أقلام ثقافية
جمال العتّابي: الفنان ضياء حسن.. في مدنٌ وآيات
روح المدينة في عمارة لونية
الفضاءات تتداخل بين الحروف والألوان التي تؤلف مبانيها منائر وقباب ترسل أنواراً واشعة. ثمة حوار خفي بين الغائب والحاضر، بين المنظور والمضمور، حوار ما بين التشكيل الروحي والأشياء. هذا ما فعله الفنان التشكيلي ضياء حسن في معرضه "مدن وآيات" الذي أقيم في قاعة أكد في بغداد 9 آيار 2026 بمحاولة منه في مزاوجة إيقاعين مختلفين، وعرضين بصريين، يبدع منهما تأليفاً تشكيلياً جديداً يحمل أكبر قدر من المجاز التناغمي، كما يتسم بقدر أعلى من التوازن الايقاعي. وهو بهذا يقف إلى جانب الفنانين الذين منحوا الحرف رمزيته وإيماءاته التشكيلية،
فارتفع بأعماله الفنية إلى آفاق الخيال ومطلق الموسيقى، ولم يقع في شباك التجريب والمعابثات الشكلية.
الفنان ضياء حسن مؤمن أشد الإيمان أن المرحلة الزمنيّة القصيرة التي تبلورت فيها معالم واضحة لأسلوب فن عربيّ ــ إسلاميّ ذي إشارات شاملة ومضامين جماليّة، على الرغم من تنوّع مصادر هذا الفن. كان فيها الحرف العربي واحداً من أبرز الإنجازات الحضارية التي قدّمها العرب والمسلمون للإنسانية، ليس بوصفه أداةً للتدوين والتوثيق فحسب، بل بوصفه نظاماً جماليّاً متكاملاً. وقد تحوّل عبر العصور إلى فضاءٍ إبداعي مفتوح أتاح للفنّان العربيّ أن يؤسس لنموذجه الجمالي معاييره وشروطه الفنية.
ومن هذا المنطلق اشتغل ضياء على ثيمة الحرف ليمنحه بعداً روحياً مضافاً، بوصفه وسيلة انتشار اللغة العربية ـ لغة القرآن ـ فحيثما تكون العمارة الإسلامية، في الشرق أو الغرب، تكون الآيات وفرائد الشعر، وصافيات الحكم، والكلمات، منازل تتجه صعداً إلى الأعلى، كأنها تدخل في مدارات من الألوان والأنوار الساطعة، إنها صورة الحروف بما تحمل من خصوصيّة جماليّة، وقدرة على التشكيل ــ بوصفه مظهراً مهماً في التراث ــ مثّل أداةً ووسيطاً، ومصدراً حيوياً أغنى تجربة ضياء في إعادة بناء هوية بصريّة تستند إلى الجذور من دون أن تتقاطع مع الحداثة. بحيث تتجمع العناصر والوحدات لتتآلف في عمل يحمل روح الفنان وأسلوبه الخاص.
في "مدن وآيات"، يقدّم الفنان التشكيلي ضياء حسن تجربة بصرية تتجاوز حدود الاشتغال الزخرفي أو الحروفي التقليدي، لتؤسس خطاباً تشكيلياً قائماً على استحضار روح المكان وتحويل الذاكرة المعمارية والطقسية إلى بنية لونية وتجريدية ذات أبعاد روحية وتأملية. فالمعرض لا ينشغل بإعادة إنتاج المدينة بوصفها صورة واقعية، بل يعمل على تفكيكها وإعادة تركيبها داخل فضاء بصري معاصر، تتحول فيه القباب والمنائر والأقواس والحروف إلى إشارات جمالية تتشابك مع اللون والإيقاع والهندسة في نظام بصري متماسك وعميق.
تبدو أعماله هنا وكأنها محاولة لاستعادة "روح المدينة" لا هيئتها الخارجية. فالمدينة في هذه اللوحات ليست مكاناً جغرافياً محدداً، وإنما كيان بصري ووجداني يتشكل من الذاكرة والطقوس والمخيال الجمعي. ولهذا تغيب التفاصيل الواقعية لتحل محلها اختزالات هندسية ومساحات لونية شفافة، تمنح المتلقي إحساساً بأنه أمام مدن متخيلة تنتمي إلى الذاكرة أكثر مما تنتمي إلى الواقع المباشر.
