عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

لي شانغ – دونغ: المجذوم

بقلم: لي شانغ – دونغ

ترجمة: صالح الرزوق

***

... لتحيا، لتصبر،

وتنتظر فجر العالم الجديد أن يبزغ،

ماذا بإمكانك أن تفعل غير أن تصبح مجذوما

ولا أحد في العالم يقبل أن يلمسك؟.

- من "أمسية عاصفة" لكيم سونا - دونغ.

قبل أن أدق، انتظرت لحظة لتهدأ أنفاسي. ولكن نفسين قصيرين لم يهدئا من قلقي، فتحت الباب السميك بحذر، باتجاه لغط الأصوات في الجهة الأخرى. في الداخل جلست موظفة وراء طاولة. سألت: "كيف يمكنني مساعدتك؟". لم تكن الغرفة كبيرة كما تخيلت. أمكنني أن أرى من الباب، مباشرة عل استقامة نظري، رجلا بالأربعينات، جالسا وظهره للنافذة. كان يبدو أنه مدير هذا المكتب.

قلت: "أنا هنا لرؤية النائب العام".

"هل يمكنني أن أسألك عن اسمك؟".

"أوه.. اسمي كيم يونجين. تلقيت مكالمة بالأمس".

"آه. من فضلك اجلس هناك وانتظر".

كان المتكلم رجلا جلس بجانب الموظفة. ويبدو أنه سكرتير النائب العام، وربما لذلك السبب، رأيت أنه حاد وقاس جدا، ومع ذلك لم أحمل الضغينة من تلك النبرة، بسبب انشغالي. جلست في كرسي قبالته.

كان النائب العام يكلم شخصا بالهاتف. مال في كرسيه إلى الخلف، وهو يتأرجح بهذا الاتجاه وذاك، ويتكلم بصوت ناعم، كأنه يتصل بصديق مقرب قائلا: الإجراء القانوني، إصدار المذكرة، اترك القضية مفتوحة - تلك بعض العبارات التي استعملها وهو يناقش العلاقة بين زملاء أكبر وأصغر، وكان يقطعها ملاحظات عن نوعية الخدمة التي قدمها رجل أحمق في أحد البارات. غير صوت النائب العام، كان المكتب هادئا، هادئا جدا وتشعر أن المكان بمنتهى التماسك.

وقف النائب العام وسأل وهو يغلق الهاتف: "هل أنت ابن كيم هاكجيو؟".

" نعم يا سيدي. كيف حالك؟. أنا كيم يونجين". انحنيت أكثر من الضروري، ولاقيت يده الممدودة. لاحظت أنه استعمل اسم والدي بدون أن يسبقه بلقب "سيد". وصدمتني فكرة المقلقة مفادها أن تلك المقاطع الثلاث - كيم هاك جيو - جاءت على لسانه وكأنها اسم مجرم لا يستحق الاحترام.

قاب: "سمعت أنك تدرس في مدرسة ريفية. يؤسفني إزعاجك. واضطرارك للمجيء إلى هنا من طريق طويل".

قلت له: "كلا -لا. لا توجد مشكلة. يجب أن أشكرك لأنك قابلتني. كنت متوترا. طيلة هذا الوقت أتساءل ماذا يجري ولم أعرف ممن أستفسر".

قبل أن أجلس، قبلت بتهذيب بطاقته الرسمية التي قدمها لي. كان شعره مرتبا وممشطا للخلف. وله نظارة، وباستثناء ذلك لا يوجد شيء خاص حول مظهره - على الأقل بالنظرة الأولى. وجهه عادي، ونظرته الفارغة لم تتفاعل مع القلق أو عدم الراحة.

قال: "إذا - عائلة مقاتلين". رفع بصره عن الملف السميك الذي يتصفحه لبعض الوقت وتابع: "هل تسمع كثيرا من أختك؟".

"لست متأكدا ماذا...".

"أختك الأصغر، هوسيون. هل تستطيع القول إنها ضمنت لنفسها اسما في الحركة العمالية؟. الشرطة تبحث عنها، وهذا صداع مزعج".

"هل هذا ما حدث؟. أنا أعيش في الريف. ولم أشاهدها منذ أكثر من عام. وليس لدي حقا أي فكرة أنها قد تتعرض للاعتقال بتهمة من هذا النوع. لم يمكنها الدوام في المدرسة بسبب ظروف العائلة، ولكنها كانت دوما بنتا عاطفية وطيبة".

أصغى النائب العام لردي الغريب، وظهرت ابتسامة غامضة على شفتيه وهو يقول: "هذا ممتاز وجيد. ولكنني لم أطلب منك أن تأتي لتكلمني عن هوسيون".

عاد نظره نحو الأسفل إلى الملف وقال: "سيد كيم. ورد هنا أن لك اسمين. هل هذا صحيح؟. بالإضافة إلى يونجين، لك اسم آخر، ماكسو".

"ليس اسما آخر. كان هذا اسمي في طفولتي. وبدلته لاحقا".

"لماذا بدلته؟".

"السبب... ماكسو ليس اسما جيدا تنادي به أي شخص، أليس كذلك؟. سيسخر أصدقائي مني بسببه بعد أن أبلغ مرحلة الشباب".

حالما قدمت ذلك العذر السخيف، غمرني شعور يائس، أن كل شيء بلغ نهايته المحتومة. فقد تعبت، طيلة الوقت الماضي، من إبعاد نفسي عن اسمي القديم، والآن أدرك أنه لم يختفي مثل المشاكل التي تلاحق والدي من الماضي - لم يمكنني إبعاد نفسي عنها ولو ذرة واحدة.

سمعت أولا ما حصل لوالدي قبل أسبوعين، حينما اتصلت أخته، عمتي، بالمدرسة التي أعمل فيها. سألت المدرسة: "كيم ... من؟.. ليس لدينا أحد هنا بهذا الاسم المجرد. كما تعلمين. عندنا أكثر من كيم واحد. آه. تقصدين السيد كيم يونجين؟. لماذا لم تقولي ذلك منذ البداية؟. انتظري دقيقة".

يبدو أن عمتي سألت عني باسم ماكسو، واحتاج نائب المدير، الذي رد على المكالمة، لعدة محاولات كي يستخلص الاسم المعروف منها.

وحتى بعد أن استلمت الهاتف، كان الصوت في الطرف الآخر، يصيح بإلحاح بلكنة غيونجسانج ثقيلة.

قالت: "مرحبا؟ هل يمكنني التكلم مع السيد كيم من فضلكم؟. أعني السيد كيم يونجين".

"كيم يونجين يتكلم. من معي؟".

"آه يا عزيزي. يونجين... لا، ماكسو. هل هذا أنت ماكسو حقا؟".

وبعدها فقط ميزت صوت المرأة العجوز المألوف بلكنته الثقيلة.

