قراءة في رواية "الأشياء التي ننقذها سيأتي يومٌ وتنقذنا".. هل ما ننقذه اليوم هو الذي سينقذنا غدًا؟
أغلقت الرواية، لكن سؤالها ظل مفتوحًا في داخلي: هل حقًا ما ننقذه اليوم، من أشياء أو أشخاص أو حتى لحظات، سيعود يومًا لينقذنا؟ وهل كل ما نمنحه للحياة من اهتمام ورعاية يظل حيًا، ينتظر لحظة يعود فيها إلينا؟
هكذا تأخذنا لورينزا في رحلة روحية نتأمل فيها الحياة بكل ما فيها من سحر وجمال، حيث تتحول الأشياء البسيطة إلى كنوز، بواسطة حقيبة تحملها ابنة السادسة والعشرين، التي خبرت الحياة في حصنٍ منعزل، وتدربت تدريبًا عسكريًا في انتظار كوارث عصيبة تحدق بهم، وتعلمت كيف تواجه عواصف الحياة بقارب مصنوع من أبسط الأشياء وأكثرها إنسانية.
وفي منعطفٍ حاسم، تهرب إلى المدينة، إلى منزل جدتها، وإلى عالم جديد، لتبدأ رحلة مختلفة؛ رحلة البحث عن نفسها، حيث تعرف نفسها قائلة:
“أنا لست سوى واحدة تصلح الأشياء… كل الأنواع؛ أثاث، بلاعات، أشخاص… أي شيء يمكن إصلاحه.”
ترسم الكاتبة لوحة فنية آسرة، تعيد فيها “جيا” الحياة لكل الأشياء التي يمكن إنقاذها؛ كرسي مكسور، صحيفة مهملة، إناء متسخ. وبأدواتها، وكأنها تحمل ريشة سحرية، تعيد إليها رونقها وألوانها، فتراها تتراقص أمامك بالحياة.
لكنها لا تعيد الحياة للأشياء بيديها فقط، بل بالإنصات إليها أيضًا.
“الإنصات إليهم طريقة لإعادتهم إلى الوجود.”
فكانت تنصت لكل ما حولها؛ تسمعه فتمنحه فرصة أخرى للحياة. اللوحة، والمنظر، والخزانة، والجار الصامت، والطفل الهارب، والعجوز القلق… وكأن كل ما في هذا العالم يحتاج فقط إلى من يصغي إليه.
وتعيدك الرواية لتؤمن بأن رفرفة جناح فراشة في أقصى الشرق قد تُحدث فيضانًا في أقصى الغرب. فبتفاصيلها الصغيرة المبهرة، تدفعك ألف مرة إلى التفكير: كيف يمكن أن ننقذ هذا العالم المتهالك بأبسط الأشياء؟
تفكر بالأكياس البلاستيكية المتكدسة، وتتخيل أثرها على هذا الكون الفسيح. تنظر إلى الطعام المصنَّع الرخيص، وإلى الأريكة المتهالكة التي خططت للتخلص منها، فتبدأ بالإنصات إليها، وكأنها تستنجد بك لتعيد لها الحياة. وتبدأ تفكر في إعادة التدوير، وعن قيمة القديم، ومعنى أن نمنح الأشياء عمرًا جديدًا بدلًا من استبدالها.
ومواجهة الحياة بكل عقباتها وعواصفها تعيد تشكيل الإنسان من جديد. فبعد أن كانت البطلة تؤمن بما لقنها إياه والدها، تصل إلى قناعة مختلفة تمامًا:
“معنى أن نعيش ليس أن نبعد الموت قليلًا كل يوم، ولكن أن ننسى وجوده، ولو للحظة واحدة، حتى نستطيع أن نؤمن بالحياة حقًا.”
غير أن أكثر ما أربكني في الرواية لم يكن حديثها عن الأشياء، بل عن نفسي.
