عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

ميخائيل ليرمنتوف: «الهارب».. حكاية من الجبال

قصّة قصيرة شعرية

للكاتب الروسي ميخائيل ليرمنتوف

ترجمها عن الروسية مؤمل الحطاب

***

هربَ هارون مذعورًا من ساحة المعركة،

حيثُ فاض الدمُ الشركسيُّ.

هرب أسرعَ من الظبي،

وأخفَّ من الأرنب حين يفرّ من النسر،

هُناكَ، استشهد أبوه، وإلى جانبه أخواهُ،

فداءٍ للعزّةِ والحرّيّة،

ورؤوسُهم مُلقاةٌ في غبارِ المهانة

تحتَ حوافرِ الأعداء.

دماؤهم تستصرخ تطلبُ الثأر،

لكنَّ هارون نسي واجبه وكرامته،

وأضاع في لهيبِ الحربِ

سيفهُ وبندقيّته، ثم ولّى هاربًا!

*

انقضى النهارُ، ولفَّ الضبابُ

الأودية المعتمة،

وهبّت من الشرق رياح باردةٌ،

وأطلَّ القمرُ الذهبيُّ

فوقَ صحراءِ النبيّ، هادئًا وديعًا.

وكانَ هارون متعبًا وظمآنَ،

يمسحُ الدمَ والعرقَ عن جبينه،

حتى أبصرَ من بينَ الصخور

قريتَهُ على ضوءِ القمر،

فانسابَ نحوها خفيةً لا يراهُ أحد،

يُحيط به الصمت والهدوء.

*

من بينِ كلِّ من خاضوا المعركةَ الدامية،

كانَ الوحيدَ الذي عادَ سالمًا إلى الديار.

قصدَ بيتًا يعرفه، يتلألأ منه ضوءٌ خافت

شدَّ على قلبهِ ما استطاع،

ومضى هارونُ عابرًا العتبة.

كانَ يدعو صاحبَ البيتِ سليمًا صديقًا،

غيرَ أنّ سليمًا لم يَعُدْ يتعرّفُ عليه.

كانَ طريحَ فراشِه، ينهشهُ المرضُ،

ويموتُ في صمتٍ ووحشة.

*

قالَ بصوتٍ متهدّج:

«عظيمٌ هو الله!

لقد بعثَ ملائكتَهُ النورانيّين

ليحفظوك من الأذى،

ولتبلغَ المجد!»

ثم همسَ، وقد أثقلَهُ الإعياء:

«ما الخبرُ يا هارون؟»

ورفعَ جفنيهِ الواهنين،

وفي عينيهِ ومضةُ أملٍ أخيرة.

نهض قليلًا، فدبَّت في عروقِه

دماءُ المحاربِ ساعةِ احتضاره.

*

قالَ هارونُ:

«قاتلنا يومينِ في وادٍ ضيّق،

فسقطَ أبي، وسقطَ معهُ إخوتي،

أمّا أنا، ففررتُ وحيدًا نحو الصحراء،

مطاردًا كوحشٍ جريح،

داميةً قدمايَ من صخرٍ وشوك،

أهيمُ في دروبٍ مجهولة،

وأقتفي أثرَ الذئابِ والخنازيرِ البرّيّة:

الشَّركسُ يُبادون في كلِّ مكان،

والعدوُّ يطبقُ علينا من كلِّ صوب.

فآوِني يا صديقي القديم،

وأقسمُ بنبيِّ الله،

لن أنسى صنيعكَ، ما حييتُ.

*

لكنَّ المريضَ قالَ بصوتٍ مبحوحٍ قاسٍ:

«اذهب بعيدًا، فما أنتَ إلا جبانٌ وضيع.

لا مأوى لكَ عندي،

ولا بركةَ في داري لِمَن فر من المعركة!»

فأعتراهُ الخجلُ والألم المكبوت،

واحتملَ اللومَ في صمتٍ ثقيل،

ثم خرجَ دونَ كلمةٍ،

عابرًا العتبةَ التي لم تُرحّب به.

*

وتجاوزَ بيتًا آخر، فتوقفَ لحظةً في الطريق،

هاجت في صدره ذكرياتُ الأمس،

كحلمٍ دافئٌٍ عابر، لفحَ جبينه الباردَ

بحرارةِ قبلةٍ قديمة،

فأحسَّ بدفءٍ يتسربُ إلى قلبه،

ونورٍ يضيء روحه المظلمة،

وفي عتمةِ الظلام خُيل إليه

ان عينين تتلألآن بنظرةٍ مفعمةٍ بالحبّ والرقة.

همسَ في نفسه:

«إنها تحبّني…

إنها لا تحيا إلا بي…»

*

وهمَّ أن يصعدَ إليها، لكنَّهُ سمعَ صوتًا – أنشودةً قديمة

نشيدًا من زمنِ الأبطال، فتجمّد في مكانه،

وقد أصبحَ وجهه أشدَّ شحوبًا من القمر:

يغدو القمرُ في السماء، هادئًا صامتًا،

وكان يقف فتى محاربٌ

ماضٍ إلى ساحة المعركة.

يجهّز الفارسُ بندقيته،

فتقولُ له الفتاةُ:

«يا حبيبي، كن شجاعًا،

وفوِّضْ أمركَ إلى القدَر،

وصلِّ نحو الشرق، وكن وفيًّا للنبي،

وأوفِ بالمجد والوعيد.