قلت: "عمتي؟ ما الأمر؟ أين أنت؟".

"أين أنا؟. في سيؤول طبعا. ولكن كيف سنتصرف يا ماكسو؟. أبوك... جاؤوا وقادوه بعيدا".

"ماذا؟ ماذا تقولين؟".

"جاؤوا واقتادوا والدك بعيدا. يا عزيزي. ماذا يجب أن نفعل؟ ماذا يجري في العالم... مرت أكثر من ثلاثين سنة... كأنها صاعقة بغير حسبان".

"اهدأي. وأخبريني فقط ماذا يجري. والدي اختفى.. ولكن أين؟".

وحتى في ظل هذا القلق، تمكنت من عدم استعمال عبارة "اقتادوه بعيدا". كان هناك أساتذة من غرفة الأعضاء، يستمعون، ونائب المدير يحدق بي لبعض الوقت من وراء نظارته العظمية، وهو يطرف بعينيه المستديرتين الصغيرتين.

قالت: "لم يكونوا الشرطة، ولكن وكالة مخابرات أو أمن وطني أو شيء من هذا القبيل. مرت أيام، ولم أسمع بالمشكلة إلا اليوم. أعتقد أنه انتهى في نهاية المطاف. ماذا يجب أن نفعل الآن؟".

قلت قبل أن أغلق الخط: "دقيقة يا عمتي. لا يمكنني شرح كل شيء الآن. لماذا لا نتكلم فيما بعد. ما رأيك؟. سأتصل بك بعد الظهر حينما أنتهي من الدوام".

سأل نائب المدير: "هل هي من أقاربك يا سيد كيم؟. كانت أولا تبحث عنك باسم آخر - كيم بلقب أو آخر. في كل حال كان صوتها قلقا جدا. هل حصل شيء ما في البيت".

أجبت بشكل بارد: "آه. حسنا. نعم. شيء خطير".

عدت إلى طاولتي وانهرت على الكرسي. أخرجت سيجارة، وكانت أصابعي المغطاة بالطبشور ترتعش. كرهت اسم ماكسو حينما كنت طفلا. كان هناك شيء غريب به، وكان صغار الحارة يخترعون لي الألقاب، مثل موكسو، ومعناها النجار، أو ماكجيولي - نبيذ الرز. ولكن لم أبدأ فعلا بكره ذلك الاسم حتى كبرت، بعد أن أدركت لماذا اختاره والدي. ولم أتحمل فكرة أنه سماني ليربطني بماضيه الفاشل. وفي سنتي الثانية في الجامعة، قبل أن أسجل اسمي في الجيش، مررت بكل الإجراءات الروتينية المزعجة، وفي النهاية بدلت اسمي.

سألني النائب العام: "كم تعرف عن ماضي والدك يا سيد كيم؟".

"ماضيه.. أي ماض تعني؟".

"كان أبوك شيوعيا عاملا في حزب عمال جنوب كوريا. أنت تعرف على الأقل ذلك. أليس هذا صحيحا؟".

قلت لنفسي: هذا كل الموضوع. حاولت أن أكون متنبها ويقظا، كي لا أغفل شيئا.

قلت: "لا أعرف التفاصيل. ولكن عموما. أعرف أيضا أنه كان في السجن لبعض الوقت بعد الحرب".

وعمدا قدمت للنائب العام أكثر مما كان يريد بقليل.

قال النائب العام وهو يضع عينه بعيني: "يبدو أنك تعرف الكثير. وهكذا يا سيد كيم. ماذا تعرف عن نشاطه أو أفكاره في الماضي؟".

حاولت أن أبلع. ولكن كان فمي جافا. ثم قلت: "ولدت بعد الحرب. مع الجيل الذي عاش في هذا البلد تحت رعاية ثقافة غير شيوعية على نحو صارم. لو منحت حق الاختيار بين الشمال والجنوب - ولن يحصل ذلك، وأقول لو - بوضوح سوف أختار الجنوب. لماذا؟. لأن ضميري، وطريقة تفكيري، وأسلوب حياتي - وتشكل كل شيء له جذور في حياتي في ظل النظام الراهن. والأهم أنا معلم مدرسة أمنح طلابي ثقافة مضادة للشيوعية، ألا ترى أنني كذلك؟".

وشعرت بعرق بارد يسيل على ظهري. ولم يكن لدي طريقة لأعرف مدى تقبل النائب العام لجوابي. لم يظهر وجهه أي شيء. نظرت إليه، كان فمي يحترق.

وسألته: "بالمناسبة. ما هي تهمة والدي بحق الله؟".

توقف المدعي عن النظر في الملف وقال: "ألا تعرف حتى الآن؟".

"كلا. الشخص الذي خابرني أمس قال فقط إنه انتهاك لقانون الأمن الوطني، وأنه سيعلمني بالتفاصيل حينما نلتقي شخصيا".

رفع سكرتير النائب العام، الذي كان يدون شيئا، رأسه قليلا، ونظر نحوي. افترضت أنه الشخص الذي خابرني في المدرسة، وتكلم معي بنبرة وظيفية فجة. فحص النائب العام وجهي لدقيقة، وبصمت، ثم قال بخشونة: "التجسس".

فجأة نسيت ماذا كنت أريد أن أقول. وحافظ المدعي، وكان وجهه حتى الآن محروما من التعابير، على عينيه مثبتتين علي، كما لو أنه لا يريد أن يغفل ردة فعلي على ما قال.

"هـ. هل تخبرني..... أن والدي جاسوس؟".

قال النائب العام بجفاء: "أدين والدك بالتجسس. التجسس بأمر من نظام الدمى في كوريا الشمالية، والقيام بتنظيم عمليات غايتها التحريض على الجنوب".

لم يكن بمقدوري أن أصدق أذني. منذ لحظة سماع الخبر من عمتي عن اعتقال والدي، توقعت أن لذلك علاقة بماضيه. ولكن لم يخطر لي أن بمقدوره اقتراف جريمة حقيقية. وافترضت، عل الأكثر، أنه ربما قال شيئا وهو مخمور في البار، ولا يجب أن ينطق به. أو ربما طفت على السطح تفاصيل من ماضيه، والآن حان وقت استجوابه. لم أكن متيقنا، ولكن ربما، وبدون وعي، توقعت أن أفكاره الضمنية ونشاطاته السابقة تسببت باعتقاله، أو سجنه حتى الآن للاستجواب خلال عدة أيام، أما التجسس...؟.

