أقلام ثقافية
احمد عابر: جماليات الفاجعة.. الفن والذاكرة في ليلة الغرباء
آنذاك
بردت الشمس
وغابت البركة عن الأرض
وجف العشب في الصحارى
وجفت الأسماك في البحار
وصار التراب بعد ذلك
يرفض أن يحتضن موتاه
وكان الليل في جميع النوافذ الشاحبة
مثل تصور غامض
يتكاثف ويطغى باستمرار.
فروغ فرخزاد من قصيدة آيات ارضية-ترجمة من الفارسية
بهذه الصور الشعرية الكثيفة ترسم فروغ فرخزاد مشهدا كونيا للفجيعة، حيث لا يقتصر الحزن على الإنسان وحده، بل يمتد إلى الطبيعة كلها، فتختل موازين العالم وتدخل الأرض في حداد عميق. هذه الرؤية الكونية للفاجعة تفتح بابا لفهم مأساة كربلاء بوصفها حدثا يتجاوز حدود التاريخ ليصبح تجربة إنسانية و روحية عميقة.
هذا الشعور ذاته يتجسد بصريا في لوحة "ليلة الغرباء" للفنان الإيراني محمود فرشجيان. فاللوحة لا تكتفي بتصوير واقعة تاريخية، بل تحول مأساة كربلاء إلى لغة تشكيلية تنبض بالحزن والرهبة والسمو الروحي في آن واحد.
تصور اللوحة ليلة الحادي عشر من محرم، حين بقيت نساء وأطفال آل البيت وحدهم في صحراء كربلاء بعد استشهاد الإمام الحسين وأصحابه.
في مركز اللوحة تتجمع مجموعة من النساء والأطفال في حالة من الذهول والفق. الوجوه مغطاة أو خافية، وكأن الفنان لا يريد تصوير أفراد بعينهم بقدر ما يريد التعبير عن حزن جماعي يتجاوز الأشخاص إلى معنى إنساني أوسع.
في أعلى المشهد تتصاعد النيران من الخيام المحترقة بلون برتقالي حاد، يتناقض مع الظلال الزرقاء والخضراء التي تغمر بقية اللوحة. هذا التباين اللوني لا يؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يخلق توترا عاطفيا يعكس عمق المأساة. حتى الأشجار تبدو منحنية وكأن الطبيعة نفسها تشارك في هذا المأتم.
ومع ذلك فإن اللوحة لا تقتصر على تصوير الحزن وحده. ففي هيئة النساء شيء من الجلال والوقار، وفي الأيدي المرفوعة نحو السماء معنى الرجاء والدعاء. فالمشهد يجمع بين الألم والسمو في لحظة واحدة، بين الفاجعة الأرضية والالتفات نحو الغيب.
هذا البعد الروحي في اللوحة يقودنا إلى تأملات في طبيعة الحزن والذاكرة.
فقد ابن عربي معنى الحزن حين رأى أن الحزن لا يكون إلا على فائت، وأن الفائت لا يعود بعينه، لكنه يعود بمعناه كلما استدعته الذاكرة. وعندئذ يتجدد الشعور بالفقد في القلب، لا لأن الحدث عاد، بل لأن معناه عاد إلى الوجدان.
بهذا المعنى يمكن النظر إلى لوحة فرشجيان بوصفها استحضارا لجوهر تلك اللحظة التاريخية. فهي لا تعيد الحدث كما وقع، بل تستدعي روحه ومعناه الذي يتكرر في الذاكرة الجمعية كلما استعيدت المأساة. وهكذا يصبح الفن وسيلة لإحياء الفائت، لا بإعادته في الزمن، بل بجعله حاضرا في الشعور الإنساني.
كما أن حالة الحيرة التي تعقب الفقدان الكبير تظهر بوضوح في تكوين اللوحة. فالشخصيات تبدو وكأنها تبحث عن اتجاه: هل تتجه نحو السماء أم نحو الخيام المحترقة أم نحو الصحراء الممتدة حولها؟ هذه الحيرة الوجودية ليست مجرد ارتباك، بل هي لحظة من لحظات المواجهة العميقة مع الفقدان، حين يجد الإنسان نفسه واقفا بين الألم والإيمان.
ومن زاوية أخرى يمكن قراءة اللوحة في ضوء تأملات أبي حامد الغزالي في معنى الصبر. فقد رأى الغزالي أن الصبر الجميل لا يعني غياب الألم، بل يعني أن يبقى القلب متعلقا بالله حتى وهو يعيش مقتضى البشرية من الحزن والبكاء. فالبكاء ليس نقيض الصبر، بل أحد تعبيراته الإنسانية.
هذا المعنى يتجلى في اللوحة بوضوح. فالنساء يتوجعن، لكن المشهد لا يوحي بالانهيار. هناك شموخ خفي في الوقفة، وكرامة في الحزن نفسه. فالمأساة هنا ليست مجرد خسارة بشرية، بل تجربة روحية يتحول فيها الألم إلى طريق من طرق المعنى.
ومن هذا المنظور تتحول النيران المشتعلة في الخيام من رمز للدمار وحده إلى علامة على التحول. فكما يولد الضوء من قلب النار، يولد المعنى من قلب البلاء. وهكذا لا ترسم اللوحة الهزيمة، بل ترسم لحظة إنسانية يتجلى فيها الألم والرجاء في آن واحد.
وفي النهاية نعود إلى قصيدة فروغ فرخزاد التي صورت عالما بردت فيه الشمس وجفت الحياة. غير أن هذا الليل الكثيف لا يلغي إمكانية الفجر. وكذلك في لوحة فرشجيان، حيث يجتمع الدمع والرجاء في مشهد واحد: خيام محترقة، وأيد مرفوعة بالدعاء، ووجوه خافية تحمل حزنا يتجاوز الزمن.
وهكذا يلتقي الشعر والفن والتأمل ليقدموا قراءة متعددة الأبعاد لليلة الغرباء. فهي ليست مجرد ليلة من التاريخ، بل لحظة إنسانية عميقة يتجسد فيها الحزن والرجاء والحيرة والصبر، ويقف فيها الإنسان وحيدا أمام الفاجعة، لكنه يقف وهو يتجه بقلبه نحو عالم الغيب.
ويبقى بعد تأمل هذه اللوحة عدد من الأسئلة مفتوحا أمام القارئ:
هل يستدعي الفن ذكرى الألم فقط، أم أنه يحول تلك الذاكرة نفسها إلى معنى روحي يجعل الفاجعة طريقا إلى نور لا ينطفئ؟
وهل يعيد الفن تمثيل المأساة كما وقعت، أم أنه يكشف عن معناها العميق الذي لا يظهر في التاريخ وحده؟
ثم هل يمكن للذاكرة الجمالية أن تحول الحزن الإنساني إلى طاقة روحية تبقي المعنى حيا في وجدان الأجيال؟
***
د احمد عابر







