(وما أُنشِدَ الأشعارَ إلا تداويا).. قيس بن الملوح
الشعر هو فلسفة الحياة وروحها وديمومتها، والشاعر هو المبدع، هو الفيض السماوي الذي يأتي بهذا النزيف الشعري الجميل الذي لا يستطيع أحد إيقافه. كل الناس يشعرون، لكن الشاعر أكثرهم شعوراً وأحساساً، وشعوره فوق العادة؛ لذلك سُمي شاعراً. وقديماً قيل إن لكل شاعر (شيطان) يعلّمه الشعر.
لقد أحسن الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي حينما قال:
«يموت الشاعر منفيّاً، أو مجنوناً، أو منتحراً»
فهو بهذا قد حدد موقف الشاعر من قضايا الحياة، سواء كان الشاعر من الشرق أو من الغرب.
فعندما اقتحم الجيش الإسرائيلي مدينة بيروت عام 1982م ، كان الشاعر اللبناني (خليل حاوي) يراقب المشهد من خلال نافذة شقته، فلم يتحمل الموقف؛ أطلق النار من مسدسه على رأسه ومات في الحال. لم ينتحر ضابط من الجيش اللبناني، ولا وزير أو مسؤول حكومي، بل انتحر شاعرٌ احتجاجاً
شعراء شباب رحلوا قبل أوانهم
ومما يلفت النظر في هذا الصدد أن شعراء من الشباب رحلوا عن الحياة مبكرين. فإن الهموم إذا تراكمت تصبح عبئاً ثقيلاً يستنزف الطاقات ويقصر الأعمار، فكيف إذا كانت هذه الهموم على أكتاف شاعر مرهف الإحساس؟ لذلك نراه يستسلم للموت طوعاً.
منهم من مات دون سن الأربعين:
إمثال:
رامبو
لوركا
شيللي
بوشكين
إبراهيم طوقان
بيرون
أبو فراس الحمداني
السياب
ابن هانئ الأندلسي
ومنهم من توفي دون سن الثلاثين:
امثال
الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي
الشاعر كيتس
أنواع الهموم
1- هموم الاضطهاد السياسي: كان الشاعر يمثل رمزاً وطنياً يقف ضد الظلم والطغيان والاستعباد، مناضلاً بالكلمة من أجل تحرير أبناء شعبه من كافة أشكال الهيمنة الأجنبية، يقف ضد سياسة الحكومات الديكتاتورية ويفضح ممارساتها القمعية، ويسعى إلى مكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية. لهذه الأسباب ناصبته الحكومات الرجعية العداء فتعرض للمطاردة والسجون والتعذيب والنفي والاغتراب. ويزخر تاريخ الأدب العربي والعالمي بعدد كبير من الأسماء التي لا تزال نجوماً لامعة في سماء الإنسانية، أذكر منهم على سبيل المثال: الجواهري - محمد صالح بحر العلوم - عبد الوهاب البياتي - ناظم حكمت - بابلو نيرودا - محمد الماغوط - بوشكين - معروف الرصافي - لوركا: الشاعر الإسباني الذي أُعدم رمياً بالرصاص وهو يلقي إحدى قصائده أثناء الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936م على يد عصابات الجنرال (فرانكو) فأصبح رمزاً للشاعر الشهيد.
ولا ننسى شعراء المهجر الذين تركوا بلادهم وهاجروا إلى الغرب بسبب السياسة العثمانية المتعجرفة التي كانت تحارب غير المسلمين فماتوا بعيداً عن أوطانهم... ولا ننسى كذلك شعراء المقاومة الفلسطينية الذين كان همهم مقاومة الاحتلال بالكلمة والقصيدة الثورية، فعانوا الإرهاب الإسرائيلي سجناً وتغريباً، وظلوا هكذا حتى رحلوا عن هذا العالم.
2- الهموم الاجتماعية: حيث عاش الكثير من الشعراء العرب والأجانب في ظل واقع معاش قاسٍ، وكان همهم الوحيد هو الخروج من دائرة هذا الواقع لكن الظروف كانت هي الأقوى، بالإضافة إلى عدم اكتراث السلطة بحياة المثقفين، فالسلطة في كل زمان ومكان هي مجرد (سلطة)... لقد كان الشاعر العراقي حسين مردان نموذجاً للشاعر الذي عاش حياة البؤس والتشرد والعوز، حتى إن معاصريه لقبوه بـ (ملك الصعاليك)، وفي بداية حياته الأدبية اعتنق الوجودية كغيره من الشعراء والأدباء العراقيين متأثرين بآراء (سارتر) والمفكر المصري (عبد الرحمن بدوي).