جعلتني أعيد النظر مرارًا: هل ما فعلته كان خطأ؟ وأين موقع فكرة “في التخلي تجلٍّ” في هذه الرواية؟
لقد تعلمنا من كتب سحر الترتيب أن نتخلص من كل ما هو زائد ولا يُستخدم. وبما أنني مهووسة بفكرة التخلي، فأنا أقوم كل عام تقريبًا بفرز كل ما أملك من أثاث وملابس وكتب وتحف. تخلصت من دروع التكريم، وشهادات الشكر التي كانت تضج بها مكتبتي، وكذلك دفاتري، وأشرطة الكاسيت، وأشرطة الفيديو، والأقراص المدمجة، والكروت، والتحف.
لكن الرواية دفعتني إلى سؤال لم أطرحه على نفسي من قبل:
هل كل ما لا نستخدمه أصبح بلا قيمة؟
أم أن بعض الأشياء لا تستمد قيمتها من فائدتها، بل مما تختزنه من ذاكرة، ومن حياة، ومن أثر لا يتكرر؟
ثم امتد السؤال إلى البشر: هل ما ننقذه من الأشخاص ينقذنا؟
هل، كما يقال، إن الصدقة تدفع البلاء من هذا الباب؟ أم أن المفهوم أعمق من ذلك؛ وأن ما نمنحه للآخرين من حياة، وأمان، ومساعدة، وجبر خاطر، ينعكس علينا في وقت الضعف، حين نجد أنفسنا هشّين، حزانى، غرباء؟ في تلك اللحظات، ربما تكون الدعوات الخفية التي زرعناها في قلوب الآخرين هي التي تسندنا، وتدعمنا، وتعيد إلينا الحياة.
وهذا ما خبرته عن قرب.
كنت أحتفظ بالرسائل المميزة التي عبّر فيها أصحابها عن مواقف خاصة، ومشاعر صادقة، وعما أنقذناه في حياتهم. لم أكن أدرك آنذاك لماذا كنت أحتفظ بها، لكنني أدركت لاحقًا أنها لم تكن مجرد رسائل، بل كانت حياةً مؤجلة عادت إليّ حين احتجتها.
وحين مررت بلحظات ضعف، كنت أعود إليها، فأشعر أن الكلمات التي خرجت يومًا من قلوب صادقة كانت هي التي تعيد إليّ شيئًا من قوتي، وتذكرني بأن الخير لا يضيع، وأن الأثر الجميل يبقى، ثم يعود إلى صاحبه في الوقت الذي يكون فيه بأمسّ الحاجة إليه.
وهكذا تقلبت بين صفحات الرواية، وكأنني أقلب صفحات حياتي، حتى وصلت إلى قولها:
“الحياة لا تكتفي بشيء واحد، بل ترغب في كل شيء. لا يمكن أن نتجنب العراقيل، ولا أن نفكر في أننا لن نفشل أبدًا، لكن محدوديتنا هي ثراؤنا؛ فهي تخبرنا عمّن نكون، وإلى أين يمكننا الوصول إذا تحلينا بالشجاعة. تحكي قصتنا، وتساعدنا في كتابة ما تبقى منها. نخطئ أحيانًا لنحمي أنفسنا، وأحيانًا أخرى لنجد لأنفسنا مكانًا، لكن في كل الأحوال، الأهم أن يكون كل منا موجودًا من أجل الآخر.”
وأغلقت الرواية، لكن سؤالها بقي مفتوحًا.
ربما لا يكون ما ننقذه كرسيًا مكسورًا، أو إناءً قديمًا، أو قطعة أثاث أعطيناها عمرًا جديدًا.
ربما يكون إنسانًا، أو ذكرى، أو كلمة، أو لحظة يأس أعدنا فيها الأمل إلى قلب أحدهم.
حقًّا، أعلم الآن أن تلك هي الأشياء التي تنقذنا.
***
منى الصالح