مثل كل شخص آخر ولد وتعلم في هذا البلد، رأيت أو سمعت هذه الكلمة. وكانت تدون طيلة الوقت منذ أيام الطفولة - في غرفة الصف، وعلى البوسترات، واللافتات، وفي الصحف - ولكن لم أتخيل أبدا أن ذلك قد يلمسني بشكل مباشر. وحتى اليوم، كانت الكلمة بلا أي معنى في الواقع. والآن يمكنني أن أتوقع مقالة في صحيفة وفي صفحة الأخبار الوطنية، وتحت عنوان بالخط العريض: "القبض على حلقة تجسس". ومعها مخططات وأسهم تشير بهذا الاتجاه أو ذاك، وصور وجه والدي المحطم، مع أدلة على تجسسه: أعمدة مشفرة من أرقام عشوائية، وإشارات راديو بالموجة القصيرة. كان تخيل ذلك فظيعا. وبالكاد أمكنني أن أفتح فمي لأتكلم.

قلت: "ذ- ذلك... غير ممكن بتاتا".

مال النائب العام بمقعده الدوار عالي المسند وعيناه تتفحصان من فوق نظارته قائلا: "ماذا يجعلك تقول إنه غير ممكن؟".

"حتى لو.. أن لوالدي في الماضي آراء يسارية، فقد مر عليها أكثر من ثلاثين سنة... وهو ليس من النوع القادر على هذه الأمور".

"هل هذا مؤكد؟ حسنا يا سيد كيم، ما هو نوع الإنسان المستعد لهذه الأمور؟".

"حسنا.. يحتاج لشخصية قوية وعزم ثابت، أليس كذلك؟. ولكن إرادة والدي ضعيفة.. وفاشل جدا في حياته. وكل شخص يعرفه يؤكد ذلك".

تذكرت آخر مرة رأيت فيها والدي. كانت في عطلة الشتاء. ولأول مرة في شهور، ذهبت لرؤيته في جونغام - دونغ، حيث يعيش في غرفة للإيجار على قمة هضبة. وجدته يجلس القرفصاء تحت صنبور قرب باب المطبخ، وظهره محدودب، وكان يغسل ثيابه الداخلية بيديه. في الصيف السابق، غادرت سيؤول بحثا عن عمل في مقاطعة جانجون. ووجدته في مدرسة إعدادية في الريف. وبقيت أختي هوسيون وحدها لتعتني به في غرفتنا المستأجرة الضيقة. كان حجمها بحجم وكر أرنب. وفي وقت ما من الخريف طلبت الشرطة هوسيون. لم تتمكن من العودة إلى البيت، ولم يبق أحد ليطبخ وجبات والدي أو يغسل ثيابه. وعرضت عليه أن أدفع للمالكة بعض النقود شهريا لتطبخ وتغسل له. ولكن لم أتوقع فعلا أن تعتني به جيدا. بذهاب أختي، أصبح المكان متواضعا - بدا مهجورا. الملاءات على الأرض، الثياب موزعة هنا وهناك، وزجاجات سوجو الفارغة تدحرجت في الزوايا. عاش والدي بمفرده في تلك الغرفة القذرة والمظلمة مثل حيوان عجوز يغوص ببرازه. وخيمت رائحة عطنة لشيء يتعفن. وحينما فهمت أن تلك الرائحة تأتي من والدي، توقعت أنه بدأ يتحلل.

قال النائب العام: "للتو ذكرت اسمك في الطفولة، ماكسو، أليس كذلك؟. أثرت الموضوع لأن هذا ما قاله كيم هاكجيو - أبوك - قاله أيضا خلال هذا الاستجواب. أقصد لإثبات قناعاته الإيديولوجية الراسخة. وكان مخلصا جدا حتى أنه سمى ابنه تيمنا بكارل ماركس".

قلت: "أعرف تلك القصة أيضا. ولكن ألا تعتقد أنه حلم أحمق راوده حينما كان شابا؟".

"حلم؟".

"يمكن أن تقول إنه شيء فعله ليدعم به حياته الفاشلة. ألا تظن أن التزاماته والشعور بالأهمية برهان كاف على أنه غير جاهز لشيء عميق كالتجسس؟".

قال النائب العام وابتسامة حادة على شفتيه: "يا سيد كيم. هذا تحليل بارد وموضوعي جدا عن والدك".

"يربكني أن أقول ذلك. ولكن منذ وقت طفولتي لم أكن أحترم والدي. ولم يظهر والدي أي سلطة أو جاهزية ليشغل مكان رأس العائلة. بنظري كان غير مؤهل ومحطما تماما".

أصبح وجهي أحمر. امتلأت بعار لا يحتمل، وبنفس الوقت، بغضب غير موجه لأحد بالتحديد. وتأكدت أنني سقطت في حفرة البؤساء، ومن المفروض أن أتكلم عن تقصير والدي - بتعبيري - وأمام النائب العام، كي أثبت حقيقة أنه غير مؤهل للتجسس.

قال النائب العام: "بكل حال ستظهر الحقيقة خلال التحقيق. ولكن الأهم يا سيد كيم، ما رأيك بلقاء مع والدك؟ سأتدبر أمر زيارة خاصة؟".

نظرت إلى المدعي بحيرة. فقال: "في الحقيقة السبب الحقيقي لاستدعائك ورؤيتك أن تقابل والدك. وهو معتقل الآن في مكان لا تسمح فيه الزيارات. ولكن يمكنني تدبر لقاء خاص بينكما".

"شكــ.. شكرا. لكن...".

"أعتقد أنك تتساءل لماذا أتعب بتدبير زيارة خاصة كهذه".

ثم لخص لي النائب العام الحادث المتعلق بوالدي. مؤخرا تم كشف شبكة جواسيس كورية شمالية بالكامل وحاصرتها وكالة تخطيط الأمن الوطني (و ت أ و). كانت الشبكة تنشط بدعم من أعضاء سابقين منظمين في حزب العمل الكوري الجنوبي وأعضاء من حزب كوريا الشمالية، ومعظمهم الآن في أواخر ستيناتهم أو سبعيناتهم. بتوظيف هؤلاء المسنين الضعفاء أثبت للشمال، مجددا، أنه نظام شرير ولن يوقفه شيء من أجل توحيد الجزيرة الكورية تحت مظلة الشيوعيين. وقبل عقد من الزمن، بدأت تلك الشبكة بالتخطيط لجمع ونقل المعلومات، وخلال الاعتقالات وضعت اليد على قدر كبير من الأدلة الدامغة - جداول بأرقام مشفرة، نقود تمويل، وإذاعة قصيرة الموجة. "ولكن". صمت النائب العام وتابع: "لكن المشكلة بوالدك كيم هاكجيو. في كل الحالات كان الدليل دامغا. إلا بالنسبة له أحاط به الغموض".

قلت: "الغموض؟. ماذا تعني بالضبط؟".

"بكلمات أخرى لا يوجد دليل. المجموعة الحالية استعملت مصادر محلية وهي من بقايا حزب العمل الكوري الجنوبي القديم، وحتى لو أن المشبوهين أصدقاء كيم هاكجيو، لا يوجد دليل مادي ضده. وفوق ذلك كل المشبوهين الآخرين استبعدوه من أي علاقة تورطه معهم في هذه القضية".

