أقلام ثقافية
حميد بن خيبش: الروح الشاعرة
ما يميز كل روح شاعرة هو إصرارها على أن تنبض بالجمال، لمواجهة القبح المتزايد حولها؛ إدراكا منها بأن الشعر يُلهم الأمل، ويعين على احتمال الواقع حين يصير عبئا ثقيلا. إنها الروح التي ترشدنا إلى الاسترخاء والتمهل، لمّا يتسارع كل شيء من حولنا. وفي هذا التمهل عودة إلى اللحظة الحاضرة، وعلاج لضغوط الحياة اليومية.
الجميل في الشعر، يقول أحمد دحبور، أن يكون معافى روحيا، ينحاز للهواء والجمال والفرح؛ بمعنى أن للشعر غائية وهدفا ما، بخلاف من ينفون غائيته ويسترخون للتعابير الجاهزة. إنه ببساطة حضور الشاعر في العالم، ليكشف بحساسيته الأكذوبة، وليصير أخف وزنا.
كل روح شاعرة تسعى إلى تفسير خبايا النفس الإنسانية. دعامتها في هذه الرحلة هي كل معنى يعبّر عن أدق المشاعر، وكل صورة تتردد بقوة في المخيلة لتغوص في أعمق حقائق الحياة، وتمنح القلب ما يصبو إليه من شجاعة وأمل، وحب للحياة.
إن الشاعر الحق هو الذي يجعل القارئ يشعر بما يشعر به هو نفسه. يقول فكتور هوغو في مقدمة كتابه (تأملات):"عندما أتحدث عن نفسي فأنا أتحدث عنك". وبذلك يمنح قيمة كونية لضمير المتكلم، مثلما يحرك في القارئ حس التعاطف حين يرشده إلى ألمه، وحزنه، وأشواقه.
بإمكان الروح الشاعرة أن تتبنى قضية. أن تنفث في الكلمات قوة لتحدي العالم القائم. بإمكانها أن تدين وتنتقد آفات المجتمع ورذائله، لكن قضيتها ليست بالأساس اجتماعية، وإنما معرفية، بمعنى ماذا نريد أن نقول؟
إن القضية، يقول المنصف المزغني، هي التي تمنح القصيدة بناءها، وبدونها يصبح الشعر هلوسة، وغموضا يكتنف القارئ للهروب من مواجهة الفكرة؛ تماما كالسائل الأسود الذي يقذفه الأخطبوط ليُعمي المتربصين به.
تتطلع الروح الشاعرة إلى لغتها الخاصة، والتي تحقق أصالتها النفسية في توليد المعنى من تجارب الحياة الفريدة. وهو ما يُلزمها بأن تنحت لغة تتحمل الإفضاء، لتنقل المعنى الجديد بألفاظ مألوفة، كالنهر الذي عليه أن يحفر مجراه ثم لا يلبث أن يهدأ؛ ذلك أن في ثنايا كل قصيدة يكمن ما يسميه عبد الله البردوني بالسر الشعري، أي الرحم الذي تكورت بداخله أنفاس الشاعر وتباريحه. وهي برأيه خمسة مصادر: استبداه الكون، ونضج التجربة، وطول المراس، وطول الغوص في الكائنات، وامتلاك عنان اللغة.
كي يتفتق المعنى الجديد من المشهد أو اللحظة المفارقة، فإن الروح الشاعرة بحاجة إلى استنفار ملكاتها لكشف اللامتوقع في الصورة المألوفة، لكن باللغة وحدها، دون الحاجة إلى قناع أو أسطورة. يقدم البردوني مثالا بالشاعر ابن خفاجة الذي عبّر عن اضطراب نفسه واضطراب عصره، حين شبّه ما يحدث بين الغصون وخرير المياه بالجدال والاقتتال. وهو معنى لم يسبقه إليه أحد، في قوله:
وألقى عصاه حيث تلعب بالحصى
جنوب وتلهو بالغصون شمال
*
فكأنما بين الغصون تنازع
وكأنما بين المياه جدال
لا تخلو الروح الشاعرة من حس ديني، يوثّق لهفتها لكشف أسرار الحياة. وهي في طرقها لأبواب المعابد، إنما تسعى لنقل ما يتجاوز الكلمات، إدراكا منها للتناغم بين الكون الشاسع وعالمنا الداخلي. كتبت مدام دي ستايل قائلة: " يجب أن يكون الشعر مرآة أرضية للإلهي، وأن يعكس من خلال الألوان والأصوات والإيقاعات جمال الكون."
استوحى الإغريق بواكير شعرهم من ربات الإلهام بوصفها، أي القصائد، جسرا بين الإنسان والعالم، سواء العالم الخارجي للكون والطبيعة، أو العالم الداخلي لعواطف القلب. وكانت القصائد في تمجيدها للآلهة والرجال الأبطال، تنهل من أصولها الدينية بدرجات متفاوتة من التميز والوضوح.
رغم الإشادة بالعظمة البشرية وإنجازات الإنسان وانتصاراته، إلا أن هناك حقيقة يقررها الشعراء منذ بندار، مفادها أن كل إنجاز إنساني هو إنجاز كائن هش مقدّر له الموت. تكفي لحظة واحدة لتغيير مصيرنا، بينما النور الإلهي قادر على تليين أيامنا. لذا يمنح بندار للشاعر مكانة مقدسة، تأكيدا منه بأن الإلهي هو منبع الجمال الشعري:
"أيها الإله الأعلى،
يا من تبسط سلطانك على أوليمبيا
كن رحيما بأغانيّ
دائما يا أبي"
تدرك الروح الشاعرة جيدا أن موسيقى الكلمات المتأصلة في إيقاع العبارة الشعرية، سواء كانت بيتا أو مقطعا، تحرر فينا ألفة فطرية مع كائن فريد، بدونه يفقد كل شيء معناه في هذا العالم. وهذا التوق إلى الألوهية الآسرة هو ما يجعل من تلقي القول الشعري حساسية تولد في قلب كل إنسان، حتى وإن لم يمتلك ذوقا رفيعا.
تستوقفنا الروح الشاعرة لنستعيد شيئا من إدراكنا لحقيقة العالم. ففي صخب الحياة العصرية، ولفرط لهاثنا اليومي لجمع الأشياء وتكديسها، كفّ العالم عن مخاطبتنا، وصرنا بحاجة لمن يُنبهنا إلى حمرة وردة، ويكشف رسالتها التي تشهد على علاقة مميزة بين الإنسان والطبيعة. إن مهمة الشاعر هي تذكيرنا بالعالم في وحدته، وتحريرنا من عبء مادته بأشكالها المتعددة.
الشعر لحظات آمنة تسكن قلوب الناس، يقول أحمد بلحاج آية وارهام، ومنطقة النقاء التي يلتجئون إليها بعد أن تلوث العالم وتشوه الحلم فيه. ولا يستحق أن يوصف شاعرا إلا من نذر روحه للجوهر الأسمى، وفضّل فقدان رأسه على أن ينحني أمام أولئك الذين يجدّون في سكّ دماغ الإنسان، كما تُسكّ النقود.
***
حميد بن خيبش







