أقلام ثقافية
احمد عابر: طوف الميدوزا بين المواقف والمخاطبات
«يا عبد قف بين يدي وحدك لا بعلم ولا بعمل ولا برؤية…»
محمد بن عبد الجبار النفري
كتاب المواقف والمخاطبات (المخاطبة الاولى)
بهذا النداء العاري يبدأ النفري لا بوصف ولا بشرح بل بايقاف الانسان في موضع لا يملك فيه سندا. الوقوف هنا ليس مكانا بل حالة تجرد من المعرفة بوصفها ضمانا ومن العمل بوصفه نجاة ومن الرؤية بوصفها طمأنينة. هذا الافق هو مفتاح النظر الى لوحة طوف الميدوزا لا باعتبارها حادثة بحرية بل باعتبارها موقفا بالمعنى النفري للكلمة. النظر الى النفري يقودنا اولا الى مدينته نفر (نيبور) عاصمة العبادة في ارض الرافدين حيث تداخل المقدس بالحياة اليومية وحيث تعلم الانسان منذ اقدم العصور ان يقف امام قوى اكبر منه، الالهة، الطبيعة، و المصير. من تلك الارض التي عرفت اول التقاويم الزراعية واقدم النصوص الطقسية خرج صوت النفري لا ليبني نسقا بل ليكسره بشرحه المواقف. كأن المدينة التي تعلمت الحساب والقياس انجبت رجلا قال حين تتسع الرؤية تضيق العبارة.
وعلى مسافة قرون وجغرافيا يقف طوف خشبي فوق بحر لا يعد بشيء. رسم تيودور جيريكو هذه اللوحة في مطلع القرن التاسع عشر مستلهما حادثة غرق الفرقاطة الفرنسية ميدوزا سنة ١٨١٦، حين ترك اكثر من مئة انسان على طوف بدائي مات معظمهم جوعا وعطشا واقتتالا. لكن جيريكو لم يختر لحظة الغرق ولا لحظة النجاة بل اختار اللحظة الاشد قسوة لحظة رؤية السفينة في الافق دون يقين. هنا لا بطولة مكتملة ولا خلاص مضمون بل اجساد مرهقة تتراوح بين الاستسلام والالتزام الاخير بالفعل.
المشهد مشدود بين هرمين هرم الموت في المقدمة حيث الاجساد الساكنة وهرم الرجاء في الاعلى حيث ذراع مرفوعة نحو الافق. غير ان الرجاء هنا ليس وعدا بل احتمال. الطبيعة نفسها غير متعاطفة شمس حارقة بحر مضطرب سماء خانقة. كأن الكون يقول ببرود افعلوا ما شئتم فالنتيجة ليست في ايديكم.
من هذا الموضع يمكن استدعاء قول ابي حامد الغزالي «اعلم ان مفتاح معرفة الله تعالى هو معرفة النفس». على الطوف تنتزع النفس من كل زينة اجتماعية لا القاب ولا ادوار ولا اخلاق مؤطرة سلفا. يبقى الانسان مع نفسه عاريا في مواجهة سؤال بسيط ومفزع هل اتحرك ام اترك نفسي للموت. هنا تتحقق معرفة النفس لا بالتأمل الهادئ بل بالانكشاف القاسي. ليست المعرفة نظرا بل تجربة حدية يكتشف فيها الانسان ما الذي يبقى منه حين تسقط الضمانات. العمل هنا لا يقاس بنتيجته بل بنيته فالفعل لا يؤدى طلبا لثمرة بل استجابة لضرورة داخلية.
ثم يأتي صوت محيي الدين بن عربي بقوله «الصمت على قسمين صمت باللسان وصمت بالقلب». في اللوحة تتجاور هذه الاصناف من الصمت صمت الموتى حيث سكت الجسد والقلب وصمت الاحياء المرهقين حيث سكت اللسان وبقي القلب معلقا بالافق وصمت ثالث اعمق صمت الانتظار حيث يتجرد الفعل من الكلام ويصير الجسد نفسه دعاء ممدودا نحو البعيد. هذا الصمت ليس فراغا بل امتلاء لا تحتمله العبارة.
اما الجنيد البغدادي فيختصر حال هؤلاء بقوله «الصبر تجرع المرارة من غير تعبيس». لا شيء في اللوحة يوحي بالرضا ولا شيء فيها يدعي السكينة. ومع ذلك لا نرى استسلاما كاملا. الاجساد المنهكة ما زالت تتماسك والذراع المرفوعة لا تزال ترتجف لا لانها واثقة بل لانها ترفض ان تكون ساكنة. هذا هو الصبر الجنيدي لا تزييف للالم ولا ادعاء للطمأنينة بل احتمال المرارة دون انكارها.
غير ان هذه القراءة لا ينبغي ان تنقي المعاناة اكثر مما تحتمل. الفعل بلا ضمان ليس بطولة رومانسية دائما.
هنا تكمن انسانية المشهد ليس كل من لوح نجا وليس كل من صبر احتمل حتى النهاية. اللوحة لا تعد بالخلاص لكنها تشهد على لحظة التزام اخيرة بالفعل حتى حين يصبح الفعل نفسه عبئا.
وهكذا نعود الى النفري لا بوصفه خاتمة بل بوصفه اطارا كاملا للتجربة. اولئك الواقفون على الطوف هم صورة بصرية لقوله «قف بين يدي وحدك». وحدك بلا علم ينقذك وبلا عمل يعصمك وبلا رؤية تطمئنك.
***
د. احمد عابر