"هذا يعني أن والدي بريء بوضوح. أليس كذلك؟".

"ولكن ليست هذه هي المشكلة. والدك يصر أنه متورط".

"كــ - كيف أمكنه ذلك؟".

"حينما اعتقلت الوكالة والدك، اعتبروا أنه شاهد على الأغلب. وكان يبدو أنه لا يعرف ما يجري أولا. لا يمكنني الكلام عن تفاصيل التحقيق، ولكن ما أن بدأ أبوك يعرف الجو العام للموقف حتى زعم فجأة أنه مشارك. وطالب بإدانته بالتجسس".

كانت حكاية لا تصدق. إذا كان كلام المدعي صحيحا، هذا يعني أن والدي سلم نفسه طوعا بصفة أنه جاسوس. ولكن كيف يمكن أن يكون لهذا أي معنى؟ نظرت إلى النائب العام بارتباك. وقلت: "أنا لست خبيرا بالقانون. ولكن إذا كان دليلك الوحيد اعتراف والدي، هذا لا يكفي لإثبات ذنبه".

قال النائب العام: "هذا لا ينطبق بالضرورة على قضايا مكافحة الشيوعية. أن تقول أنا شيوعي فقط يكفي لإدانتك. ثم هل تستطيع أن تتخيل لماذا يزعم شخص لا يعمل بالجاسوسية أنه جاسوس؟. ما لم يكن مجنونا؟. على كل حال يا سيد كيم هل تفهم لماذا أجهز لترتيبات خاصة كي تزور والدك؟".

وعلى ما يبدو أن النائب يعتقد أن الوالد سيخبر ابنه، على الأقل، بكل القصة، مهما كانت دواعي إصراره على التورط بالجاسوسية.

قلت: "شـ. شكرا. أنا متأكد من وجود خطأ ما. كما قلت سابقا والدي ليس من النوع القادر على شيء من هذا القبيل".

"هذا يتطلب المزيد من التحريات. ليس هناك ما تشكرني عليه. أريد أن أعرف الحقيقة فقط".

"ومتى موعد الزيارة؟".

"غدا صباحا. ارجع إلى هنا بالتاسعة. وسترافقني إلى مركز الاعتقال".

غادرت النائب العام. وأنا أخرج من المبنى، زال التوتر الخانق عن صدري، وغمرتني موجة من الغثيان. هطل مزيج من الثلج والمطر. لم يكن توقيته مألوفا في شباط، وقفت هناك لحظة، نظرت بلا معنى إلى اليمين واليسار، وإلى تبعثر رقائق الثلج المخدر.

"إلى هنا يا ماكسو. من هذا الطريق". صاح أحدهم وهو يلوح بذراعيه، من قرب مكتب الحارس. تذكرت أنني أخبرت عمتي أن تنتظرني في المقهى في الطرف المقابل من الشارع المواجه لمكتب المدعي العام. لا بد أنها وقفت هناك في الثلج لوقت طويل - كان كتفا معطفها مبللين ووجهها أزرق بسبب البرد.

قلت: "كان عليك الانتظار في المقهى. لماذا خرجت إلى هنا؟".

قالت عمتي بعصبية: "كنت أحترق من القلق في الداخل. كيف يمكنني الجلوس هناك فقط. كنت تمر بوقت صعب. فلنبحث عن مكان هادئ ونلجأ له".

جرتني من ذراعي، وهي تتلفت بكل الاتجاهات، كأن أحدا يتعقبنا. غمرني، وأنا أشاهد درجة ارتباكها وقلقها، التحسس والغضب. وسألتها: "مما تخافين؟ ليس هناك من يطاردنا. فنحن لم نقترف جناية".

"صحيح؟ ولم لا؟ أن تكون حيا فقط جناية في هذا البلد. شيء يبعث على الخزي".

كانت أصغر بالعمر، ولكنها أقسى من الرجل العادي - ولا يوجد عمل في السوق المحلي ولم تجربه -وعانت من كل أشكال الأمراض لتربية أولادها الثلاث وحدها بدون أبيهم. والآن هي عجوز مثيرة للشفقة، ولا يمكنها التستر على علامات العمر والمرض. صعدنا إلى الطابق العلوي من مطعم صيني موجود في الشارع. هناك في وسط المطعم يوجد موقد فحم كوري، ومع ذلك كان المكان باردا. تجنبت عمتي الناس، وجلست قرب الموقد، وجرتني إلى الزاوية.

سألتني حالما جلسنا: "ماذا حصل؟ ماذا قال النائب؟ ما هي الجريمة التي حبسوا والدك بموجبها؟". طبعا تكلمت بهمسات عصبية، وهي تتلفت حولها في أرجاء الغرفة باستمرار لتتأكد أن الناس لا يستمعون لنا. نقلت ما سمعته من المدعي بإيجاز، ولحظة ذكرت كلمة "جاسوس" شحب لونها.

"كيف يمكن لذلك أن يحصل؟ أنا أرتجف يا عزيزي. لا بد أن روحا شريرة حلت بوالدك".

أخبرتها: "لم يئن أوان اليأس. يمكنني أن أقول أن النائب العام قرر أن يمعن النظر بالأمر، عموما حين أقابل الوالد في الغد سأتحرى عما حصل".

"حسنا. اذهب وحاول أن تكلم والدك بتعقل. لا يمكنه أن يتهم نفسه بشيء من هذا النوع ويفسد مستقبل ابنه. وأنا مؤمنة بقدراتك يا ماكسو".

"من فضلك يا عمتي لا تناديني ماكسو بعد الآن. أنت تعلمين أنني غيرت اسمي".

"آه. صحيح. يونج.... يونجين. هذا اسمك. اعتدت أن أناديك باسمك القديم طيلة الوقت. وعلق بلساني. ولكن كيف يمكنك أن تتماسك، وتفكر باسمك، وسط كل ما يجري حولك؟".

مست عمتي عينيها المتورمتين بمنديل كورته بقوة في يدها. كانت عيناها قد احمرتا كالدم. وقالت: "لوالدك حظ فظيع. أشعر بالأسف له. في شبابه كان يساريا أو ما شابه. لم يكن يطمئن في الليل، ثم أنفق وقتا في السجن. عاش في البرد لثلاثين عاما بسبب سمعته. توقعوا أن كل ذلك أصبح ذكريات قديمة للتسلية بعد أن كبرت أنت وأختك. لكن... الآن قارب السبعين ويعيش وحده... ولا يوجد معه من يطهو له. من سيعرف إذا أتوا واعتقلوه في منتصف الليل؟. حتى قبل أن يطلب النجدة؟ ماذا لو مات وهو نائم؟ من سيعلم".