لم يجد حسين مردان له عملاً يضمن له العيش الكريم رغم أنه عمل مصححاً لغوياً في إحدى الصحف لكنه لم يوفق، حتى إن أحد أصدقائه كان يمنحه مبلغ (100) فلس لتمشية أموره اليومية، ولم يتزوج حسين مردان. وفي عام 1972م وُجد ميتاً في إحدى خرائب مدينة بغداد.
3- الهموم المرضية:
وسواء كانت هذه الأمراض جسدية أو نفسية فإن الشاعر العراقي بدر شاكر السياب يعد مجمعاً لها فالسياب فقد كان منذ طفولته يخاف من الظلام والليل، وقد اعترف في إحدى قصائده قائلاً:
هِيَ وَجْهُ أُمِّي فِي الظَّلَامْ
وَصَوْتُهَا، يتَزَلِقَانِ مَعَ الرُّؤَى حَتَّى أَنَامْ
وَهِيَ النخيل أَخَافُ مِنْهُ إِذَا ادْلَهَمَّ مَعَ الْغُرُوبْ
وقد أُصيب منذ صغره بالمرض الذي تطور إلى شلل أقعده عن المسير، فكان همه أن يُشفى من هذا المرض ويدخل على أهله بدون (عكاز) فقال:
عكازتي في الماء ارميها
واطَرَقَ الْبَابَ عَلَى أَهْلِي
أَنْ يَفْتَحُوا الْبَابَ فَيَا وَيْلِي
مِنْ صُدْفَةٍ مِنْ فُرْصَةٍ مِست حَوَافِيهَا
دَوَّامَةِ الْحُزْنِ
غَيْلَانُ يَا غَيْلَانُ عَانِقْ أَبَاكْ
ظلت هذه الصورة ترافق السياب حتى مماته عام 1964م
وهكذا كان الشاعر المصري (أمل دنقل) الذي عاش فقيراً ومات فقيرا مريضاً، وكانت حياته تشبه حياة السياب حتى إن المصريين لقبوه بـ (سياب مصر)، حيث أُصيب بمرض السرطان وتوفي عام 1983م
الشاعرة العراقية نازك الملائكة، وهي من أوائل الشعراء الذين كتبوا قصيدة الشعر الحر، كانت ذات تجربة شعرية تميزت بالكآبة، فقد كانت ترى الحياة عبارة عن مأساة وظلام، وكانت دائماً تشكو الآلام؛ فالدنيا في نظرها قاسية، والكون ذا لون قاتم، والحياة سوداء مثل الليل، والناس لا يسمعون ما تقوله، وقد عبرت عن هذه الأفكار في إحدى قصائدها فقالت:
لَا أُرِيدُ الْعَيْشَ فِي وَادِي الْعَبِيدْ
بَيْنَ أَمْوَاتٍ وَإِنْ لَمْ يُدْفَنُوا
جثث ترْسُفُ فِي أَسْرِ الْقُيُودْ
وَتَمَاثِيلُ احْتَوَتْهَا أَعْيُنٌ
آدَمِيُّونَ وَلَكِنْ كَالْقُرُود
وتجلس الشاعرة في محرابها لتناجي الليل فتقول:
جَلَسْتُ أُنَاجِي سُكُونَ الْمَسَاءِ
وَأَرْقُبُ لَوْنَ الظَّلَامِ الْحَزِينْ
وَأُرْسِلُ أُغْنِيَتِي فِي الْفَضَاءِ
وَأَبْكِي عَلَى كُلِّ مُكْتَئِبٍ غَبِينْ
وقد ظلت هذه الأفكار تطاردها حتى وفاتها في القاهرة عام 2007م
عُرف عن الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي أنه أُصيب بمرض القلب، وقد منعه الأطباء من كتابة الشعر ورقد في أحد المستشفيات، ويروي أخاه الرواية التالية فيقول: (طلب الأطباء من الشابي التوقف عن كتابة الشعر، وذات يوم كان نائماً وكان جبينه يتفصّد عرقاً، طلب مني إحضار قلم وورقة، فقلت له إن الأطباء نصحوك بعدم الكتابة، فردّ: هي مكتوبة في رأسي، والقصيدة هي (أرادة الحياة) وهي من أجمل قصائده.
وهكذا وصف شقيقه حالة الوحي الشعري عند أبي القاسم الشابي، فالشعر إلهام في مخ الشاعر لا يستطيع أحد إزالته
***
غريب دوحي








