أقلام ثقافية
شمس الدين العوني: النظري والجمالي الابداعي في تجربة الفنانة د. ضحى علية
التداخلات بين الممارسات الفنية.. تهجين التقنيات التقليدية والتكنولوجيات الحديثة
تجربة فنية فريدة تبرز هوية ضحى علية البصرية
تُعدّ الفنون التشكيلية مجالًا للإبداع والبحث، قائمًا على تساؤلات متصلة بالذات والهوية. فهي تنبني على مقاربة استكشافية تهدف إلى النفاذ إلى جوهر الأشياء، والكشف عمّا هو كامن في الرؤية الداخلية للفنان، بين الإدراك والخيال وتأويل الواقع. وتقوم هذه المقاربة على قراءة تحليلية للعالم، بعناصره وأشيائه، بما يبرز خصوصياتها الطبيعية والجمالية الحاملة للمعنى والقيمة والدلالة.
وعليه، يتجلّى الفن بوصفه وسيطًا تعبيريًا وتأويليًا ينفتح على عوالم من الدهشة والمعنى، ويؤسس لحقل من الإمكانات المتعددة. كما يتجسّد من خلال صيغ إبداعية وتشكيلية نابعة من رؤية فنية خاصة، قوامها الإدراك الحسي والتأمل الباطني، أي رؤية العين الداخلية لا مجرد الرؤية البصرية الظاهرة.
تظهر التجربة كعنصر حيوي وديناميكي في الذات الفنية للفنانة ضحى علية الدكتورة والباحثة في تكنولوجيات الفن والتي تدرس بالمعهد العالي للفنون والحرف بمدينة سليانة ، موجهة إياها نحو آفاق الخيال والابتكار. هذا المسار يتضمن مراحل بحث دقيقة، تقوم خلالها الفنانة باستكشاف هياكل جمالية في تطور مستمر، مع توظيف سرديات متعددة ومتنوعة. ولا يقتصر هذا النهج التجريبي على الاستكشاف الشكلي فحسب، بل يشمل أيضًا تأملًا عميقًا في العلاقات بين الإرث الفني، والإدراك الشخصي، والحداثة التكنولوجية، مما يؤدي إلى ظهور أشكال جديدة من اللغة البصرية.
وفي هذا السياق، تُعد تجربة الفنانة والدكتورة ضحى علية مثالًا واضحًا. تهدف منهجيتها الجمالية إلى تطوير تعبيرية فنية فريدة، تتجاوز مجرد الإتقان التقني لتسائل وتعيد تعريف الحدود بين التقليد والابتكار. وتبرز هذه التجربة الإمكانات الكامنة في التزاوج بين التقنيات التقليدية، مثل التصوير الفوتوغرافي والرسم، والابتكارات التكنولوجية، بما في ذلك الفنون الرقمية والذكاء الاصطناعي. وتتيح هذه العملية التهجينية إنتاج أعمال متجذرة بعمق في المهارات التقليدية وفي الوقت ذاته متجهة نحو أشكال جديدة من الإدراك والتجربة الفنية.
علاوة على ذلك، يفتح هذا النهج مساحة للحوار بين الفنانة والوسائل التقنية المتاحة، موضحًا كيف يمكن للتكنولوجيا أن تعزز وتوسع الإبداع التقليدي دون أن تحل محله. وبذلك، يبرهن الفن المعاصر على قدرته على خلق تجارب جمالية جديدة، حيث يصبح استكشاف الخفي والكامن والمحتمل محورًا أساسيًا، وتتحول كل عمل فني إلى فضاء لقاء بين الخيال والابتكار والذاكرة الفنية.
منذ طفولتها، أظهرت ضحى علية شغفها تجاه الفن. كانت مفتونة بالألوان والأشكال والتعبير الإبداعي، في سن الثامنة عشرة، حققت هذه الشغف من خلال إطلاق مشروعها الفني الأول، وهو لحظة محورية أكدت دعوتها للفن. مقتنعة بأن الفن يحتاج إلى معرفة راسخة، اختارت بعد ذلك متابعة دراسات أكاديمية في الفنون الجميلة، لتطوير مهاراتها وتوسيع آفاقها الإبداعية. ومنذ ذلك الحين، يعكس كل مشروع تقوم به حسها الشخصي
يمتاز مسار الفنانة ضحى بروح البحث والفضول والابتكار، حيث يتغذى الفن والإبداع من التفاعل المستمر بين شغفها الفني العميق وخبرتها الأكاديمية الواسعة. منذ عام 2005 وحتى يناير 2026، شاركت ضحى في العديد من النشاطات الفنية وقدمت عدة معارض شخصية وجماعية، مؤكدة حضورها في المشهد الفني المحلي والدولي.
من بين أبرز مشاريعها معرض "صمود"، الذي يعكس قدرتها على الجمع بين التعبير الشخصي والانخراط الاجتماعي والسياسي. في هذا المشروع، استخدمت ضحى تقنيات متعددة تجمع بين التصوير الفوتوغرافي والتقنيات الحديثة إلى جانب استغلالها للذاتية في صورها الذاتية للتعبير عن معاناتها الداخلية أمام مشاهد الإبادة الجماعية، مقدمةً تجربة بصرية وعاطفية قوية للمشاهد. ويشكل هذا الحوار بين الخصوصية والذاكرة الجمعية الخط الفاصل في أعمالها، حيث تصبح كل لوحة جسرًا بين العاطفة والتفكير.
بالإضافة إلى معارضها الشخصية، عُرضت أعمال ضحى في فعاليات دولية، مثل مشاركتها في تركيا وفي رواق باريس ضمن معرض "إشراقة تونسية"،2026 ما عزز حضورها واعتراف الوسط الفني الدولي بها.
كما يتميز مسارها بانخراطها القوي في البحث الأكاديمي والفني، حيث تشارك في مشاريع علمية وتدير ورشًا فنية، ساعية دائمًا إلى خلق جسور بين الابتكار التقني والتعبير الفني. وهكذا، تجسد ضحى توازنًا رفيعًا بين الحس الفني والإتقان التقني والانخراط الفكري، وهو ما ينعكس في جميع مشاريعها، سواء كانت فردية أو جماعية، فنية أو أكاديمية.
***
شمس الدين العوني







