أقلام ثقافية
حميد بن خيبش: كُتبٌ غَيّرت حَياتهم
تتردد عبر العالم آلاف القصص عن الكتاب الذي أحدث فارقا في حياة قارئه، إما بتمهيد السبيل إلى فكرة، أو الإجابة المهدئة لتساؤل محير، أو ببساطة تقديم مفاتيح الحل لمشكلة قائمة. طبعا ليست هناك كتب بالتحديد تفعل ذلك، فقد يتعلق الأمر بكتاب دين، أو سيرة ذاتية، أو حتى قصة مستلهمة من الواقع الذي يفوق الخيال. لكن ما يهم في المسألة هو تمكنك من وضع اليد على الكتاب الذي قد يضاهي في سحره مصباحَ علاء الدين!
كانت أسرة ألبرت آينشتاين تستضيف كل خميس طالبَ طب فقير يدعى ماكس تالمي لتناول الغذاء. لاحظ الطالب أن الطفل آينشتاين لا يقرأ الكتب السطحية ولا يلعب مع أقرانه، فأهداه سلسلة كتب علمية من تأليف آرون بيرنشتاين، يعرض الجزء الأول منها لموضوع سرعة الضوء. وسيظهر بعد التجارب التي استخدمها آينشتاين أن تلك السلسلة شكلت الحافز الفكري لوضعه نظرية النسبية. وهو الأمر الذي صرح به آينشتاين لماكس حين لقيه بعد سنوات في نيويورك قائلا: "كتاب رائع حقا، لقد أحدث أثرا كبيرا في تطوري بالكامل."
ترتب بعض الكتب لقاءات أشبه بالتي تحدث مع أشخاص مميزين، يقفون على المنعطف الحاد بين الحياة الراكدة والرتيبة، وبين التوهج والألق الذي يحرر ملَكات الإنسان ومواهبه. شيء من هذا القبيل حدث لبائع في دكان البقالة، وهو يفتش في القبو عما يرد به عن شبهات يثيرها طلاب إرسالية مسيحية. بين كومة من الصحف القديمة عثر الفتى على نسخة متعفنة من كتاب (إظهار الحق)، للعلّامة الشيخ رحمة الله الهندي.
بفضل هذا الكتاب تغيرت حياتي، يقول الفتى الذي طارت شهرته في آفاق العالم الإسلامي تحت اسم الشيخ أحمد ديدات، ولو لم أصادف هذا الكتاب ما كنت لأقوم بما أقوم به الآن، واعني بذلك التحدث إلى الناس عن الأديان من منطلق المقارنة بينها.
يتناول الكتاب طرقا فريدة في مناظرة المسيحيين، والتصدي للهجمة التنصيرية التي خاضتها بريطانيا، بعد أن ووجهت بمقاومة شرسة من لدن مسلمي الهند. كما تضمن فصول المناظرة التاريخية بين العلّامة رحمة الله والقس بافندر، رئيس البعثة التبشيرية بالهند. وفي جنوب إفريقيا، حيث يتكرر الموقف نفسه بعناصره أمام الشيخ ديدات، حدد الكتاب مسارا آخر لفتى البقالة، ليصبح علما من أعلام الدعوة في القرن العشرين.
إن الكتاب الذي يغير حياتك هو الذي تلمس من خلال سطوره، أن كاتبه أشبه باليد التي تمتد لتنتشل الغريق. في كلماته ذبذبات غير اعتيادية، وصدقٌ وحرارةٌ ينفذان إلى وجدانك، فتشعر أنك انتقلتَ بخفة ساحر إلى العالم الذي تحلم به، وإلى الوضع الذي تُطابق فيه خطواتك طريقها الصحيح.
في كتابه " أساتذتي" يُقربنا نجيب محفوظ من مفعول الكتاب الحافز حين يتحدث عن الأديب يحيى حقي قائلا: "لم أعرفه إلا من خلال (قنديل أم هاشم) حيث كنت متابعا لسلسلة (اقرأ) التي تصدرها دار المعارف. وكانت مفاجئة جدا لي لأني وجدت أدبا عذبا جدا وجميلا جدا، إلى درجة أستطيع أن أقول معها إن قنديل أم هاشم، والثلاث قصص الملحقة بها في هذه المجموعة القصصية القصيرة، "خيشت" في عقلي، وعشقت كاتبها على غير معرفة أو اتصال به."
ولعل من أمتع ما قد عاشه القارئ، في زمن لم يبلغ فيه التداول الورقي والإلكتروني ما بلغه اليوم، أن تهزه فقرة أو مقطع من كتاب، فيسعى للبحث عنه، والتودد لمن يملكه حتى يعيره إياه. وهي حال لم يُجربها أغلب قراء اليوم، نظرا لوفرة الإصدارات. ومما يُحكى في هذا الصدد أن عاِلما حكيما يُدعى ابن الإخشيد، بذل جهدا كبيرا للعثور على أحد مؤلفات الجاحظ، حتى أنه وقف ينادي في موسم الحج:" أيها الحجيج، رحم الله من دلنا على كتاب الفرق بين النبي والمتنبي لأبي عثمان الجاحظ على أي وجه كان."