حملت لي كلمات عمتي بعض المرارة وخيبة الأمل، كالعادة. بالنسبة لها كنت ابن الأخ السيء الذي تخلى عن والده المسن ليعيش بمفرده. وقبل أسبوعين، عندما أخبرتني أول مرة بخبر والدي، توقعت أن أتحرك فورا، ولكنني لم أسافر إلى سيؤول في حينها.

قالت: "كيف أمكنك أن تكون قاسيا وبدون تعاطف؟".

بعد ذلك، اتصلت بي مرارا وتكرارا كي آتي إلى سيؤول، ولكنني تابعت الاعتذار بهذا العذر أو ذاك، حتى عبرت لي في النهاية عن مشاعر خيبة الأمل بقولها: "إن أحببته أو كرهته يبقى والدك. أليس كذلك؟. أنت لا تهمل جارك إلى هذه الدرجة. الرجل الذي منحك حياتك واسمك أصبح مهملا. لم نسمع منه كلمة منذ أيام، وأنت لا يعنيك إن كان ميتا أو حيا؟. هوسيون ليس هكذا. على الأقل تلك الفتاة لطيفة وتعتني بوالدها. حتى الحيوان يعرف والديه وأولاده. كيف يمكنك أن تكون على ما أنت عليه؟".

لم أكن لامباليا حيال مشاكل والدي بعكس كلام عمتي. والحقيقة أنني ربما كنت أصمت عن قلقي. أحيانا، عندما أكون وحدي بعد دوام المدرسة، أنشغل بقراءة كتاب، وأذني تصغي لصمت الليل المحيط بي، وفجأة أغوص في إحساس لا يحتمل من الخوف واليأس. في السنتين الماضيتين، استمتعت بالهدوء في قرية جبلية صغيرة جدا، ولا تراها على الخرائط. وكان القرويون يرعون محصول الثوم والفليفلة على سفوح مدرجات الجبل، وكانت المستوطنة عرضة للرياح، وغالبا ما يجللها الغبار. كان الغبار هناك بالفعل فظيعا. كانت فرشاة أسناني، في مطبخ مسكني الضيق، مغلفة دائما بالهباب ويتوجب غسله عدة مرات قبل استعمالها لتنظيف الأسنان في الصباح. وعندما أنظر من النافذة خلال الحصة، يمكنني رؤية سحب الغبار وهي تهب فوق جدول الماء البعيد. كانت تحتوي باحة المدرسة بهبة واحدة. وعندما أذهب إلى غرفة المدرسين بعد الحصة، أول شيء أقوم به هو استعمال يدي بمسح حبات الرمل المتراكمة بطبقات سميكة على مقعدي. ثم أنتقل إلى موقد نشارة الخشب - وهو أسطوانة مصنوعة من فولاذ مقسى، مع فتحات صغيرة، مثقوبة في الأسفل، لتسمح للخشب أن يتسلل من الثقوب مثل ساعة رملية. ودائما أشعل السجائر، بتمريرها من إحدى تلك الثقوب، وبعد أن أدخن تترك السيجارة على قفا لساني رائحة دائمة تشبه رائحة مسحوق غبار الخشب المعلق في الجو.

لم تكن لدي رغبة شخصية بالتعليم في مدرسة ريفية. يئست تقريبا من تعليم أطفال القرية المشاغبين أي شيء في الصف. ولم أكن بالنسبة للمحليين - المزارعين غالبا بوجوههم المحترقة - أكثر من جزء من الطبيعة البليدة المحيطة بهم. ولكن ما استمتعت به، هو الهدوء المضجر والكسول الذي يخيم عليك بدون أن تلاحظه، مثل تسرب صامت لنشارة الخشب في الموقد. لم أرغب بشيء سوى أن لا يهدد أحد استقرار حياتي. كان البيت الذي استأجرته مثل بيت مزارع. شكله قديم الطراز ومتواضع وله أحجار سقف متهالكة وسقف منخفض لا تستطيع أن تقف تحته منصوب القامة. وكلما أردت أن أتبول، أجلس القرفصاء كالنساء، وأشعر بالسعادة المازوشية، كما لو أنني مخصي. ولكن بشكل ما لم يهمني ذلك. هناك كان يستفزني كل شيء، ابتداء من إزعاج وضجيج سيؤول، وحتى لدغة ذكريات الماضي التي لم أرغب بتعويمها ثانية. وعلاوة على ذلك كان مكانا بعيدا عن والدي. قلت لعمتي: "في كل حال لا تقلقي كثيرا. سيخرج سريعا. وسيكون على ما يرام. عليك أن تثقي بذلك وحاولي أن تبقي هادئة".

"حسنا. أليس الأفضل لو بإمكاني التمسك بالهدوء. مرت أكثر من ثلاثين سنة، يا لهذه الكارما؟. كل تلك السنوات كان يعيش خائفا من أن تنهار الأرض تحت قدميه، والآن، هذا ما حصل في النهاية".

وانفجرت عمتي بالدموع الهادئة ونحن في زاوية المطعم الصيني. إنها ثلاثون عاما مرت... لا يزال صوت عمتي الخشن يرن في رأسي بعد أن غادرنا المطعم وتبادلنا تحية الوداع. لمست في كلماتها إرث الخوف، سنوات الألم الطويلة التي فشلت في الهرب منها، وندوب الصدمة التي لا يمكن محيها. كانت مقتنعة تماما أن ما يجري لوالدي يرتبط بالثلاثين سنة التي مضت. منذ ثلاثين سنة، انفصلت عمتي بلا رحمة عن زوجها. وبعد الحرب الكورية فورا، حينما صدر قرار بعزل اليساريين، اختفى عمي فجأة ولم يترك أي أثر، ولا زلنا لا نعرف مكانه. ولا نعلم ما إذا كان حيا أو ميتا. والرجل الآخر الذي اتكلت عليه في العالم، أخوها الوحيد، عاش في ظل ضغط متواصل لثلاثين عاما. في الماضي، عاشت عائلتي وهي تعاني، كان كل يوم ثمينا أكثر مما يليه. كانت تئن من ثقل الديون، ونقص الطعام، والتأخر في دفع الإيجار والتكاليف، وكنا دوما يائسين من الغد، ولكن بشكل ما نؤجل يأسنا ليوم آخر. ولكن لم يكن لوالدي اهتمام على الإطلاق بصراع عائلته من أجل البقاء، وكذلك عناء دعمنا نحن الأربعة، وهو معنا، وأصبح العبء كله على كتفي الوالدة. ولكنها لم تتكلم عن مشكلة النقود أمام والدي أبدا. ولسبب ما، وحتى عن غير قصد، إذا أبدت القلق على النقود أمامه، يشتعل غضبه، ويجن جنونه، كما لو أنه فقد عقله. ويصيح: "النقود النقود. النقود. لا تذكري تلك الكلمة أمامي. ما هي النقود على كل حال؟. لا تعني النقود لي شيئا. لست صياد نقود. ليس في وأنت حية. أنا كيم هاكجيو أفضل الموت على الحياة لأجل النقود".

