أقلام ثقافية
احمد عابر: اول الحزن.. حين يظهر الاثر قبل ان يبرد الفعل
رسم هذه اللوحة الفنان الفرنسي ويليام ادولف بوغيرو عام 1888، وهو احد ابرز رموز الرسم الاكاديمي الفرنسي في القرن التاسع عشر، المعروف بمعالجته الهادئة للموضوعات الانسانية الوجودية. لا يندفع بوغيرو نحو الدراما الصاخبة، بل يتوقف عند لحظة ما بعدها، عند الصمت الذي يعقب الفاجعة، حيث يبدأ المعنى في التشكل.
ليست كل بداية ولادة، فبعض البدايات كانت جرحا. هكذا يمكن قراءة لوحة اول الحزن، لا بوصفها مشهدا تاريخيا بعيدا، بل بوصفها لحظة تاسيسية في وعي الانسان بنفسه وبحدوده.
في هذه اللوحة لا نرى الجريمة، بل ما بعدها. لا يد الفاعل، بل جسد الضحية. لا لحظة الفعل، بل زمن العاقبة. الزمن الذي يواجه فيه الانسان، للمرة الاولى، ما لم يكن في حسابه: الموت، والفقد، والعجز، والندم الذي لا يعيد شيئا، ولا يعيد ما كان كما كان.
الاب جالس، يحتضن جسد ابنه لا بقوة، بل بتردد. كأن الذراعين فقدتا معناهما. الابوة، التي كانت اسما للقوة والحماية، لم تعد قادرة على الفعل. والام تنحني في صمت. لا صراخ ولا احتجاج، بل دهشة موجعة امام عالم خرج فجاة عن انتظامه الاول، وامام حقيقة لم تكن معروفة من قبل: ان بعض الاشياء، حين تقع، لا يمكن اصلاحها.
هذه ليست لوحة عن الموت فقط، بل عن انهيار وهم السيطرة. الخطا هنا ليس مجرد فعل عنيف، بل الاعتقاد بان الفعل يمكن التحكم بمصيره. منذ هذه اللحظة ينتقل المشهد من اطار الحدث الى اطار التجربة الانسانية العامة. لا تعود الاسئلة اسئلة ادانة او تبرير، بل اسئلة وعي، وعاقبة، وتحول داخلي. هنا تظهر الحرية، لا كقدرة على الاختيار فحسب، بل كمسؤولية عما يترتب عليه.
بوغيرو لا يضخم الماساة. باسلوبه الاكاديمي الهادئ، يجعل الاجساد مصقولة، والضوء محسوبا، والجمال متقنا. غير ان هذا الاتقان لا يخفف الحزن، بل يضاعفه. كأن اللوحة تقول: حتى في اعلى درجات النظام، يبقى الموت فوضويا، عصيا على التهذيب.
هذا هو اول الحزن، لانه اول مرة يدرك فيها الانسان انه ليس مركز الحكاية. هنا، في هذا المشهد الصامت، يحتل جسد صغير اللوحة كلها، اثقل من التاريخ ذاته. لا بوصفه موتا فقط، بل بوصفه علامة على اللاعودة.
هنا لا يكون الندم دمعة عابرة، بل تحولا داخليا عميقا. وفي هذا المعنى يعرّف ابو حامد الغزالي الندم، في احياء علوم الدين (كتاب التوبة)، بانه توجع القلب عند شعوره بفوات المحبوب، ويذكر ان علامته طول الحسرة والحزن، وانسكاب الدمع، وطول البكاء والفكر. فالندم الحقيقي ليس مشهدا عاطفيا، بل حالة وعي تستقر في القلب وتغير علاقة الانسان بفعله ومعناه.
في حياتنا اليومية نعيش هذا المعنى بصور اخرى. نتصرف احيانا كما لو ان كل شيء قابل للاصلاح، وكأن الاعتذار يعيد الزمن، وكأن النية الطيبة تمحو الاثر. غير ان التجربة تعلمنا ان بعض الافعال، حين تترك اثرها، لا يمكن محوه، بل يمكن فقط تحمله. وهنا، بالضبط، تخرج اللوحة من اطارها الفني الى الحياة، وتتحول الى مرآة لتجاربنا اليومية مع الخطا، والفقد، والنتائج التي لا يمكن التراجع عنها.
اللوحة لا تمنح عزاء جاهزا، ولا تعد بخلاص سريع. لا نور في الافق، ولا وعد مباشرا. فقط انسان يكتشف ثقل الفعل. ولهذا تبدو معاصرة. فنحن نعيش زمن النتائج، لا زمن الافعال وحدها.
اول الحزن ليس حدثا قديما، بل حالة متكررة. كل فقد لا تفسير له، وكل ظلم لا يمكن اصلاحه، يعيدنا الى تلك الجلسة الصامتة امام ما لا يملك الانسان حياله الا الاعتراف.
وفي هذا الاعتراف يتكشف العجز، لا بوصفه ضعفا، بل معرفة مؤسسة. وقد عبر عن هذا المعنى بدقة ابن القيم في مدارج السالكين حين قال: من عرف نفسه بالضعف عرف ربه بالقوة، ومن عرفها بالعجز عرف ربه بالقدرة. فالعجز هنا ليس نهاية الطريق، بل بداية رؤية اقل وهما واكثر صدقا، رؤية يتحول فيها الانسان من وهم التحكم الى تحمل المسؤولية.
من هذا الحزن يولد الضمير. ومن هذا العجز تنشأ المسؤولية. لا لان الانسان صار خيرا فجاة، بل لانه صار اقل ادعاء. كأن مسار التجربة يتضح هكذا: الانكسار يوقظ، والتكوين يثبت، ثم تاتي المسؤولية بوصفها الاثر الاكثر نضجا لثقل الفعل.
لهذا تبقى اللوحة حية. لانها لا تعلمنا كيف نتجنب الخطا، بل كيف نعيش بعده.
***
د. احمد عابر






