عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

احمد عابر: الثالث من مايو.. حين يُقتل الجسد وتبقى الروح

"لا تخش الذين يقتلون الجسد، ولكن اخش الذين يقتلون الروح"... من رواية البوساء ل فيكتور هوغو

بهذه الكلمات يضع فيكتور هوغو على لسان الاسقف ميرييل في رواية البؤساء خلاصة رؤية اخلاقية عميقة، تميز بين نوعين من القوة: قوة تنال من الجسد فتفنيه، وقوة تنال من الروح فتطمس معناها. ليست الاولى هي الاخطر، لان الموت الجسدي قدر كل حي، اما الثانية فهي التي تصيب جوهر الانسان، فتفقده القدرة على الحب والرحمة والعدل.

بهذا المعنى يعيد ميرييل تعريف الخوف، فلا ينبغي ان نخاف من نهاية الحياة، بل من انطفاء المعنى داخلها. فالقتل الحقيقي ليس انهاء الجسد، بل اخماد الانسانية في الانسان، سواء في نفسه او في غيره. وهنا يصبح الخوف معيارا اخلاقيا: ان تخشى ان تتحول الى قاتل للروح، لا ان تكون ضحية للموت.

في لوحة الثالث من مايو ١٨٠٨ للرسام فرانسيسكو غويا، يتجسد هذا المعنى في صورة بصرية صادمة. يقف رجل في مركز المشهد، مرتديا قميصا ابيض وبنطالا اصفر، رافعا ذراعيه في هيئة تستدعي الصليب. امامه صف من الجنود الفرنسيين، متراصين في انتظام صارم، يوجهون بنادقهم نحوه. يضيء فانوس موضوع على الارض المشهد من الاسفل، فيكشف الجسد الممدد للرجل ويجعله بؤرة الضوء، بينما تغرق الخلفية في ظلام كثيف.

حول الرجل جثث من سبقوه، ووجوه مذعورة، واجساد تنحني او تتوارى. وعلى النقيض، تبدو وجوه الجنود غائبة، مخفية خلف البنادق، كأنهم ليسوا افرادا بل آلة واحدة. تتكرر البنادق في خط صارم، في ايقاع ميكانيكي يوحي بان العنف هنا ليس فعلا انسانيا، بل اجراء مجردا من الشعور.

هذا التباين ليس بصريا فحسب، بل اخلاقي ايضا. فالضحايا افراد، لكل منهم خوفه وملامحه، اما الجنود فهم كتلة بلا وجوه، بلا فردية، وبلا تردد. وهنا تتجلى مفارقة عميقة: من يطلق النار يبدو اقل حضورا انسانيا ممن يقتل.

رسم غويا هذه اللوحة بين عامي ١٨١٤-١٨١٥، بعد احداث الانتفاضة الاسبانية ضد قوات نابليون بونابرت. ففي الثاني من مايو ١٨٠٨ اندلعت المقاومة الشعبية في مدريد، وقمعت بعنف، ثم اعدم في اليوم التالي عشرات المدنيين بالرصاص خارج المدينة. لكن غويا لا يرسم حدثا تاريخيا بوصفه انتصارا او هزيمة، بل يقدمه كتجربة انسانية مكثفة، لحظة ينكشف فيها العنف في صورته العارية، لا كفعل حرب بل كفعل قتل منظم منزوع الرحمة. لذلك لم تكن اللوحة خطابا وطنيا تقليديا، بل شهادة اخلاقية ربما كانت صادمة الى درجة انها لم تعرض في حياته.

في قراءة اعمق يمكن ان نجد صدى لهذا المشهد في قول محيي الدين بن عربي: القتل ليس في قتل الجسد، انما القتل في قتل المعرفة بالله، فمن عرف الله لم يضره قتل الجسد.

هذا القول لا ينفي الموت، بل يعيد تعريفه. فالجسد فان على كل حال، اما المعرفة او الوعي او المعنى فهي ما يمنح الانسان قيمته. من هذا المنظور يبدو الرجل في اللوحة مختلفا عن الآخرين، ليس لانه لا يواجه الموت، بل لانه يواجهه دون ان يفقد ذاته. وقوفه، ذراعاه الممدودتان، نظرته الثابتة، كلها تشير الى حالة من التسليم، لا للخوف بل لمعنى يتجاوز الجسد.

وفي السياق نفسه يكتب عبد الجبار الرفاعي: الانسان ليس جسدا يحيا ثم يموت، بل هو معنى يسكن الجسد، فاذا مات المعنى مات الانسان وان ظل الجسد نابضا.

بهذا الفهم يتحول الرجل في اللوحة من ضحية الى رمز. لم يعد فردا بعينه، بل تجسيدا لمعنى يقف امام العنف ولا ينكسر. ان ما يقتل امامنا هو الجسد، اما ما يتشكل في الوعي فهو شيء اخر: معنى لا يخضع للبندقية.

عند هذه النقطة تعود عبارة ميرييل في رواية البوساء ل فيكتور هوغو لتصبح مفتاح القراءة. ليس الخوف من الموت هو ما يهيمن على المشهد، بل سؤال اعمق: من الذي يقتل حقا؟ الرجل الذي يقف امام البنادق، رغم ضعفه، يحتفظ بانسانيته كاملة.

اما الجنود، وهم يمارسون القتل باسم النظام والطاعة، فيبدون وقد فقدوا شيئا من انسانيتهم. وجوههم الغائبة، اندماجهم في آلة القتل، خضوعهم لايقاع واحد، كل ذلك يوحي بانهم، وهم يقتلون الجسد، يقتلون في انفسهم القدرة على الرحمة. وهنا تنقلب المعادلة: الضحية يحتفظ بروحه، والقاتل يفقد شيئا منها.

في النهاية لا تقدم اللوحة جوابا حاسما، بل تتركنا امام مفارقة مفتوحة: اي قوة ابقى، قوة السلاح ام قوة المعنى؟ من المنتصر، من يبقى حيا ام من يبقى حاضرا في الذاكرة والمعنى؟ قد تكون هذه لحظة اعدام، لكنها تبدو ايضا لحظة ولادة، ولادة معنى لا يمكن قتله.

وهنا يتجلى الدرس الاخلاقي العميق الذي يجمع بين غويا وهوغو وابن عربي والرفاعي: ليس اخطر ما يمكن ان يحدث للانسان ان يموت، بل ان يفقد روحه وهو حي.

***

د احمد عابر

...................

المصادر

١. اللوحة: فارنسشكو غويا، زيت على قماش، 268 × 347 سم. مدريد، متحف البرادو الوطني (Museo Nacional del Prado).

٢. فيكتور هوغو، البؤساء، ترجمة منير البعلبكي، بيروت: دار العلم للملايين، ٢٠٠٩، ص ١٢٤.

٣. ابن عربي، محيي الدين. الفتوحات المكية. تحقيق عثمان يحيى. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٢. الجزء الثالث، الباب الحادي والثلاثون بعد المائة (في معرفة حقيقة الموت وما يظهر منه في النشأة الدنياوية)، ص ٤٦٨.

٤. الرفاعي، عبد الجبار. دروب المعنى: في الفلسفة والدين والحداثة. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، ٢٠١٨، ص ١٢٤.