إذا كان لا يريد أن يكون جامع نقود، لا بد من أن يتولج المسألة شخص آخر. لم أفهم كيف لم ينتبه إلى تلك الحقيقة البسيطة. وطبعا لم يكن أمام الأطفال الذين ألقى بهم في هذا العالم اللامبالي، وفي جوع هذا المجتمع البائس، أي خيار سوى أن يكونوا جامعي نقود. فقط بعد أن كبرت علمت بحقيقة ماضي والدي: تعلقه بالشيوعية، إيمانه بالحركة اليسارية، وكيف أمضى ثلاث سنوات ونصف في السجن. ولكن لم أتخيل طيلة حياتي أن شخصا مثله يضحى بحياته، أو بيوم منها، ليقاتل في سبيل هدف، أي هدف كان. وهكذا تخلى والدي عن طريقه وتحدى العادات والمؤسسات الاجتماعية. وحينما أوشكت أن أنتسب إلى الجامعة، اعترض تماما بغضب شديد وكان من الصعب أن أصدق ما أرى.

حينما سألني ماذا أريد أن أفعل في الجامعة قلت له: "أريد دراسة الأدب".

أرعد يقول: "الأدب؟. أيها المتشرد. تعتقد أنك بحاجة للجامعة لدراسة الأدب؟ جامعة أو بدونها، ماذا ستعرف عن الأدب من قراءة الكتب فقط؟ هذا للكسالى والمغفلين. الأدب هو شيء تنتجه حينما تعرق في مصنع أو في موقع للبناء - أي مكان تعمل فيه لتكسب قوتك. هذا هو الأدب الحقيقي. كتب مكسيم غوركي حينما كان يغسل الصحون في مطعم. وهو أفضل ألف مرة من أولئك الكتاب والأساتذة في هذه الأيام الذين يثرثرون حول معنى الأدب والفن. أوغاد مثلهم لا يستحقون التراب الموجود بين أصابع قدمي غوركي. أيها المتشرد. نحن نوفر بصعوبة وجبة يومنا، وعوضا عن أن تتقدم وتشترك في الكفاح من أجل الحياة تتكلم عن الجامعة؟. ماذا ستفعل بضميرك المتعفن، أيها الوغد المجنون؟ لماذا لا تذهب وتستسلم في مكان ما حتى تموت؟".

في ذلك الوقت لم أكن أعرف مكسيم غوركي، ولم يكن عندي اهتمام به. ولكن رأيت أنه من العبث أن تخرج عبارات مثل "أي مكان للعمل لكسب القوت" أو "الكفاح في سبيل الحياة" من فم إنسان مثل والدي. طبعا كنت أدرك أنه أمر غير واقعي أن أتوقع الانتساب للجامعة في تلك الظروف، ولكن أسباب عدم التخلي عن الفكرة كانت أمي. منذ أيام طفولتي، كانت دائما تقول لي، كما لو أنها تريد التحذير "أريد أن تصبح يا ماكسو حينما تكبر معلم مدرسة. لا أريد أن تصبح تاجرا غنيا أو شخصا مشهورا. لتكن معلم مدرسة بمرتبة جيدة. هذا لن يجعل منك غنيا ولن يشهرك، ولكن معلم المدرسة أفضل عمل في العالم. تذكر دوما ما أقول".

كانت أمي مقتنعة أن آمن طريقة للبقاء والنجاح في المجتمع أن تصبح مدرسا. وتلك هي الحكمة التي كسبتها خلال معاناتها في حياة طويلة تتصف بالألم والجوع. فقد عامل المجتمع والدي على أنه غير مؤهل، وكان معارضا للوالدة. ولكن كنت أملها الأخير. وربما كانت أفضل طريقة للتفاهم والانسجام مع هذا المجتمع أن تجد وظيفة حكومية. ولكن بنظر أمي العمل مع الحكومة محفوف بالخطر وعدم الأمان. في النهاية انتسبت إلى كلية التعليم لأحقق لها رغباتها. وبعد ذلك اكتشفت أحلامي الأدبية، غير أنها لم تكن مهمة للغاية. أحببت الكتابة حينما كنت شابا لأنها طريقة للهرب من واقع مؤلم، وحتى الآن الحياة بعيدا في الريف، والتعليم في مدرسة متوسطة ليس لها اسم، طريقة أيضا للابتعاد عن الواقع بما فيه الكفاية. أحببت الكتابة في شبابي بسبب ذلك. وأمي، التي أملت أن يكون ابنها مدرسا، غادرت هذا العالم في الربيع الذي انتسبت فيه إلى الجامعة. في تلك الليلة، لم أتمكن من النوم بسهولة. فكرت بقرية الجبل الصغير التي غادرتها. وتذكرت المشاهد المألوفة وأنا على متن حافلة المدينة: طاحونة بسقف من القصدير الصدئ، صالة البلدة المتواضعة بطلائها المقشور، ومنشرة الخشب وأكوام نشارة الخشب الحمراء في الباحة - وكلها يدفنها البرد المنهمر والكئيب وهي تنسحب وتختفي عن النظر. شعرت أن سيؤول غير حقيقية حينما كنت أعيش في القرية، والآن أشعر أن القرية تشبه مكانا بعيدا وغير حقيقي ولا يمكنني العودة إليه. كنت لا أزال سجينا في حقائق الماضي المؤلمة. فكرت بأختي، وبمكانها الذي لا أعرفه. لم أسمع منها منذ شهور. فقد عانيت من عذاب ألم المعدة أكثر من عشر سنوات. وكلما ازداد الألم، ازداد سوء حالها، كانت تترنح في الغرفة وتمزق ثيابها كما لو أنها تمر بنوبة. نوبة تتكرر عدة مرات في اليوم، ولكنها لم تذهب إلى المستشفى في أي حال، ولم تتناول الدواء. والشيء الوحيد الذي عالجت نفسها به كان صودا العجين. لم تكن عندي فكرة عن طريقة عمله، ولكن ساعدها ذلك المسحوق القوي بطريقة ما مؤقتا في قتل الألم، الذي دمر جدران معدتها. وعندما يبدأ الألم، تفتح والدتي غطاء العلبة وتصب ملء ملعقة من صودا العجين في فمها. لا زلت أتذكر تماما، وحتى الآن، صوت غطاء العلبة المعدني محكم الإغلاق، ووجه أمي المتجعد ومقطب الأسارير، بعينيها المغلقتين بإحكام، وهي تبلع صودا العجين الفظيع والمر.

