عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

آمال طرزان: قصة دهاليز آريس بوابات المأساة المتجددة

أغاريد.. فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، هل تملك القدرة على النظر إلى السماء لتنتظر فجر الغد، وسط أصوات القذائف الآتية من كل حدب وصوب؟ صغيرتي التي تبددت حياتها في غُضون أسابيع قليلة بسبب الحروب التي لا تتقن سوى سرقة الأمان، وتتغذى على الآلام والخراب مستهدفةً طمس هوية البلدان.

​أصبحت حياة أغاريد كحياة كل فتاة قُتل والديها وتفتت أجسادهما أمام عينيها إثر الصواريخ الغاشمة القاتلة للإنسانية، لتجد نفسها مرتدية ثوب الوحدة مع أخويها التوأمين البالغين من العمر ثماني سنوات. ماذا ستفعل بعد هدم منزلهم وإقامتهم في بيت خالها؟

​عند سماع صوت صفارات الإنذار—ذلك الصوت الباكي الصارخ الذي يحذر الجميع من الخطر—كانت أغاريد وأخَواها وزوجة خالها على أطراف المدينة، فأرادوا الاختباء مع عدد من المارة، فلجؤوا إلى بيت مهجور يبعد عن صفارات الإنذار. دخلت أغاريد في المقدمة، ورغم صغر سنها، إلا أن رؤيتها لمقتل أبويها وتحملها مسؤولية الصغيرين جعلاها أكبر من عمرها بكثير.

​دخلت المنزل، وأخذت تضيء بكشاف هاتفها عتمة المكان المظلم. وفي وسط تلك الظلمة الحاضنة، أخذت أصوات صفارات الإنذار تتعالى، فاتجهت نحو دهليزٍ لتجد نفسها مع أخويها الصغيرين وعدد من النساء في ذلك المكان الضيق. أمامهن اتجاهات عديدة ومجموعة من الأبواب؛ فأي طريق تسلكه أغاريد هربًا من رائحة القتل؟2863 amal

​فجأة، اتجهت نحو أقدم الأبواب ودفعته مسرعة، لتجد نفسها في لحظة مرعبة أمام فجوة زمنية مجهولة! وأخذ الجميع يتساءل بذهول: أين نحن؟ وفي أي مكان؟ هل هذا واقع أم بحر من الخيال؟

هبت في وجوههن رائحة دخان ممزوجة بتراب المعارك، وصهيل الأحصنة.. ومع تعالي الصرخات كأنها براكين تنفجر في كل اتجاه . وما أن اتضحت الرؤية حتى ظهرت سيدة في منتصف الأربعين من العمر وجهها يفيض بالحنان والأمومة عيناها بلونٍ بنيٍّ دافئ كتربة الأرض الخصبة، وكانت ترتدي ثوبًا يونانيًا فضفاض أبيض اللون لقد كان الحزن يكسو ملامحها، قائلةً بنبرة حزينة: "ما الذي جاء بكن إلى هنا ؟

​ردّت عليها أغاريد: نبحث عن طوق نجاة ومهرب من رائحة الموت.

​قالت السيدة وتدعى غايا - والتي تحمل نفس اسم الإلهة الأم العظيمة لكل الخليقة: "هل ظننتم أن هناك مهربًا وسط معركةِ طاحنةِ يقودها إله الحرب الدموي آريس في العصر الإغريقي القديم ؟. وعلى مقربة منهن كان يقف كبركان هائج . وخوذته ملطخة بدماء الأبرياء، وكان صوته يزلزل الأرض ويغرس الذعر في قلوب الرجال قبل النساء. ألا ترين كيف يعامل آريس النساء بوحشية كأنهن أضاحٍ تساق إلى الذبح؟

​وهنا وقعت أعين أغاريد على نسوةٍ مُكبَّلاتٍ بالقيود، يسوقهنَّ الجنودُ في نشوةِ الظافرين، كأنما يقتادون غنيمةً لا أرواحًا أثقلها الحزن. وقد كُتِب على أولئك النسوة أن يصبحن خادماتٍ ومحظيّاتٍ في بيوت الأعداء، بعد أن كنَّ حرائرَ عزيزاتِ النفس، يمشين مرفوعاتِ الهامة بين أهلهن. أخذت تكرر بصوت مندهش هذا ما يحدث معنا بالفعل فالكونُ كلُّه انطفأ نوره، وتلاشت ألوانه في أعينٍ أثقلتها الدموع. يخفق القلب في صدور النسوة ألمًا وانكسارًا، حيث يرافقهن شعورٌ قاسٍ بأن لا مهرب من هذا المصير .

