عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

صادق السامرائي: أدونيس وشكل النص الشعري!!

شكل: صياغة العمل الفني وبناؤه اللفظي، هيئته

الشاعر المفكر أدونيس يطرح الكثير من الأفكار الإبداعية التنويرية النادرة وأتابعه دائما، وهذا لا يعني الإقتناع بكل ما يطرحه، وأروع ما فيه أنه يثير أسئلة تريد أجوبة معاصرة. ومن طروحاته كما فهمتها أن القصيدة تصنع شكلها، فلكل قصيدة شكل تنفرد به، ولا قيمة لها إذا تشبثت بمعنى الشعر وفقا لمنطلقات الفراهيدي العروضية.

سأقترب من الموضوع بأفكار ربما تبدو متناثرة!!

نعم لكل إبداع شكله، كما لكل مخلوق شكله، لكن الجوهر الأساسي واحد.

فنظام الخلق واحد وإن تعددت الأشكال، ولا يوجد مخلوق في الكون يشذ عن الجوهر الأساسي للخلق.

البشر مؤلف من أعضاء وأجهزة متفاعلة مع بعضها لتقدم لنا إنسانا بدم ولحم وعظم وروح.

لكن هل وجدت شخصا يشبه آخر بالتمام والكمال، حتى في توائم البيضة الواحدة، وهذا ينطبق على جميع الموجودات الكونبة جامدة وحية.

كل شيئ في الكون لبناته من العناصر الموجودة في الجدول الدوري لمندليف؟

إذا إفترضنا الإبداع نشاط خلق سائب فلن يدوم لأنه يناقض نواميس الأكوان، التي فيها كل شيئ موجود بحسبان ونظام دقيق البنيان، حتى أبسط حشرة لها جهازها التنفسي والهضمي وترى وتسمع وفي رأسها دماغ يوجهها

نعم الحشرات لها أشكالها لكن مفردات خلقها راسخة وذات أساس متين، فالنظام الذي يتوطننا ذاته موجود في الحشرة.

فكيف لنا الإعتداء على نواميس كون إنفجاري دوّار؟

الوجود محتوى والأشكال فيه تحصيل حاصل، وليست هدفا بذاته، فالفكرة هي الجوهر، ولكل عصر أفكاره وتحدياته، ومن الأصلح أن نناقش فكرة القصيدة لا شكلها، فالشكل قد يهين المحتوى.

الإبداع مولود من رحم الدوران، وينتفي بدونه، لأن كل شيئ سيموت لو توقفت الأرض عن حركتها الدورانية لبضعة ساعات.

قد يتساءل القارئ، ما علاقة ما تقول بالشكل الإبداعي، والحقيقة الغائبة أن الوجود بأسره كيان واحد، ويرتكز على منطلقات ثابتة تشترك فيها كافة المخلوقات، وأي إنحراف يعني الإنتهاء، لأن الموجود لكي يبقى عليه أن يتوافق مع المنظومة الكونية الدائبة الدوران.

تخطيط القلب السليم متشابه في جميع البشر، لكن أشكالهم مختلفة.

الفراهيدي لم يخترع علم العروض وإنما إكتشفه، وهو تعبير عن نبضات الأعماق البشرية، فكل عضو أو جهاز في أبداننا له إيقاعه المنتظم، وأي إضطراب فيه يتسبب بتداعيات خطيرة، فلو إضطربت ضربات القلب وتغيرت معالم تخطيطه، لأنذرنا بوجود أزمة ما.

إن الدعوة للتحرر من الإيقاع التعبيري المنتظم عما في دواخلنا، أشبه بالمناداة بإيقاف نبض القلوب.

إن نبضات الأعضاء البشرية متناسقة ومنسجمة، وهي التي أوجدت علم العروض، والفراهيدي أخرجه من خلف أستاره، وبينه لنا بوضوح.

فما قيمة أي نص شعري إذا تحرر من إيقاع دواخلنا النابضة بالحياة، والمنسجمة مع هارمونية الكون الفسيح المتسع؟

ربما علينا مراجعة مفاهيم الحداثة وإدراك أنها تولد من رحم الأصيل، ولا يمكنها أن تعيش دخيلة كالأدغال في مرج جميل.

واحدٌ أصلُ وجودٍ واحدُ

نَبْضُهُ فينا مُقيمٌ خالدُ

كُلّنا أبْناءُ قدْحٍ المُنتهى

فوقَ عرشٍ وعُروشٍ يَصْعدُ

جوهرٌ يَرقى وشكلٌ قد أتى

مُطلقاً يَسْعى فيُبْلى الجاحِدُ

***

د. صادق السامرائي