فمن خان قومه بخيانةٍ دامية،

ولم يهزم عدوه، يمت بلا شرف،

ولا تغسل السماء جراحه،

وتنهش الوحوش عظامه».

يغدو القمر في السماء، هادئًا، صامتًا،

وكان يقف فتى محاربٌ

ماضٍ إلى ساحة المعركة.

*

فطأطأ هارونُ رأسهِ حزينًا،

ومضى بخطى سريعة،

والدمعُ، بينَ حينٍ وآخر،

يتساقطُ من رمشهِ على صدره.

ثم أبصرَ بيتَهُ يلوحُ أمامه،

يميلُ تارة من شدة العواصف،

لكنَّهُ ما زالَ قائمًا أبيضَ الجدران.

فعادَ الأملُ إلى قلبهِ،

فهناك، بلا شك، ترتفع الصلوات الدافئة

إلى السماء من أجلِه، تلك أمه العجوز

التي تنتظر ابنها ان يعود من المعركة،

تنتظره، لكن ليس وحده!

*

فطرقَ نافذته برفقٍ قائلاً:

«يا أمّاه، افتحي!

أنا ابنُكِ الغريبُ والمسكين،

أنا هارونك، ابنكِ الأصغر عدتُ إليكِ،

من جحيم الحربِ،

سالمًا من رصاصِ الأعداء!»

*

فأجابت الأم: «أأنتَ وحدك؟»

قالَ: «وحيداً…!»

قالت: «وأينَ أبوكَ وإخوتك؟»

قال: «قُتلوا جميعًا!»

باركَ النبيُّ موتَهم،

وحملتهمُ الملائكةُ إلى الجنان!»

*

قالت: «وهل انتقمتَ لهم؟»

قالَ: «لم أستطع…!»

لكنني أسرعتُ كالسهم إلى الجبال،

تركتُ سيفي في أرضِ الأعداء،

وجئتُ إليكِ، لأمسحَ دموعكِ يا أمّاه!

*

صرخت الأم:

«اصمتْ، اصمتْ يا جاحدَ العزّة!

لو متَّ شريفاً في الميدان،

لذكرتُك بفخرٍ ورضى.

لكنّك جئتَ بالعار،

لن ألوثَ شيبتي بخزيكَ،

اذهبْ، عشْ وحيدًا،

فلستَ لي بابنٍ بعد اليوم،

بل عبدٌ وجبانٌ!»

*

سادَ الصمتُ عقبَ انفعالها،

وسكن الليلُ وما حوله،

لكنَّ اللعنات والأنين والابتهالات ،

ظلّ صداها يترددُ طويلًا،

حتى انتهت بطعنة خنجرٍ،

أنهتْ عار البائس إلى الأبد.

وعندَ الصباح،

رأتْهُ أمُّهُ صريعًا عندَ الباب،

فأعرضتْ بوجهِها عنهُ ببرودٍ،

كأنها لم تلدهُ قطّ.

*

لم يقتربْ أحدٌ من جثمانه،

ولم يحملهُ أحدٌ إلى المقبرة،

وكان كلبُهُ الوحيدُ، يلعقُ دمهُ بزمجرةٍ حزينة.

والصبيانُ يلهونَ ساخرين

بجسدهِ المسجّى على الطريق.

وهكذا، بقيتْ في قصص الجبال

حكايتهُ عبرةً وعارًا،

وسمّوهُ إلى الأبد “الهارب”.

ابتعدتْ روحُهُ عن نظرِ النبيِّ مرتعبه،

وهائمة في ظلمة الجبال.

*

وحتى اليوم، يقولونَ:

إنّ شبحَهُ يجوبُ الوديانَ،

وعندَ الفجر يجيء ويطرقُ الأبواب،

متوسلاً الدخول.

لكن حين يسمع آيات القرآن الكريم،

يفرّ مرةً أخرى، لائذًا بظلالِ الضباب

كما فر من سيف الاعداء من قبل.

***

المترجم: مؤمل الحطاب – جامعة موسكو

كاتب ومترجم وباحث في الأدب الروسي

............................

* كتبت عام 1838

* عن الشاعر ميخائيل ليرمنتوف (1814-1841): أحد أبرز أعلام الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، شاعرٌ عبقريٌّ حمل في كلماته روح التمرد والحرية. تأثر بعمقٍ بعصرٍ اتّسم بالاضطراب السياسي والفكري، فانعكس ذلك في شعره الذي جمع بين الرومانسية والحسّ الفلسفي العميق. برع في رسم ملامح النفس الإنسانية وصراعاتها، فجعل من قلمه مرآةً للروح الروسية. ورغم قِصر حياته، إذ قُتل في ريعان شبابه، فقد خلّف إرثًا أدبيًا خالدًا وضعه في مصافّ أعظم الكُتّاب والشعراء في تاريخ الأدب العالمي. من أبرز أعمال ميخائيل ليرمنتوف روايته الشهيرة: بطل من هذا الزمان.

* عن القصيدة: نُشِرت أول مرة في مجموعة أدبية بعنوان «أمس واليوم» (1846، المجلد 2، الصفحات 154 – 158)، مع بعض التحريفات التي فرضتها الرقابة آنذاك.

* المصدر

https://ilibrary.ru/text/1329/p.1/index.html

في نصوص اليوم