1- Silva, J. , J. Edmond, and C. Jauregui. 2025. "Critical Thinking in the Classroom: Faculty Perspectives and Practices. " Journal of Education and Learning 14, no. 3. Canadian Center of Science and Education, pp. 2–3.
2- Heard, Jonathan, Claire Scoular, Daniel Duckworth, Dara Ramalingam, and Ian Teo. Critical Thinking: Skill Development Framework. 2nd ed. Camberwell, VIC: Australian Council for Educational Research Ltd. , 2024, p. 5.
3- Ibid, pp. 5–6.
4- Silva, J. , J. Edmond, and C. Jauregui. Op-Cit, p. 3.
5- Loc-Cit.
6- Alsaleh, Nada J. “Teaching Critical Thinking Skills: Literature Review. ” The Turkish Online Journal of Educational Technology 19, no. 1 (January 2020): 21–39, p. 29.
7- University of Bolton. LEAP Online: An Introduction to Critical Thinking. 2024, pp. 10–11.
8- Alsaleh, Nada J. Op-Cit, p. 24.
9- Alsaleh, Nada J. “Teaching Critical Thinking Skills: Literature Review. ” The Turkish Online Journal of Educational Technology 19, no. 1 (January 2020): 21–39, p. 27.
10- Loc-Cit.
11- Ibid, p. 28.
12- Loc-Cit.
13- Loc-Cit.
14- Ennis, Robert H. 1989. “Critical Thinking and Subject Specificity: Clarification and Needed Research. ” Educational Researcher 18, no. 3: 13–16.
15- Semali, Ladislaus M. , and Ann Watts Pailliotet. 2018. Intermediality: The Teachers’ Handbook of Critical Media Literacy. Edited by Ladislaus M. Semali and Ann Watts Pailliotet. New York: Routledge. DOI: 10. 4324/9780429499722.
16- Willingham, Daniel T. 2020. “Ask the Cognitive Scientist: How Can Educators Teach Critical Thinking?” American Educator, Fall 2020, p. 44.
17- Heard, Jonathan, Claire Scoular, Daniel Duckworth, Dara Ramalingam, and Ian Teo. Critical Thinking: Skill Development Framework. 2nd ed. Camberwell, VIC: Australian Council for Educational Research Ltd. , 2024, p. 13.
18- Ibid, p. 14.
19- Ibid, p. 15.
20- Robert H. Ennis. “A Concept of Critical Thinking: A Proposed Basis for Research in the Teaching and Evaluation of Critical Thinking Ability. ” Harvard Educational Review 32, no. 1 (1962): 81–111, pp. 86–87.
21- Ibid, pp. 87–88.
22- Ibid, pp. 88–90.
23- Ibid, p. 90.
24- Ibid, pp. 90–91.
25- Ibid, pp. 97–98.
26- Ibid, pp. 98–99.
27- Ibid, pp. 101–102.
28- Ibid, pp. 106–107.
29- Ibid, p. 85.
30- Carolina Flores. “Critical Thinking: What Is It to Be a Critical Thinker?” 1000-Word Philosophy, September 28, 2021. https://1000wordphilosophy. com/2021/09/28/critical-thinking/
31- Loc-Cit.
32- Loc-Cit.
33- Loc-Cit.
34- Nosich, Gerald M. Learning to Think Things Through: A Guide to Critical Thinking Across the Curriculum. 4th ed. Boston: Pearson, 2012, pp. 5–7.
35- Ibid, p. 10.
36- Ibid, pp. 10–12.