في النهاية أصبح وجع المعدة ذاك سببا بموت أمي. في المستشفى، قال الطبيب، بعد مشاهدة صورها الشعاعية، أننا تأخرنا كثيرا وليس بيدنا شيء نفعله. قرحة بسيطة مهملة لفترة طويلة تحولت إلى سرطان معدة. وذكر الطبيب أن بقاءها على قيد الحياة حتى الآن معجزة تقريبا. وقبل رحيلها لبثت أمي طريحة الفراش شهرين.

وكان والدي، يوميا خلال آخر شهرين من معاناتها المؤلمة وصراعها المستميت في سبيل الحياة، يأتي مخمورا باستمرار، كما لو أنه قرر أن لا يكون متماسكا ولو دقيقة واحدة. كنت أشم رائحة شراب والدي وهو يستلقي نائما بعد أن يسقط مخمورا في زاوية غرفتنا الصغيرة، وكنت أسمع أصوات أنات أمي وهي تتسارع، فأصر بأسناني طيلة الليل وأنا أقسم لنفسي آلاف المرات أنني لن أغفر له.

فتح الباب في مركز الاعتقال، دخل حارس، يرافق سجينا. تقريبا لم أتعرف عليه. لم يكن يبدو من الممكن أن الرجل المرهق العجوز ببذة السجناء الفضفاضة الزرقاء وغير المناسبة، وبيديه المغلولتين أمامه، هو والدي. كان الرقم 32 مطبوعا على الجانب الأيسر من صدره. ولم يشاهدني حتى دفعه الحارس عمليا أمام الطاولة. توتر وجهه المتحجر من الدهشة، وبعد قليل قال: "أنت.... ماذا تفعل هنا؟".

أشار النائب العام للحارس أن يحرر يديه من الأغلال. ما أن أصبحتا حرتين، حتى جلس والدي. وبصعوبة قلت له: "كيف... كيف صحتك؟".

قال: "أمممم.. أنا على ما يرام".

لم تكن عندي فكرة عما سأقول فيما بعد. كانت وجنتاه مجوفتين، وله لحية نابتة، لم يتسن لها الحلاقة الملائمة منذ أسابيع، مما جعل وجهه يبدو أكبر وشديد الانحطاط والإرهاق. وكانت معنوياته تدعو للدهشة. كان هادئا وثابتا جدا وكأنه ليس ببذة السجن المهلهلة والنابية المنظر. وعوضا عن قوامه العادي المحدودب وغير المعتنى به، جلس الآن عمدا بصدر بارز للأمام وظهر مستقيم. وكانت رؤيته بخلاف شكله المعتاد أشبه بمشاهدة تمثيلية يؤديها ممثل رديء.

قال النائب ليكسر الصمت: "يا سيد كيم ابنك قلق جدا. ستمضي هنا سنوات. أليس الأفضل التفكير بأولادك عوضا عن شحنهم بالقلق؟". كان صوته ناعما، كما لو أنه ينصح طفلا، ولكنه لم يستر نبرة التقريع التي يستعملها في التحقيق مع مشبوه. ثم أضاف: "من فضلك أيها الحارس تظاهر أنك لم تشاهد هذا". وقدم لوالدي سيجارة. وقد يكون الاستئذان من الحارس تذكيرا بالبروتوكول، ولكن من ناحية أخرى يبدو وكأنه علامة على دماثة وكرم يتجاوزان استحقاق والدي السجين. غير أن والدي لم يظهر الكثير من الامتنان وهو يقبل السيجارة ويضعها بين شفتيه. قال النائب: "طلبت حضور ابنك بالذات. لماذا لا تقول ما أنت بحاجة للنطق به الآن؟ فقط أخبرنا بالحقيقة. أفصح عنها كلها. حتى لو أنها شيء لا يمكنك إخبارنا به، بمقدورك أن تذكرها لابنك، أليس كذلك؟".

لم ينطق والدي. اكتفى بنفخ دخان السيجارة في الصمت الكثيف.

تكلمت أولا وقلت: "كيف حدث هذا يا والدي بحق الجحيم؟".

استدار لينظر لي. وقال: “حصل فقط".

هذا كل ما قاله. لزمت الصمت. ولكن شعرت أيضا بشيء لا قبل لي بالتحكم به وهو يخرج مني. فقلت له: "أخبروني أنك متهم بالتجسس، ولكن أعتقد بوجود خطأ ما. إن توجب عليك الاعتراف لسبب ما ولأنك كنت تحت الضغط خلال الاستجواب، يمكنك أن تخبرني بكل شيء الآن. أعلم أنك لن تتورط بشيء مثل ذلك. يوجد هنا خطأ. خطأ كبير".

"خطأ؟. ليس هناك خطأ. لا شيء منه".

تكلم والدي بنفس نبرة الصوت. لم يرتبك، وتقريبا كان غاضبا.

"هل تقول إنك كنت بالفعل جاسوسا؟".

"كنت".

"حتى مع عدم توفر الدليل. كما ذكر لي النائب العام؟".

"لماذا لا يوجد دليل؟ كل شخص قبضوا عليه دليل".

"حتى ولو أكدوا أنك الوحيد غير المتورط. لماذا تصر على تحمل المسؤولية؟".

"ألا ترى أنهم يفعلون ذلك عمدا؟ أمكنهم رؤية مخرج لي، ويحاولون توفير الأمان لواحد منهم على الأقل".

خذلتني الكلمات. تبدل والدي بوضوح. لم أشاهده واثقا جدا ومتماسكا هكذا. نبرته وعيناه كانت لرجل مؤمن، ولدرجة تجعله جاهزا للشهادة والمعاناة في سبيل قضيته. ولكن بقدر ما يمكنني الإفصاح عنه كان هذا مدعاة للضحك والسخرية. نهضت عن مقعدي. واقتربت من كرسي والدي وأمسكت بيده قائلا: "والدي. بأي حق تفعل هذا بنفسك؟. يمكنك أن تخبرهم ببراءتك - والآن. سيطلب المدعي الرحمة لك في قضيتك. هل إخلاصك للآخرين ما يمنعك؟ إن لم يكن ذلك، ما هو السبب الممكن الآخر؟".

توسلت له، ممسكا بيده، ولكنه احتفظ بفمه مغلقا. في نفس الوقت كان الآخرون - المدعي، وسكرتيره، والحارس - يراقبوننا كمشاهدين باردين، غمرني الخجل الشديد لأنني أمثل مع والدي وأمامهم ما يبدو أنه كوميديا مثيرة للشفقة. أخيرا فتح والدي فمه ليتكلم قائلا: "أنت لا تعلم".

"لا أعلم ماذا؟".

"لا تعلم فحسب".