وتعد تجربة السجن من الأمثلة الدالة على التغيير الذي تُحدثه الكتب في حياة قرائها، إذ تكون القراءة ملاذا من الوحشة والضيق وترقب الفرج. وفي العديد من المذكرات نلمس ذاك الإقرار الشفاف بفضل الكتاب الفلاني في تغيير البوصلة، وشحذ العزيمة، وإعادة النظر في التصورات والمسلمات. فحين سُجن الوزير السوداني أحمد سليمان أواخر الخمسينات، وكان وقتها مع الشيوعيين، لم يجد كتابا فطلب مصحفا ليقرأه. فكان للقرآن أثر بالغ في تحرره من غواية الشيوعية، على حد قوله، بعد أن كان ظلوما جهولا، ظالما لنفسه، وجاهلا بحقيقة الزفة التي كان يسير ضمن موكبها.
نفس التجربة عايشها مالكوم إكس، في تحوله من مجرم إلى مناضل، حين اضطرته ساعات الليل الطوال داخل زنزانته إلى القراءة تحت ضوء شاحب لمصباح في الردهة. وبفضل كتاب (تاريخ الحضارة) لويل ديورانت، و(الخطوط العريضة للتاريخ) ل هـ.ج. ويلز. تحرك وعيه النضالي بقوة وهو يتتبع تاريخ الامبراطوريات السوداء، وصراعاتها من أجل الحرية، وتبديد وهم تفوق الرجل الأبيض.
عندما بدأت أفهم ما أقرأه، يقول مالكوم، وانفتح لي ذاك العالم الجديد، بدأت بدوري ألتهم الكتب، وأستعير فوق ما يسمح به قانون المكتبة وأقرأ أكثره في الزنزانة. كان للكتابين أثرهما الكبير في انطلاقه، بعد الخروج من السجن، في مسيرة دعوية تعيد الروح لزنوج أمريكا.
تتخذ الكتب التي غيرت حياة كاتب، ما يشبه التصريح بالخلفية التي غذت سعيه الحثيث لإبداع نص مشابه. ورغم أنه قد يمارس ما يشبه المحو الظاهري لها، وعدم الإشارة إليها كمصادر لأدبه، إلا أن القارئ الذي ينحت مساربه العميقة داخل النص، قد يرصد التأثير الواضح للأسلاف الذين فجروا التوق إلى الكتابة.
بدت الكاتبة المجرية أغوتا كريستوف، سواء في أعمالها الأدبية أو في الحوارات التي أجرتها، حريصة على عدم الإشارة إلى الكتاب الذي انبثق عنه سعيها لقول شيء مختلف. لكن الفرادة التي ميزت أسلوبها الأدبي، ونزوعها الفطري إلى الكتابة بلغة ثانية، كطفل يتهجى الكلمات، حققا لإصداراتها مكانة دفعت النقاد والباحثين للحفر عميقا في جذور مسارها السردي، والبحث عن "السلف" الذي رص لها الممر إلى عالم الكتابة.
ثمة حضور طاغ لأدب فرانز كافكا في كتابات أغوتا؛ بل يذهب برتراند فيزاج، ناشر أعمالها الكاملة، إلى أنها الأخت الصغيرة لكافكا، والوحيدة التي تمثلت أدبه إلى درجة الاستغراق؛ لكن دون أن تتمثل موضوعاته بشكل مباشر. إن الغوص في رسائله وقصصه منح لأغوتا مفتاح الآلة التعبيرية التي ستعتمدها لاحقا، والتي ستواجه بها البيروقراطية، ونظام العمل البائس، وقوى الثبات التي تقوض الطبيعة البشرية.
حين ذهب الروائي الفرنسي مارسيل بروست في رحلة إلى جبال الألب، كان على موعد مع كتب ستعيد تشكيل عالمه القرائي، وتمنحه تلك الهبة الفذة التي جعلت من روايته "البحث عن الزمن المفقود" أشهر الأعمال الأدبية الفرنسية.
خلال تلك الرحلة تعلق بروست بكتابات الناقد الفني الإنجليزي جون رَسكِن. كانت الميزة العبقرية لرَسكِن تتمثل في عنايته الشديدة بالتفاصيل، وقدرته على تحريض أحاسيس قرائه بتحويل الانطباعات المشتركة إلى كلمات. ميزة العناية بالتفاصيل ستضفي على القراءة عند بروست بُعدا جديدا: كل قراءة هي بالأساس قراءة للذات، ومهمة الكتاب أن يصبح أداة بصرية تعين القارئ على أن يتبين مالم يكن ليُعايشه بنفسه لولا هذا الكتاب.
إنها الميزة التي جعلت بروست يندفع بوتيرة غير عادية لرسم حدود جديدة للقراءة: ينبغي أن نقرأ كتب الآخرين كي نعرف ما نُحس به، ونُنمي أفكارنا ولو عن طريق أفكار كاتب آخر؛ فالقراءة ليست تزجية للوقت أو إشباعا للفضول، بقدر ماهي محاولة لإعادة تشكيل الجانب الروحي فينا.
تشدد الكتب على أن دورها هو ملء الرفوف ودهاليز المكتبات العامة. تُقرأ بدافع الشغف، أو الإلزام المدرسي. وهي بكل تأكيد جزء لا يتجزأ من الحياة، كالأشجار والنجوم والروث، يقول هنري ميللر؛ إلا أن الكتب الحية هي تلك التي تعتصر التجربة الإنسانية بما يكفي لتحديث فيك التأثير اللازم.
***
حميد بن خيبش