لقد كانت السيدة غايا تمشي بين النسوة كأنها أمٌّ تجمع أبنائها بعد عاصفة، تمد يديها لكل مرتجفة، وتغرس في القلوب شيئًا من الطمأنينة وسط الدمار.

 وفي تلك اللحظة التقت عينا أغاريد التي تحمل الاستنكار لهذه المشاهد بعيني آريس. للحظة، بدا وكأنه رأى فيها شيئًا يشبه نظرة شقيقته أثينا تلك النظرة التي طالما واجهته بالرفض والتحقير وكشفت اندفاعه الأعمى نحو الحرب.

فهمت أغاريد من نظراته أنهن مستهدفات، فتسمرت في مكانها لا تعلم ماذا تفعل وإذا بصوت السيدة غايا قائلة هيا يا أبنتي هيا أيتها النسوة عليكن بالرحيل . وبسبب كثرة الجنود والقتلى تعثر تقدم آريس، مما ساعدهن على الفرار والعودة من حيث أتين، ولكن رافقتهن السيدة غايا إلى ذلك الرهليز فمن طبيعتها مرافقة أبنائها ومساندتهم .

​وفي ذلك الدهليز المظلم تساءلت إحداهن بقلب مرتجف: "إلى أي باب نلجأ الآن؟

​أجابت السيدة غايا: لعل هذا الباب يحمل لكنَّ النجاة.

تقدمت كافة النسوة وما أن عبرن العتبة ووجدن أنفسهن في فجوةٍ زمنيةٍ آخرى، وسمعن صرخات مدينة تحتضر ... بغداد فبراير 1258 حيث امتزج القتل بالنهب والخراب بعد دخول الجيش المغولي المدينة ..وقعت عينا السيدة غايا وأغاريد على مشاهد الألم : طفلة صغيرة تبكي فوق جثة أمها، و امرأة تجلس قرب جدار متصدع تضم طفلين إلى صدرها بمفردها، وعجوز تسأل المارة عن ابنتها منذ ساعات دون أن تجد جوابًا.

إلى جانب الدخان المتصاعد من المكتبات التي كانت خزائن للعلم والحكمة، بعدما التهمت النيران رفوف الكتب والمخطوطات الثمينة فقد كانت صفحات الكتب المحروقة كطيور مذبوحة تضرب بآخر أنفاسها بجناحيها على الأرض، أدركت أغاريد أن الحرب لا تقتل البشر وحدهم، بل تقتل ذكرياتهم أيضًا. ونظرت نظرة حائرة إلى السيدة غايا يبدو أنه لا يوجد مفر؟

 وهنا قالت السيدة غايا بصوت ينزف

يبدو أن كل الأبواب ما هي إلا فجوات زمنية تؤدي إلى المأساة نفسها في زمن الطغاة. هنا أدرك الجميع أن آريس لا ينتمي إلى حقبة زمنية محددة، بل يتجدد ظهوره كلما تمكنت نزعة الحرب من قلوب الغزاة وأتباعهم، واستبدت بعقولهم وأشعلت فيهم دموية الصراع.

 ومع حديث السيدة غايا سرحت أغاريد في مشهد طفلة بغداد الباكية على جثة أمها، والنسوة الإغريقيات اللواتي طاردهن آريس، ونظرت إلى أخويها اللذين احتميا بثوبها كما يحتمي العصفور الصغير بجناح أمه. وعلمت أن الوجع الذي حملته في قلبها لم يكن يخصها وحدها، بل كان جزءًا من وجعٍ إنسانيٍّ قديم يمتد عبر القرون.

وهنا سمعت صوت السيدة غايا عليكن استكمال المسير

وإذا بأغاريد تنظر إلى السماء، وما زالت تنتظر الفجر رغم كل شيء.

***

د. آمال طرزان