حينها قفزت من مكاني. لم يمكنني منع العاطفة التي نبعت في قلبي. وقلت: "لا أريد أن أعرف ما هي. ولا أن أعرف ما هي معتقداتك، ولكن هل هي مهمة فعلا؟. ألا تعتقد أنك تسببت بضرر وألم لعائلتك بما يكفي؟. لماذا علينا أن نمر بكل ذلك مجددا بسببك؟. من أجل إيديولوجيتك الرائعة؟. لا يمكنك أن تنسى كيف عاشت الأم كل حياتها لتموت شقية وبائسة. لماذا؟. لماذا على هوسيون أن يستعبدها المصنع - والآن عليها أن تهرب لتعيش؟. وتزعم الآن أنك تريدها أن تضع علامة على قفاها؟. ابنة الجاسوس؟. هل هذا ما تريد؟".

"أنا متأسف.. منك ومنها".

"أنت متأسف؟ لا أصدقك. لم تفكر ولو مرة بعائلتك. أنت أناني تماما. حتى الإيديولوجيا التي تدعي أنك تتبعها هي محض سراب لا علاقة له بحياتك. افعل ما يحلو لك. واتبع ما تميله عليك قناعاتك وتاريخك. هيا. كن جاسوسا، كن ما تشاء".

كانت ساقاي ترتجفان. شعرت بالدوار الشديد واعتقدت أنني أوشك على السقوط بمكاني. ولكن ما لم أحتمله هو العار. ما نوع هذا العار؟. جلس والدي هناك ببذة السجن الزرقاء، وأفضل ما أمكنني فعله بحضوره أن أتصرف بطريقة صبيانية. خجلت من نفسي وشعرت أنني أفضل ركل الباب وفتحه والإسراع بالخروج ركضا.

قال والدي بصوت خشن: "مجذومون... قد تعني الحمقى أو فقط الناس الذين أصابتهم لعنة الجذام. في الحالتين هم معزولون. خارج المجتمع ولا يمكنهم الاندماج مع الناس الطبيعيين أو الأصحاء...".

وتابع ببطء كأنه يلقي مونولوجا حواريا فقال: "بعد نهاية الحرب، فجأة ظهر الكثير من المجذومين. واعتدنا أن نعاملهم أسوأ من الحيوانات، وحاليا يحومون بجماعات في الأرياف والمدن. لماذا زاد عددهم فجأة كما حصل بعد الحرب، لا أعلم. ولكن أنا متأكد من أمر واحد - بينهم أشخاص اختاروا أن يكونوا مجذومين. إذا فكرت بذلك ستجد أنني واحد منهم...".

ثم صمت لحظة. كان لا يزال يحدق بالفراغ البعيد. وكان فيه نوع غريب من الكرامة التي تميز المنبوذين. ولسبب ما كلما واصل ذلك زاد قلقي منه. ثم تابع كلامه: "في الأيام الماضية كنا نقاتل من أجل الثورة. ثم اندلعت الحرب. وفي النهاية خسر الحزب. وفشلت الثورة. وتهالك التنظيم وتشتت. إلى أين ذهب كل أولئك وماذا جرى لهم لاحقا؟. هل أصبحوا حزبيين وماتوا جمبعا في المقاومة - كلهم حتى آخر فرد منهم؟. إن توجب علينا خدمة الإيديولوجيا التي آمنا بها، كان المفروض أن ننتظر وندخل في قتال طويل جدا ونجهز للثورة ونحن أحياء. ولكن لم أتمكن من فعل ذلك. ولم أنجح بجني النقود الكثيرة أو توفير حياة مريحة لعائلتي في هذا النظام. لم أتمكن من هذا، لم أتمكن من ذاك... وانتهيت لأعيش حياة مجذوم...".

صمت ثانية وأطلق زفرة عميقة. وقال: "كم بقي لي لأعيش؟ أعلم أن ما فعلت أمر مقلق لكم جميعا... ولكن عقدت العزم. أن لا أموت في أيامي الأخيرة وأنا مجذوم. هذا كل ما يجب أن أقوله".

لم يفتح فمه ثانية. وهكذا بقيت الغرفة تحت صمت ثقيل متسلط.

قلت له: "إ- إذا هذا قولك؟. تريد أن لا تكون مجذوما؟ بتجريمك بتهمة التجسس؟ هل هذه طريقتك للتهرب من حياة المجذوم؟ هل تعتقد أنها الطريقة الوحيدة للشفاء من علل الماضي؟ ولكن ما معنى هذا؟ هل سيغير أي شيء من ماضيك؟ أليست محاولة غبية تتنكر بها لكل حياتك؟ أعتقد أنه جنون واضح. أنت تتحول لنوع آخر من المجذومين".

وفجأة قطعت ثرثرتي. لم أصدق حين رأيت الدموع تسيل على وجه والدي. كان لا يزال يحدق بالفراغ البعيد، ووجهه متجعد ومنهك. لم يسعني قول شيء آخر. عوضا عن ذلك شعرت بما يشبه كتلة من الأحزان توشك على الانفجار والخروج من حنجرتي المتقلصة. انهرت على الكرسي كما لو أن قوة جسمي انسحبت منه. لم ينطق والدي بكلمة. غادرت الغرفة. لا بد كان لدى المدعي المزيد من الأسئلة ليوجهها له. طلب مني أن أنصرف أولا. وتوجب علي أن أغادر مركز التوقيف وحدي. قبل أن أغادر كان بإمكاني التوسل للنائب أن ينظر بقضية والدي، ولكن فضلت أن أمعن التفكير. كان والدي في السجن بتهمة التجسس، تهمة هو بريء منها. ولكن في النهاية لم أستطع أن أقول أن هذا لن يزيد من درجة البؤس التي وصل إليها. ما أن اقتربت وحدي من البوابة الرئيسية، توقفت والتفت. أنفقت فترة طويلة أنظر إلى الجدران المرتفعة بلونها الفضي المتجانس، وإلى برج المراقبة والكتل العملاقة واللمعان البارد الآتي من القمم المغطاة بالثلج من جبل إنوانغسان في الخلف. ثم تابعت المشي. ثم توقفت فجأة. بلغني همهمات ودمدمة، وزمجرة من بين أسنان مطبقة، شخص كان يصيح بأعلى صوته - كل أنواع الأصوات، كلها اندمجت معا، وجاءت تزمجر ورائي مثل أمواج متلاطمة. ولكنها كانت هلوسة لحظية. عندما نظرت إلى الخلف، كان المبنى الضخم لا يزال مدفونا بالصمت، مثل ضريح. ببطء تابعت نحو المخرج الذي أشاهده من بعيد.

***

....................

* ترجمها عن الكورية هاينز إنسو فينكل Heinz Insu Fenkl

* لي شانغ دونغ Lee Chang-dong: مخرج أفلام وكاتب قصص من كوريا الجنوبية. من مؤلفاته: يوم مثلج وقصص أخرى. القصة منشورة في نيويوركير. عدد 22 كانون الثاني 2024.

 

في نصوص اليوم