ومن خلال تأمل الأعمال، يمكن ملاحظة حضور بنية هندسية دقيقة تقوم على تقاطع الكتل والمساحات والمنحنيات، بما يكشف عن وعي أكاديمي واضح في تنظيم السطح التشكيلي. غير أنّ هذه الصرامة البنائية لا تتحول إلى جفاف بصري، لأن الفنان يوازنها بحس لوني مرهف يمنح اللوحة طاقة حيوية وانسياباً داخلياً. فالألوان هنا لا تُستخدم باعتبارها عناصر تزيينية، بل بوصفها مكوّنات روحية ونفسية قادرة على بناء المناخ التعبيري للعمل.
إن المتلقي أمام تجربة تعيد الاعتبار للون بوصفه لغة قائمة بذاتها. تتجاور داخل فضاء اللوحة في علاقات متناغمة، لتخلق إيقاعات بصرية ذات طابع احتفالي وتأملي في آن واحد. وهذا الوعي اللوني يمنح الأعمال قدرة واضحة على إنتاج "المتعة البصرية"، ليس بمعناها السطحي، بل بوصفها تماهياً حسياً وروحياً في فضاء اللوحة.
يشكّل الحرف العرب واحداً من أهم المرتكزات الجمالية في تجربة ضياء حسن. غير أن الفنان لا يتعامل مع الحرف باعتباره نصاً لغوياً قابلاً للقراءة، وإنما بوصفه شكلاً بصرياً يمتلك طاقة إيقاعية وتعبيرية عالية. فالحروف والآيات القرآنية تتحول داخل اللوحة إلى معمار بصري يحيط بالتكوين أو يتداخل معه، بحيث تغدو الكتابة جزءاً عضوياً من الجسد التشكيلي للعمل.
وفي بعض الأعمال، يقترب الحرف من وظيفة الطقس، إذ يتحول إلى فضاء تأملي يستدعي حضور المقدس من خلال اللون والانحناء والإيقاع. وهنا تتكشف قدرة الفنان على الإفادة من الإرث الجمالي للحروفية العربية الحديثة، دون الوقوع في أسر التكرار أو النقل المباشر. فهو لا يستعيد التراث بوصفه مادة جاهزة، بل يعيد إنتاجه ضمن رؤية معاصرة تنفتح على التجريد الهندسي والاختزال البنائي.
وتبرز في عدد من اللوحات مفردات معمارية توحي بالأضرحة والمنائر والقباب والنوافذ المقوسة، لكنها تظهر بصياغات مختزلة ومجردة، بما يجعلها أقرب إلى علامات بصرية أو "أصداء مكانية" تستحضر الذاكرة الروحية للمدن العراقية والعربية.
من هنا يمكن القول إن الفنان يشتغل على "جماليات الأثر"، أي أثر المكان في الوعي، لا على تمثيله الواقعي المباشر.
كما تكشف الأعمال عن اهتمام واضح بفكرة الإيقاع البصري. فالخطوط المقوسة، والتكوينات المتداخلة، والانتقالات اللونية الناعمة، كلها تعمل على خلق حركة داخلية تجعل اللوحة فضاءً نابضاً بالحياة. وهذه الحركة لا تأتي من ازدحام العناصر، بل من العلاقات الدقيقة بين الكتل والفراغات، وبين الشفافية والتعتيم، وبين الثبات والحركة.
من دون شك، لا يمكن لأزمنة الفنان أن توصف إلا بأنها سنوات الخلق والابداع، وإيداع الأمانات للأجيال الآتية، وضياء حسن، عبر مشروعه الفني، يتجاوز حالة السكون، إنه في حالة تدفق وانتقال واكتشاف، يعيش ويتنفس ضمن عالم إشراقي، في حدود جمالية خالصة الصفاء، في عمارة لونية مفتوحة على الدهشة.
***
د. جمال العتابي







